Thursday,19 October, 2017
Current issue | Issue 1351, (6 - 12 July 2017)
Thursday,19 October, 2017
Issue 1351, (6 - 12 July 2017)

Ahram Weekly

الأزمة السورية.. بوصلة الصراع تتجه إلى الصحراء.. والنفط "كلمة السر"

دمشق ـ باسل العودات

معركة من أجل صحراء سوريا
معركة من أجل صحراء سوريا

تتنافس كل الدول والأطراف المتورطة بالأزمة السورية للسيطرة على الصحراء السورية الشاسعة، الغنية بالنفط، والتي تُعتبر منطقة استراتيجية في المثلث السوري العراقي الأردني، ويحتدم الصراع ليضع مختلف الأطراف وجهًا لوجه أمام استحقاقات جديدة.

في الوقت الذي يُسلّط فيه وسائل الإعلام الضوء على (معركة الرقة) في شمال سوريا، التي يتمترس فيها مقاتلون تابعون لتنظيم الدولة، ويحاول الأتراك والروس والأمريكيون والأكراد والنظام السوري تنسيق المعارك هناك، وفق توازن يُلبي مطالب هذه القوى، في محاولة للسيطرة على المدينة الأهم في الشمال السوري وترسيم حدود عسكرية على الحدود التركية، تتصارع هذه القوى في البادية السورية، خاصة بعد سيطرة (قوات الحشد الشعبي) الموالية لإيران على مدينة الموصل، وقرار الولايات المتحدة أن يكون لها قاعدة عسكرية مهمة تُشرف على كامل الصحراء السورية.

بدأت الولايات المتحدة منذ مطلع العام تنخرط عسكريًا أكثر في المسألة السورية، ليس فقط بسلاح الطيران، بل كذلك بقوات برية يزداد عددها بشكل شهري، وقواعد أرضية ثابتة، وتعزيزات بأسلحة أكثر تطورًا. وقد ظهر أهم انخراط للقوات الأمريكية بريًا في منطقة التنف، حيث أقامت (قاعدة التنف) العسكرية الكبيرة، التي استخدمتها كقاعدة جوية وبرية في نفس الوقت، وأرسلت مئات الجنود الأمريكيين والنرويجيين إليها، وشغّلتها على مدار الساعة للتحكم بكل الصحراء السورية الممتدة من مدينة تدمر وسط سوريا إلى الحدود السورية - العراقية في أقصى الشرق.

في يونيو الماضي، وجّهت القوات العسكرية الأمريكية سلسلة ضربات ضد القوات المدعومة من إيران التي حاولت التغلغل في الصحراء السورية لفتح طريق استراتيجي يصل العراق بسوريا، ومن ثم بالمتوسط، لكن هذه الهجمات لم تردع إيران.

التدخل الأمريكي في (التنف) لم يُرضِ طهران، لأنه أوقف تمدد الحشد الشعبي الموالي لها باتجاه سوريا، فردت بمحاولة فتح معبر جديد يربط العراق وسوريا في منطقة وسطى تقع بين معبر التنف الجنوبي ومعبر القائم في الشمال.

أرسلت إيران مئات المقاتلين من (الحشد الشعبي) العراقي ليعبروا الحدود من العراق إلى سوريا، كما كثّفت من تواجد الميليشيات المدعومة منها في سوريا في تلك المنطقة، واستطاعت خلق بؤر عسكرية عشوائية تُقلق الأمريكيين، لقربها من (قاعدة التنف العسكرية) ولقربها من فتح ريق من بغداد إلى دمشق، وقامت القوات التابعة لإيران باستهداف مقاتلين في مدينة دير الزور شرق سوريا ادّعت أنهم تابعون لتنظيم الدولة، كذريعة لتُغطي فيها تقدّم قواتها في الصحراء.

هذا التقدم الإيراني في الصحراء السورية تم رغماً عن أنف الولايات المتحدة، وقال الحرس الثوري الإيراني في 20 يونيو الماضي إن طهران "أسست لمرحلة جديدة من الصراع داخل سوريا"، وأنها "مستقلة في قراراتها، ليس عن أمريكا والعالم فقط، بل عن روسيا أيضاً"، في تحدّ غير مسبوق، لكلا الدولتين، لكن يُعتقد أن غضّ الطرف الأمريكي عن توغل ميليشيات إيرانية في الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور شرق سوريا كمحاولة من واشنطن لدفع هذه الميليشيات لصدام مع تنظيم الدولة الإسلامية لاستنزافها.

بالمقابل، ثم أسقطت القوات الأمريكية طائرة حربية سوريا، للمرة الأولى خلال الصراع، في تأكيد منها على أنها قررت منع روسيا، وحليفها الإيراني، من التمدد في شرق سوريا وشمالها معاً، وبعدها قامت روسيا بتعليق اتفاق يهدف إلى منع وقوع حوادث مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في سماء سوريا، وهددت باستهداف طائرات أمريكية.

سارعت الولايات المتحدة للتهديد بمنظومة صواريخ متطورة في (قاعدة التنف) ووجهت رسالة إلى موسكو مفادها أن واشنطن لن تُسلّم الحدود السورية – العراقية إلى قوات توالي سلطة الأسد وإيران، وستحول دون الإمساك بمقاليد طريق سريع يربط بين دمشق وبغداد وطهران.

روسيا بدورها استعرضت قدراتها الصاروخية في 23 يونيو، في عملية مزدوجة هدفت إلى القضاء على تجهيزات تنظيم الدولة الإسلامية، وأطلقت ستة صواريخ مجنحة من فرقاطتين عسكريتين وغواصة تابعة للبحرية الروسية، شاركت في عملية الإطلاق من مياه البحر المتوسط.

وفي الوقت الذي تسعى فيه إيران وروسيا والولايات المتحدة وحتى الأكراد (الانفصاليين) في سوريا إلى تأمين مصالحها وتعظيم مكاسبها، في مرحلة ما قبل القضاء على تنظيم الدولة "داعش"، تبقى تركيا الوحيدة التي لم تّدع للمشاركة في كل ما يجري في الصحراء السورية، وهي مع هذا أسيرة قلق بالغ، وهو عدم حصولها على موافقة أمريكية لدخول الرقة السورية - حنى الآن - ما قد يُفقدها فرصة حجز مقعد على طاولة المفاوضات التي ستناقش مصير سوريا والمنطقة برمتها بعد القضاء على التنظيم في الرقة.

وحول هذا توزيع القوى هذه في شرق وشمال سوريا، وتنافس كل الأطراف على كل شبر من هذه المنطقة، قال المعارض السوري سعيد مقبل لـ "الأهرام ويكلي" :"تسعى تركيا لأن تكون حاضرة في الشمال، هي والروس، وهي تحشد سبعة آلاف مقاتل من الجيش التركي على الحدود، وتقدر على التحكم بنحو 20 ألفاً من مقاتلي المعارضة السورية، وربما ستكون هي صاحبة النصيب الأكبر بالدخول إلى الرقة، لأن الأمريكيين قد يمنحوا تركيا هذا الامتياز مقابل تخفيف علاقتهم بالروس التي تحسّنت كثيراً خلال الأشهر الأخيرة على حساب تراجع علاقتهم بالولايات المتحدة وحلف الأطلسي، مقابل ذلك، يسعى الإيرانيون والروس والنظام السوري لأن تكون لهم دمشق وريفها، والمدن الساحلية في الغرب من سوريا، أما الأمريكيون فهم مهتمون بشرق سوريا وجنوبها، وتُعتبر الحدود العراقية والأردنية مناطق نفوذ أمريكية لا يُسمح بالمساس بها حتى من الروس".

وأضاف: "لكن الطموح الإيراني لا يتوقف عند حد، خاصة وأن إيران تُشغّل في سوريا والعراق ميليشيات منفلتة طائفية غير إيرانية، ولا ترسل جنوداً إيرانيين حتى لا تخسرهم، وتُضحي بمقاتلي هذه الميليشيات برخص عسى أن تستطيع مضايقة الولايات المتحدة لفرض شراكة على المنطقة الصحراوية من سوريا، وفتح طريق حتى لو غير مستقر يصل بغداد بدمشق".

ربما لهذا السبب، تسرّبت أنباء عن اتفاق روسي - أمريكي - أردني، تضمن مبادئ إقامة (منطقة آمنة) في درعا جنوب سوريا، بعمق 30 كيلومترًا من حدود الأردن، مع عدم وجود قوات غير سورية في تلك المنطقة، وهذا أمر موجّ لإيران، لأنها الوحيدة التي لديها قوات غير سورية في تلك المنطقة.

تتجه أنظار جميع الدول والقوى إلى الميادين والبوكمال ومدينة دير الزور، في الصحراء السورية، والجميع يتحدث عن معركة انتزاعها من تنظيم الدولة ، بعد أن نقل التنظيم عاصمته من الرقة إلى هذه المحافظة منذ أبريل الماضي، وأطلق عليها اسم (ولاية الخير)، وهي المحافظة السورية الأغنى بالنفط، وهو الأمر الذي ربما يدفع القوى لبناء تحالفات جديدة للسيطرة على هذه المنطقة والاستفادة من ثرواتها. فضلاً عن أهمية هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة كحلقة وصل استراتيجية بين العراق وسوريا والأردن.

الأجواء العسكرية في شرق وشمال سوريا لا تشير إلى اتساع رقعة (خفض التصعيد) وفق ما يدعو إليه مؤتمر أستانة الذي عقد جلسته السادسة هذا الأسبوع، بل إلى تصعيد أكبر للمعارك والخلافات، تنذر بتصدّع كبير في خطوط خرائط التحالفات العربية والإقليمية السياسية والعسكرية، والى حد كبير الدولية أيضاً.

لم يُقدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - حتى الآن - توجهات مُعلنة بخصوص المسألة السورية، وبخصوص مستقبل ودور الأطراف المتدخلة فيها، ما يستعجله هو إنجاز نصر في معركة تحرير الرقة، ومعركة السيطرة على الصحراء السورية، والتحركات الأمريكية في سوريا تفتقد إلى خط ناظم مُعلن يرسم استراتيجية واضحة ويحدد الأولويات، والعلاقة بسائر الفرقاء على الأرض، لا سيما روسيا وإيران. وحتى الآن، ليس للولايات المتحدة أي هدف معلن في سوريا سوى القضاء على الإرهاب، بل إن قادتها السياسيين والعسكريين يشددون، مع كل توتر يحصل مع القوى الأخرى المنتشرة في سوريا، على أنهم لا يهدفون إلى محاربة القوات السورية النظامية أو الإيرانية أو الروسية، بل تنظيم الدولة فقط، غير أنهم لا يقدمون صورة واضحة عما ستفعله أمريكا بعد إنجاز هذه المهمة.

بالمقابل، لا يخلو الموقف الروسي أيضاً من الارتباك، فإذا كانت روسيا واضحة في دعمها لسيطرة بشار الأسد على كامل مساحة (سوريا المفيدة) غربًا، فهم أقل حماسة في دعم محاولاته للتمدد نحو الرقة في الشمال والصحراء في الشرق، ويبدو أنها مستعدة للتخلي عن هذه المناطق للأمريكيين، مقابل الاحتفاظ بالتملك الحصري للأراضي الواقعة غرب نهر الفرات وحول دمشق وفي الساحل السوري. ولكن يبدو أن الإيرانيين لم يصلوا إلى هذا التسليم أمام الأمريكيين، وهو ما نراه في مواصلة القوات البرية التابعة للنظام والميليشيات التابعة لإيران محاولاتها المستميتة لنيل حصة ما في شرق سوريا.

ويقول المعارض السوري فريد البيك: "يبدو أن بوتين يحمل إلى لقائه المرتقب مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في هامبورغ عدة هدايا سورية، من شأنها أن تجعل العلاقات تتطور بصورة ملحوظة، من خلال الإعلان عن توافقات جديدة، تبدأ من إعادة ترتيب أولويات كل من روسيا وأمريكا في سوريا، ومعها إعادة توزيع أدوار الدول الإقليمية في الصراع السوري، على رأسها تجاوب روسيا مع ملامح خطة ترامب بخصوص إنشاء مناطق آمنة في سوريا، وانطلاقًا من ذلك، فإن النشاطات الإيرانية، سواء في الصحراء السورية في الشرق بين العراق وسوريا أو في درعا جنوباً هدفها إرباك هذه التوافقات وإجهاض أية نتائج لا تأخذ في الاعتبار مصالحها".

المسألة السورية تؤذن بدخول مرحلة جديدة، سيحتدم فيها الصراع كثيراً، ويبدو أن ملامحها ستتضح أكثر فأكثر، بعد الانتهاء من تنظيم الدولة في العراق وسوريا، إذ أن التخلص من هذا الكيان سيضع مختلف الأطراف وجهاً لوجه أمام استحقاقات جديدة، فإما استمرار الصراع مباشرة، أو التوصل إلى توافقات بخصوص مستقبل سوريا، وفي الغالب سيأتي مستقبل سوريا وفق ما ترسمه إرادات الأطراف الخارجية الفاعلة، ووفقًا لتوافقاتها، وليس وفقاً لما يريده السوريون.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on