Monday,20 November, 2017
Current issue | Issue 1352, (13 - 19 July 2017)
Monday,20 November, 2017
Issue 1352, (13 - 19 July 2017)

Ahram Weekly

حراك شعبي وصراع سياسي

​حسام ردمان يكتب من جنوب اليمن

فيما كان ناشطو "الحراك الجنوبي"- المطالبون بالانفصال-  يضعون لمساتهم الاخيرة على ساحات الاحتجاج في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن ، ؛ كان رئيس الوزراء اليمني احمد عبيد بن دغر يستعد للإدلاء بتصريحاته التي حاولت احتواء المناخ التصعيدي قدر الامكان .

بن دغر ، و بخلاف ما درج عليه الخطاب السلطوي اليمني لنحو عقدين ، اعترف بحق المتظاهرين الانفصالين في الاحتشاد والتعبير السلمي عن مطالبهم ، كما انه حث جميع التيارات السياسية الاخرى على تحاشي الخروج للشارع يوم الجمعة الفائت لتجنب الصدام .

غزل الساعات الاخيرة من المسؤول الجنوبي الاكثر تنقلا بين المعسكرات السياسية اليمنية ، لم ينجح لوحده في احتواء الموقف المحتقن ، وان كان قد لعب دورا هاماً في ارجئ أي صدام محتمل . فلهجة بن دغر نفسه حملت قبل يومين من التظاهرة تحذيرات مبطنة "للمجلس الانتقالي الجنوبي" الذي عاد جميع اعضاءه الى عدن لحضور فعالية الجمعة .

قال بن دغر : "لنقرأ بين بعض تفاصيل المشهد، كلما حاولتم اضعاف الشرعية في عدن او النيل من الرئيس المنتخب (عبدربه منصور هادي) ، كلما مهدتم الطريق اكثر لعودة الحوثي وصالح"، وابعد من ذلك اشار رئيس الوزراء اليمني الى عودة صراع مناطقي بين "ابين والضالع" ، وذلك على منوال الاصطفافات المناطقية التي صبغة الحرب الاهلية في جنوب اليمن عام 1986.

بيد ان ذكريات الحرب الاهلية لا تراود ساكني قصر "المعاشيق" وحسب ، وهي تعود بغزارة لتقلق كثير من الساسة والمراقبين ،  خافية في اطيافها ملامح تصدعات تبدو قابلة للانفجار في أي وقت ، فالجنوب الذي اراده الجميع ساحة لاقتسام النفوذ، يحاول بما تبقى له من قوى ذاتيه ، التموضع كطرف فاعل بالمشهد المحتدم ، والذي لا يبدو في طريقه قريبا نحو أي تسويه شامله او جزئية.

الجنوب .. لاعب وملعب

اليمن الذي يعيش حرب مدمرة منذ اواخر العام 2015 لا يمكن باي حال من الاحوال فهم خارطة صراعه بالاستناد الى الثنائية الرسمية التي روجت لصراع الشرعية (مدعومة بالتحالف العربي بقيادة الرياض) في وجه الانقلاب المسلح (الذي شكله تحالف الحوثيين مع صالح ) . اذ تبدو تبسيطات الاعلام عاجزة عن الالمام بتقاطعات الصراع الذي رسمته حقائق الجغرافيا والديمغرافيا وما علق فيها من صراعات التاريخ ، وفي قلب هذا التعقيد ظل الجنوب اليمني على الدوام عنصراً جوهرياً في تشكيل خطوط التماس السياسية والعسكرية ، منذ ان كان رجاله يناضلون بدأب للعودة كلاعب محلي معتبر في معادلة السلطة اليمنية ، والى ان انتهى به المطاف حالياً كملعب فرعي لصراع الفاعلين الاقليمين .

ومع انطلاق عاصفة الحزم ، دشن الحراك مرحلة جديدة تحول فيها ،بفصيله المسلح الذي يقوده عيدروس الزبيدي ، الى تيار مرحب به على المستويين الاخلاقي والسياسي ، نظراً لما لعبه من دور عسكري بارز في مواجهة قوات الحوثي وصالح ، حيث كانت محافظة الضالع (التي شكلت معقلا للحراك الجنوبي) اول محافظة محررة حتى بدون دعم مباشر من التحالف ، وفي اطار المساعي الامارتية لتوطيد نفوذها جنوباً، لم تجد ابوظبي بداً من التقارب السياسي والعسكري مع الحراك الجنوبي للاستفادة منه كرافعة شعبية وظهير محلي قوي ، وكمعادل موضوعي للجماعات الإرهابية ، وهو ما نجح فيه الحراك من خلال قياداته الصاعدة "عيدروس الزبيدي وشلال شائع" ، والتي جنبت عدن سيناريو التحول الى امارة اسلامية، وتعرضت لمحاولة الاغتيال اكثر من مرة على يد تنظيمي القاعدة وداعش.

وفي الفترة الممتدة من ديسمبر 2015 حتى ابريل 2017 تبنت الحكومة الشرعية سياسة احتواء قامت على اثرها بتمكين القيادات الجنوبية من السلطات المحلية ودمج عدد كبير من شباب الحراك بقوام الجيش والامن، ما ارسى معادلة جديدة تمثلت "بالسلطة في مقابل الوحدة" ، وهو ما دفع عيدروس الزبيدي للنزول عن الشجرة في اكثر من تصريح تخلى فيه عن نبرته الانفصالية  كان ابرزها اعلانه عن عدن كعاصمة ترحب بكل اليمنين ، لكن هذه الصيغة الجديدة من الشراكة جاءت ملبية لمصالح المعسكر "الحراكي-الاماراتي" اكثر من بقية الفرقاء المقصين ، حيث بلغ الصراع اوجه بين مشروعين متمايزين :مشروع الاقاليم الستة الذي تتبناه الرياض ومعها هادي والاصلاح ، ومشروع الاقليمين الذي يتبناه الحراك الجنوبي بدعم غير صريح من دولة  الامارات التي لا تتبنى المشروع لكنها لا ترفضه.

 وفي اطار الاحتقان المحلي المتصاعد بين معسكري الحراك (الذي ياخذ بتركيبته طابعاً مناطقياً تغلب عليه الضالع ولحج) ومعسكر الشرعية (الذي كان قوامه مشكلا من جنوبي الشرعية وهم ينتمون بغالبهم الى محافظتي ابين وشبوة اضافة الى حزب الاصلاح الذي اقصي تماما من الكعكة الجنوبية تحت تاثير الموقف الاماراتي الصارم تجاه الاخوان)؛ جاءت التناقضات الاقليمية لتصب مزيدا من الزيت(الخلاف السعودي الإماراتي من جهة ، والصراع الاماراتي القطري من جهة اخرى) و الذي انتهى بحالة طلاق بيّن في نهاية ابريل المنصرم حينما قرر هادي اقالة عيدروس من منصبه كمحافظ لعدن.

هذا الطلاق جرد الحراك الجنوبي من موقعه في السلطة، وهي التي شكلت قوة دفعه الذاتية في ظل رخاوته التنظيمية ، وكان الرهان على تحويل "الحراك" الى حالة مارقة او رخوة ومن ثم تعرية الوجود الاماراتي بالجنوب اقرب الى التحقق لولا خطوة عيدروس المفاجأة والتي اعادت تشكيل المشهد السياسي من خلال "اعلان المجلس الانتقالي الجنوبي" ، والذي مثل غطاء سياسي لما راكمه الحراك من مكاسب واستحقاقات ، كما انه شكل رافعة جديدة للنفوذ الاماراتي الذي اسهم في هندسة هذا المخرج السياسي.

لم تكن هذه الانعطافة السياسية لتكسب مشروعيتها وزخمها لولا العودة مجددا الى الشارع ، وبعد ان كان عيدروس الزبيدي قد طالب جماهير الحراك بنقل نضالاتها من "الشارع الى غرف السياسية" ، عاد ليدعوها في مايو الى الاحتشاد اولا ضد قرارات الاقصاء وثانيا لتفويضه بتشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي. وصولا الى دعوة الاخيرة في يوليو الجاري .

وللمرة الاولى في تاريخ التظاهرات "الحراكية" صار الخروج للتظاهر وسيلة تبتغي تحقيق مفاعيل سياسية بعد ان كان خروج الجنوبين غاية في ذاته.

 

تظاهرة 7/7 .. بين الرمزية والواقعية..

ظلت ذكرى 7/7 خالدة في المخيال الجنوبي لما جسدته من مشاعر مركبة ، من جهة مثلت تاريخ الهزيمة واستكمال قوات صالح المتحالفه مع الاصلاح اجتياحها لمدينة عدن عاصمة اليمن الجنوبي في العام 1994 ، ولعل المفارقة ان تحالف الحرب الذي اقصى الجنوبين وقتها وصف نفسه ايضا بالشرعية . ومن جهة ثانية كانت لحظة انبلاج شرارة الحراك الجنوبي في عام 2007 والذي مثل مسماراً هاماً في نعش نظام صالح وشرعيته ، لكن خروج الجنوبين هذه المرة ليس موسميا ورمزياً ، انه يشكل فصلا جديداً من فصول المواجهة التي تنوعت مستوياتها واساليبها .حتى بات احتشاد الجنوبين مقدمة لفرض امر واقع جديد كما حصل في "اعلان عدن التاريخي".

فقد نجح عيدروس الزبيدي في استثمار المظاهرات الشعبية كأسفلت سياسي يسرع من دينميات التحول "داخل المجلس الجنوبي" ، ويزخم مشروعيته في ظل ضيق الوقت الذي اضطره الى حرق المراحل ، وبعد ان واصلت الشرعية سياساتها الاقصائية التي شملت اقالت محافظي سقطرى وشبوة وحضرموت ، وهم اعضاء في المجلس الانتقالي ، قرر عيدروس وفريقه العدوة لعدن وتأكيد حضرهم الشعبي واستغلال المناخ الجماهيري الصاخب لاستكمال هيكلة المجلس الذي استكمل تجهيز دوائرة السياسية وبناه التنظيمية .

لكن المجلس وان بدا قادراً على قضم جزء واسع من المجال السياسي لما يمثله من حيثية جماهيرية وضوء اخضر اماراتي واصفر سعودي ، فانه يختزل جملة تناقضات تجعله عاجزا عن تقديم نفسه كبديل يقصي اطراف الشرعية او علاوة عن المغامرة باعلان الانفصال.

ومع ذلك فان بيان "المجلس الجنوبي" في الفعالية الاخيرة (التي اطلق عليها "رفض استمرار الاحتلال") لم يتردد عن تقديم نفسه كبديل جاهز في حال لم تنجح الحكومة " في تلبية متطلبات المواطنين من الخدمات والامن" ،وابعد من ذلك قرر حضر جماعة الاخوان المسلين وتصنيفها إرهابية الى جوار القاعدة وداعش والحوثي ، كما انه قرر تثبيت موقعه في اطار ما يجري تشكيله من "محور سني" حيث وضع مواجهة النفوذ الايراني كثابته استراتجية تقربه اكثر من دول الخليج .

في المجمل فإن محنة الحراك تنبع من ان لحظة مجده وصعوده هي عينها لحظة الازمة التي تعصف به وبمحيطه ، وهو يقف اليوم امام مفترق طرق مصيري :  اما ان يختار طريق السياسة الطويل الذي يؤدي الى السلطة ، او يدخل صدام مفتوح مع الشرعية التي نكثت بالتزاماتها وبالتالي ينقلب على الشرعية بدل ان يمضي بقضمها تدريجياً.

خطوة تشكيل المجلس تقول ان الخيار الاول قد يكون الارجح في ذهن عيدروس، حيث اكتفى الرجل باعلان كيانه و احباط مفاعيل قرار اقالته دون ان يتنكر كلية لفكرة الشرعية او يرتد عن تموضعه مع محور الرياض وابوظبي.. لكن ردة فعله الاخيرة التي قررت عدم الاعتراف بحزمة قرارات الاقالة وابقاء الوضع على ما هو عليه ، عادت لتنعش فرص الاحتمال الثاني ، وهو احتمال سيبعثر جميع اوراق اللعبة في حال حدوثه..


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on