Sunday,17 December, 2017
Current issue | Issue 1353, (20 - 26 July 2017)
Sunday,17 December, 2017
Issue 1353, (20 - 26 July 2017)

Ahram Weekly

متي تنتهي الأزمات ؟

د. عبد المنعم سعيد يكشف: الحقيقة في ترويج "الدوحة" مصطلح "الأزمة" في خلافاتها مع مصر وأخواته

لا تنفك وسائل الإعلام المختلفة أن تسأل المسئولين والخبراء والمحللين متي تنتهي الأزمة القطرية؟ ويصاغ السؤال بطريقة أخري: ما هي السيناريوهات المتوقعة لانتهاء الأزمة القطرية؟ ويطرح بطريقة مراوغة وفيها قدر من العجب أو تنم عن الحيرة والاضطراب في أعقاب كل تطور سياسي يجري خاصة تلك المتعلقة بجهود الوساطة: لماذا لم يؤد هذا الإجراء إلي نهاية للأزمة القطرية؟ هناك في كل ذلك افتراضان خاطئان، أولهما أن إجراءات المقاطعة وقطع العلاقات الدبلوماسية التي اتخذتها السعودية ومصر والإمارات والبحرين، ومعهما لفيف من دول أخري، تشكل "أزمة" دولية؛ وثانيهما أن هذه الأزمة لابد وأن تنتهي وفي القريب العاجل أو فورًا. كلا الافتراضين خاطيء فلا مجموع ما حدث (المقاطعة ورد الفعل عليها من قطر) يشكل أزمة، ولا أن هناك ضرورة تفرض انتهاء كل أزمة في وقت محدد، أو بسرعة مطلوبة. فالأزمة الدولية تفترض عددا من العناصر لا يوجد ما يتوافر منها في "الأزمة" القطرية إلا أنها تجري بين أطراف دولية، وأنها تتضمن تناقضات جوهرية في المصالح الحيوية لأطرافها تتعلق بالأمن القومي لهذه الدول.

في هذا البعد الأخير، فإن السياسات القطرية الخاصة بالتحريض علي الاستقرار السياسي في الدول الشريكة لها في مجلس التعاون الخليجي، والدعم والتمويل والإيواء لمنظمات إرهابية، والتعاون مع دول معادية لدول المجلس؛ كل ذلك رتب إجراءات عقابية من ثلاثة دول ومعها مصر التي تعرضت لنفس السلوكيات. أيًا من ذلك لم يكن "مفاجأة" لقطر ـ والمفاجأة عنصر مهم من عناصر "الأزمة" لأنها كانت تعلم بمخالفتها للاتفاقات التي جرت في عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤؛ ولا كان هناك "وقت قصيرلاتخاذ القرار" وهو أيضا من العناصر المهمة في الأزمة لأنه كان هناك ثلاثة أعوام من الصبر علي جانب الدول المُقاطعة، والآن فإن أحدًا لم يفرض إنذارًا علي قطر أن تعدل سياستها أو يتم اعتماد استخدام القوة المسلحة وهو أهم العناصر في الأزمة الدولية. فلا حدث التهديد باستخدام القوة، ولا تم حشد قوات أو أساطيل أو قيام قوات مسلحة باستعراض القوة العسكرية بشكل أو آخر. الأمر الوحيد الذي يشكل "شبهة" استخدام للقوة العسكرية كان تحرك قوات تركية إلي قطر؛ ولكن حجمها وقدراتها علي ضوء توازنات القوة العسكرية في المنطقة لا تخيف أحدا.

الأمر هكذا لا يجعل من "الأزمة" القطرية "أزمة" بالمعني المتعارف عليه في العلاقات الدولية؛ هي في الحد الأقصي حتي الآن خلاف وتناقض حاد في علاقات قطر بجيرانها نتج عن سياسات قطرية محددة تهدد أمن دول ومصالحها الحيوية؛ وكان الرد علي هذه السياسات إجراءات عقابية سوف تنتهي فقط ساعة توقف هذه السياسات. مثل هذه الإجراءات لا ترتب بالضرورة سقفا زمنيا لابد منه لانتهاء الموقف الذي نشأ في الرابع من يونيو ٢٠١٧ عندما بدأت عملية العقاب. مثل هذه المواقف حدثت من قبل في العلاقات الدولية، فقد كانت هناك إجراءات عقابية علي روسيا من قبل أوروبا والولايات المتحدة في أعقاب احتلال الأولى لشبه جزيرة القرم، وتصاعدت من قبل واشنطن بعد ثبوت محاولة تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ وكان هناك بعضًا من هذا قد جري أيضا مع إيران بعد مسيرتها في اتجاه إنتاج الأسلحة النووية. كل هذه لم ترتب "أزمات" بالمعني المتعارف عليه، وإنما مواقف من سياسات تعد هي ذاتها موضع التعريف بكونها مخالفة للقوانين والأعراف الدولية؛ ولا توجد هناك ضرورة لانتهائها مالم تنته السياسات التي أدت إليها.

والحقيقة أن الإصرار علي تسمية "الأزمة" القطرية جاء من جانب قطر، ومن قبل أطراف دولية أخري تريد أن تخرج قطر من الحالة التي وصلت إيه دون ضمان لتراجعها عن سياساتها المهددة لأمن جيرانها و"شقيقاتها". الغرض من استخدام تعبير "الأزمة" هو تصوير حالة تتساوي فيها الرؤوس، فيكون الأمر في النهاية كما لو كان دولة في مواجهة أربع دول، فتحصل قطر علي تعاطف لا تستحقه يتضمن تجاهل ما تفعله وما خالفت فيه اتفاقيات دولية موقعة، في الوقت الذي تؤكد فيه علي خضوع الموقف برمته لقواعد القانون الدولي، فلا تحريض حدث، ولا إيواء لجماعات إرهابية كان، ولا تمويل لأعمال عنف جري. الولايات المتحدة ودول أوروبية أخري استخدمت تعبير "الأزمة" لأنها تريد إضافة تهكما علي العرب الذين لا يكفون علي إثارة الأزمات في العالم بغض النظر عن موضوع القضية ذاتها، خاصة مع ثبوت واقع أن هذه الدول شجعت قطر علي القيام  بسياساتها هذه إما لخلق ساحة للتواصل مع الجماعات الإرهابية، أو مع إيران، أو أيضا الوقوف إلي جانب جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية باعتبرها معتدلة وتصلح للحكم الديمقراطي الليبرالي في دول عربية !!.

النتيجة هي أن "الأزمة" القطرية ليست أزمة من الأصل، والمرجح أنها ليست قطرية كذلك لأن الأصابع الإيرانية والتركية فيها واضحة، وما غمض من قبل أطراف أخري سوف تظهره الأيام، وما نشهده لا يزيد عن واجهة قطرية يحركها آخرون. وعلي أي الأحوال، وسواء كان الأمر أزمة أم لم يكن، فإنه لا يوجد ما يحتم انتهائها فورا أو في القريب العاجل. والدول التي قامت بالإجراءات العقابية هي في حقيقتها اتخاذ لإجراءات سيادية تقع في صميم سيادة الدولة في الدفاع عن مصالحها، فلا يوجد ما يجبر في القانون الدولي دولة علي أن تبقي علي علاقات دبلوماسية أو اقتصادية حميمة مع دولة تحرض علي الإرهاب والعنف وتقويض شرعية النظم الحاكمة ويحدث ذلك صباح مساء وعلي مدي ٢٤ ساعة كل يوم من منصات إعلامية لا تقع علي أرض الدولة فقط وإنما ممتدة لأكثر من ٢٥٠ منصة في اسطنبول ولندن وعواصم أوروبية أخري.

إذا كان كل ذلك كذلك، فإن السؤال المستمر عن "الأزمة" القطرية، ومتى تنتهي، فيه الكثير من تجنب الصواب، ومن المرجح أن الإصرار عليه من قبل قطر والمراسلين الغربيين يحاول أن يعطي الدوحة نصرًا لا تستحقه ولم تحققه علي أرض الواقع، لأن الدول التي فرضت الإجراءات العقابية لا تزال تفرضها، ولن ترفعها ما لم تتوقف قطر عن سياساتها، وأكثر من ذلك أن تكون هناك ضمانات لكي لا تعود مرة أخري إليها. معني ذلك أنه لا تكفي الإعلانات العامة التي حاولت أطراف دولية السعي إليها مثل الحصول من قطر علي تعهدات كلامية لا يصاحبها إجراءات عملية من أول إغلاق قناة الجزيرة وحتي طرد الإخوان المسلمين والقوات العسكرية الأجنبية علي أرض قطر. وللحق فإنه لا يوجد لدى السعودية ومصر والإمارات والبحرين ما يدعو إلى العجلة، فقد كسبت غياب قطر من التحالف العربي ومن ثم باتت آمنة علي ظهورها من الطعن أثناء معارك مصيرية؛ وإذا كان هناك من ألم في الموقف كله، فهو يقع لدي الطرف القطري الذي يدفع تكلفة سياسات خرقاء. 


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on