Tuesday,17 October, 2017
Current issue | Issue 1353, (20 - 26 July 2017)
Tuesday,17 October, 2017
Issue 1353, (20 - 26 July 2017)

Ahram Weekly

إلغاء مفهوم العالم العربى!

محمد سلماوي يتساءل عن الدور الأمريكي.. وساطة للحل أم ضمانة لـ "الشرق الأوسط الجديد"

هل صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بالوساطة فى أزمة قطر؟ لقد انتهت زيارة وزير الخارجية ريكس تيلرسون إلى المنطقة دون أن تسفر عن أي تقدم فى حل الأزمة، فهل جاء تيلرسون بغرض الحل أصلا؟ إن الموقف الأمريكى لم يكن ملتبسًا مثلما هو الآن، فقد وجدنا الرئيس دونالد ترامب يطالب بوقف تمويل الإرهاب ويبارك قرار مقاطعة قطر قائلا بصريح العبارة إن لقطر تاريخًا طويلًا في تمويل الإرهاب، ثم يرسل وزير خارجيته إلى الدوحة ليوقع اتفاقية جديدة مع الأمير تميم حاكم قطر تبريء ضمنيا ساحة قطر من تمويل الإرهاب، فهى اتفاقية تحظر مثل هذا التمويل وطالما قطر موقعة عليها مع الولايات المتحدة فهى إذن لا تمول الإرهاب، بل وصل الأمر إلى أن يدعو تيلرسون دول المقاطعة نفسها إلى أن تحذو حذو قطر وتوقع مثلها على الاتفاقية، وكأن قطر قد أصبحت بين يوم وليلة هى المثال الذى يحتذى فى محاربة الإرهاب، فما هى حقيقة اللعبة الجديدة التى تقوم بها أمريكا الآن فى العالم العربي؟، وهل هى فعلا تتوسط بين الأطراف المتنازعة بهدف رأب الصدع؟

للإجابة على هذا السؤال ومحاولة استجلاء حقيقة الدور الأمريكى في المنطقة، يحضرني ذلك التحقيق الاستقصائي الضخم الذي نشرته كبرى الصحف الأمريكية "النيويورك تايمز"، عن العالم العربي بعد ١٣ عامًا من التدخل العسكري الأمريكي في العراق، والذي أفردت له الصحيفة صفحات مجلتها الشهيرة بالكامل، فى سابقة لا تتكرر كثيرا فى الصحف العالمية حيث تكرس الجريدة عددًا بأكمله لموضوع واحد فقط.

وقد عجبت أن أي من صحفنا لم تتنبه لهذا التحقيق الذى يعتبر فى رأيي الأهم هذا العام، فتترجمه وتعيد نشره، إن لم يكن بإفراد عدد كامل له مثلما فعلت الجريدة الأمريكية، فعل الأقل بنشر أهم أجزاءه فى ملحق خاص، فبعيدًا عن الانحيازات السياسية المعروفة لتلك الجريدة التى يسيطر عليها اللوبي اليهودي الأمريكي، جاء هذا التحقيق المتميز الذى حمل عنوان Fractured Land: How the Arab World Came Apart، أي "الأرض المحطمة: كيف تفتت العالم العربي"، على قدر كبير من الموضوعية، حيث أظهر بشكل واضح أن حالة التجزئة والتناحر والاقتتال التى يعيشها الوطن العربي الآن بدأت بالغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ والذى لم يتبعه إلا الفوضى والخراب فى معظم أرجاء الوطن العربي.

وقالت الجريدة إن الغزو الأمريكي للعراق الذي تم بهدف "تحقيق الديمقراطية" دمر الدولة العراقية وقضى على مؤسساتها وخلق الظروف المواتية لولادة التنظيمات الدينية الإرهابية ونشر الفوضى التي حولت العالم العربي إلى منطقة مشتعلة بالحروب الداخلية، وهو الذي "أعطى إشارة الانطلاق لعصر الإرهاب الذى يعيشه العالم الآن".

أما حصيلة خسائر ذلك الغزو بالأرقام فهي كالتالي: قتل من العراقيين مليونًا و٤٥٥ ألفا و٥٩٠ مواطنا، وقتل من الجانب الأمريكي ٤٨٠١ ضابط وجندي أمريكي، ومن بقية العسكريين الذين شاركوا فى العدوان مع القوات الأمريكية ٣٤٧٨ عسكريا، أما التكلفة المالية على الجانبين فقد وصلت إلى تريليون و٧٠٥ آلاف و٨٥٦ مليون دولار، وتقدر المصادر الدولية خسارة العالم العربى المادية ب ٨٣٠ مليار دولار، فضلا عن خسائر الأرواح الناتجة عن الفوضى التي عمت المنطقة وأدت إلى الاقتتال الدائر الآن بين العرب وبعضهم البعض فى كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا.

لقد تحدثت مراكز البحث الأمريكية والدوائر السياسية الحاكمة منذ بدايات القرن الحالي عن مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذى يعاد بمقتضاه تقسيم المنطقة بحيث تزال منها الدول الكبرى كالعراق وسوريا ومصر وتتحول إلى دويلات صغيرة متحاربة، وتكون القوة الإقليمية الوحيدة فى المنطقة هى إسرائيل، وها نحن الآن نرى ذلك "الشرق الأوسط الجديد" يتخلق أمامنا بعد أن سخرنا طويلا من إمكانية تحقيقه، ومن سخرية الأقدار أننا نحن الذين نقوم بتخليقه بأيدينا، فالذين يحاربون السوريين هم السوريون والذين يقاتلون العراقيين هم العراقيون، وهكذا فى اليمن وفي ليبيا، أما بالنسبة  للجماعات الإرهابية التى كانت الولايات المتحدة أول من دعمها ومولها بطرق مباشرة وغير مباشرة فقد حصدت هي الأخرى من الأرواح ما فاق بعض الحروب، فرغم أنها تشن حربها باسم الإسلام فإن ٧٠٪ من ضحاياها من المسلمين، عوضًا عما تساهم به فى تفتيت المجتمعات العربية  ونشر الفوضى فى ربوع البلاد.

على أن أخطر ما يتعرض له العالم العربي في الوقت الحالي هو ضياع مفهوم الوطن العربي ذاته والذى كان طوال فترة الخمسينات والستينات يمثل قاعدة القوة التى ينطلق منها العمل العربي على الساحة الدولية. لقد كان هناك كيان محدد المعالم يعرفه العالم باسم العالم العربي، وكانت له خصائصه الثقافية والاجتماعية التى ميزته عن المناطق الجغرافية الأخرى فى العالم، وإذا كانت وحدات ذلك العالم العربى هى الدول التى يتكون منها، فإننا نرى الآن تلك الدول تتهاوى وتسقط بعد أن كادت تنتفي عنها صفة الدولة الوطنية وبدأت كل دولة تنقسم على نفسها لتتحول إلى كيانات اجتماعية لا تقوم على أساس الانتماء للوطن وإنما للدين أو المذهب أو الطائفة أو العرق.

وليس أدل على ضياع مفهوم الوطن العربي من ذلك الغياب المشين لجامعة الدول العربية عن الأزمات التى يتعرض لها الوطن العربي وعن محاولات الوساطة التي تتبعها، فهل من المعقول، أو المقبول، أن تجري الوساطة بين قطر ودوّل الخليج بواسطة الولايات المتحدة، ثم تشارك معها بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا، ولا يكون هناك أدنى حضور للجامعة العربية فى هذا الخلاف الذي يقوم بين دول أعضاء بها ويلتزمون بميثاقها؟! قد لا يكون حضور الجامعة هو الذي سيحل المشكلة، لكن وجودها فى مثل هذه المواقف هو الذي سيبقي على المظلة العربية التى تظللنا جميعا، وحضورها هو الذى سيؤكد على الصفة العربية التى يحاولون ضربها، وقيام التسوية تحت مظلتها هو الذى سيقول للعالم إنه رغم كل ما يحدث فإن هناك كيانًا اسمه العالم العربي، لكنى لا أرى دولة عربية واحدة من الأطراف المتنازعة طلبت حضور ومشاركة الجامعة العربية وتفعيل دورها، أو حتى طالبت بمجرد حضورها جولات الوساطة هذه التى تقوم بها الولايات المتحدة، وذلك أن الدور الأمريكي لا يهدف إلى الوساطة وإنما إلى ضمان تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد والذى لا يمكن أن يقوم إلا بضرب فكرة الوطن العربى ذاتها، فذلك المشروع  لا مكان فيه لما كان يسمى فى الماضى العالم العربي.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on