Tuesday,17 October, 2017
Current issue | Issue 1352, (13 - 19 July 2017)
Tuesday,17 October, 2017
Issue 1352, (13 - 19 July 2017)

Ahram Weekly

في فنون بناء التحالف!

د.عبد المنعم سعيد يحذر: اختبار جديد يضع العرب في مرمي النيران

هناك أمران لابد منهما لعودة الشرق الأوسط إلي درجة معقولة من العقلانية: أولهما أن تكون هناك قوة مركزية كافية لكي توازن وتكبح جماح القوي الساعية لهدم المنطقة؛ وثانيهما أن يكون هناك مشروع للإصلاح الداخلي في الدول، وبناء الأمن في الإقليم. كلا الأمرين مرتبطان، وتاريخيا فإن مصر والسعودية عندما تعاونا في مواجهة التوسع الإسرائيلي، والثورة الإيرانية، والجموح العراقي فإن النتيجة كانت تحقيق الاستقرار في المنطقة، وإعطاء الفرصة للنمو والتنمية في الداخل. الآن فإن التجمع الرباعي (السعودية ومصر والإمارات والبحرين) الذي طالب قطر بالالتزام بقواعد مكافحة الإرهاب ورتب علي ذلك أشكالا متعددة للمقاطعة؛ قد بات مطالبا من قبل شعوب المنطقة بما هو أكثر. المسألة ليست أن قطر دولة صغيرة، فهي أيضا واجهة لقوي راديكالية وإرهابية متنوعة، مضافا لها قوي إقليمية ـ إيران وتركيا ـ معتبرة أسفرت عن وجهها خلال الإسابيع الماضية. المهم في كل الأحوال ألا تخفي الشجرة القطرية الغابة الكثيفة والمظلمة من خلفها فهي تخفي جماعات إرهابية متعددة يقع في مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين الكبيرة الحجم والتمويل والمحكمة التنظيم والممثلة في أكثر من ٨١ دولة في العالم.

وربما لم تتأثر قطر من أي قوة سياسية خلفها بقدر ما تأثرت بالجماعة، خاصة في أساليبها المخادعة التي تعرف ماذا تفعل ساعة الضعف، وماذا تفعل ساعة التمكين؛ وكيف في كل الأحوال يكون لها خطبا مزدوجة بين العربية والإنجليزية، وبين الليبرالية والتطرف العنيف.

قطر أيضا تعلمت أيضا من القوي العظمي والكبري المختلفة، فوفقا لاعترافات قطرية فإن الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية لم تكن تملك أو تستطيع التعامل والتواصل مع جماعات إرهابية فكانت الدوحة هي الجسر إلي "كوكتيل" كبير من الجماعات التي تبدأ بطاليبان وتنتهي بداعش، وجميعهم يعيشون ويتواصلون تحت العباءة الإخوانية. مثل ذلك كان خبرة كبيرة للدولة القطرية التي وجدت نفسها تعبر عن وجهات نظر راديكالية من خلال "الجزيرة"، بقدر ما كان عليها أن تتكلم عن الاعتدال في القنوات والمواقع الغربية.

وبينما كان اللعب علي الحبال جاريا، لم يسلم الأمر أن تستخدم قطر أدوات إرهابية في الوقت التي تضع نفسها في صف الحرب علي الإرهاب، وفي كل الأحوال فإن الدول التي استخدمت قطر بزغت خلال الأسابيع الماضية لاعبة دور الوسيط، والمطالبة للدول العربية أن تحل أزماتها، وكأن المجموعة الرباعية لم تطلب من قطر إلا أن تكف عن العدوان عليها بالتحريض والتآمر.

الفائدة الرئيسية فيما سمي بـ "الأزمة" القطرية كانت كشف ما خفي في قضية محددة وهي محاربة الإرهاب؛ ولكن ما انكشف عبر عن مستويات متنوعة من الأطماع الجغرافية في دول الإقليم التي سقطت فريسة الحرب الأهلية والتنازع الداخلي. فالحقيقة أن "تحالف الأستانة"- روسيا وإيران وتركيا ـ لم يكن معبرا عن تحالف لإيقاف نزيف الدم في سوريا بقدر ما كان تمهيدا دبلوماسيا لتقرير المصير السوري الذي بدوره سيكون بفعل الجغرافيا محددا أيضا للمصير في العراق ولبنان. وبقدر ما كان هذا التحالف الإقليمي طارحًا نفسه في المجال الدبلوماسي لتنظيم حالة الشرق الأوسط، فإن كافة الأطراف الإقليمية والدولية تنتظر النتائج التي سوف يفضي إليها اجتماع بوتين وترامب علي "هامش" اجتماع مجموعة الدول العشرين. المدهش في هذا الاجتماع أن المدة المقررة له هي نصف ساعة فقط، ومع ذلك فإن المشروع الأمريكي كما عبر عنه وزير الخارجية الأمريكي في بيان رسمي يفوض روسيا في إدارة المسألة السورية شريطة توحيد العدو فيما تبقي من داعش، ومع بقاء النظام السوري فإنه يمتنع عن استخدام الأسلحة الكيماوية؛ ومن أجل هذا فإن الولايات المتحدة سوف تستخدم قوتها العسكرية، وتساعد في إنشاء مناطق دائمة، ومناطق للحظر الجوي. ما هو المقابل الذي سوف تأخذه الولايات المتحدة أو ترامب، وهل هو في العراق، أم بالتخلي الروسي عن التحالف مع إيران وتركيا؟ تقرير مثل هذه الأمور لا تتم في نصف ساعة، وإنما عبر اتصالات ومشاورات علي مدي الأسابيع والشهور الماضية.

الأسئلة كثيرة، وهي لا يمكن أن تظهر الإجابة عليها ما لم تكن هناك قوة كافية مقابلة تأخذ مصالح دول وشعوب المنطقة في الاعتبار. لقد سبق في هذا المقام طرح تصور لميثاق سياسي يخص تسويات المنطقة بحيث تتم المحافظة علي دول الإقليم القائمة بحدودها الراهنة، مع استعادة قوة الدولة بأن تكون هي وحدها المحتكرة لعناصر القوة المسلحة، مع الحفاظ علي حقوق الأقليات. ولكن المواثيق مهما كانت جدارتها لا تطبق نفسها، وإنما هي تحتاج إلي طاقة سياسية وأحيانا عسكرية لتنفيذها. ولذا فإن الدول الأربع بات عليها أن تتحول من مجرد ائتلاف في مواجهة مع واجهة قطرية لقوى مختلفة إلي تحالف لأصحاب الإرادة والعزم بين الدول العربية التي تلعب دورا رئيسيا في إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة، وتحقيق الأمن الإقليمي فيها. هذه المسألة لا يصلح فيها إحراج دول عربية تريد أن تظل بعيدة أو تتصور أن خلاصها يكون بالبقاء بعيدا عن نيران ملتهبة؛ وإنما هي عملية لمن يعرف أن النيران الملتهبة للتقسيم والتمزق والإرهاب لا تترك أحدا لوحدته.

من الناحية العسكرية فإن الدول الأربع تقاسمت الكثير من الأنشطة المشتركة خلال السنوات الماضية ظهرت في مناورات دورية شهدت أنواعا متعددة من الأسلحة في البر والبحر والجو. ولكن القوات المسلحة في كل الأحوال لا تعمل دون سياسة تدير العلاقات بين الأطراف المتحالفة، وسياسة تدير العلاقات مع الدول الأخري في الإقليم عربية كانت أو غير عربية، وسياسة للتعامل مع الدول الكبري والعظمي. هذه السياسات جمعاء تكون في التحالفات القوية جزء من استراتيجية شاملة تحدد الأدوار، وتتقاسم التكاليف، وقبل هذا وذاك تعرف الأهداف المراد التوصل إليها والحزمة من السياسات اللازمة للوصول إليها. كل ذلك لا يكفي فيه الاتصالات الجارية، ولا التفاهمات بين الأجهزة الأمنية، ولا الاتصالات المستمرة بين القادة، وإنما هناك حاجة ماسة للعرض علي الرأي العام العربي كله. بكلام آخر أن التحالفات الدولية المستمرة والأصيلة تستمد أصالتها من الرأي العام العربي في هذه الحالة، وهو الذي في النهاية سوف يقدم لها الدعم والتضحيات.

لقد كان وضع النقاط علي الحروف وتحتها فيما يخص قطر خطوة كبيرة نحو المكاشفة مع الشعوب العربية، بما فيها الشعب القطري، حول الدور السلبي الذي تلعبه قطر في السياسة العربية في لحظة مصيرية يتحدد فيه مصير أقطار عربية، بل والمنطقة العربية كلها. الآن فإن هذه الخطوة الشجاعة يمكنها أن تكون بداية لما هو أهم وأكثر جدارة؛ فالمصير العربي لا ينبغي له أن يتقرر في سايكس بيكو أخري نبكي بسببها لعقود مقبلة. الآن فإن الأمة بأسرها تتعرض لاختبار كبير، من الممكن أن تنجح فيه إذا ما عرفت كيف تتحالف، وماذا تفعل بهذا التحالف، في مواجهة تحالفات جارية بالفعل تضع العرب جميعا في مرمي النيران.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on