Monday,23 October, 2017
Current issue | Issue 1354, (27 July - 2 August 2017)
Monday,23 October, 2017
Issue 1354, (27 July - 2 August 2017)

Ahram Weekly

القمة الروسية الأمريكية

عبد المنعم سعيد يكتب عن "لقاء العشاء الغامض" في هامبورج

ساعة نشر هذا المقال، سوف يكون أكثر من أسبوعين قد مرا علي القمة "الرسمية" الأولى بين الرئيس الروسي فلادمير بوتين، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التاسع من يوليو الجاري. هذه الفترة ربما كانت ضرورية حتي ينجلي الضباب الكثيف الذي أحاط بالقمة وتركز علي تأثيرات التحقيقات الأمريكية الجارية الخاصة بالتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لصالح المرشح الجمهوري، والرئيس الآن، ترامب.

 قبل يومين من القمة نشر موقع "The Hill" خمسة أسئلة توضح أن الإجابة عليهم تشرح ما جرى في الاجتماع: ما الذي سوف يقوله ترامب عن التلاعب الروسي؛ من سيحضر الاجتماع؟ كيف ستكون لغة الجسد بين القائدين؟ ماذا سوف يفعل بوتين؟ هل سيحدث تقدم في سوريا؟.

 الجولة الأولي من التعليقات علي ما جرى في الاجتماع كلها ركزت على قضية عما إذا كان ترامب قد أثار موضوع التدخل الروسي وبالقوة المناسبة لعمل فادح للتدخل في سير الديمقراطية الأمريكية. الجانب الأمريكي ـ تيلرسون وزير الخارجية تحديدا ـ أكدت علي أن ترامب قد أثار الموضوع بقوة مدينًا السلوك الروسي؛ بوتين من جانبه قال إن الموضوع طرح وأنه نفي الدور الروسي ويبدو أن ترامب قد اقتنع بالأمر.

الآن، فإن كثيرًا من المعلومات باتت متاحة عن القمة الأمريكية الروسية وكلها تبعدها عن تلك النقطة التي أراد الجميع التركيز عليها، أن اللقاء سوف يكون اختبارًا لترامب في دفاعه عن الديمقراطية الأمريكية بحيث يحتج علي السلوك الروسي؛ وفي نفس الوقت اختبار بوتين وترامب معًا في عما إذا كان حديث أجسادهما يدل علي علاقات سابقة.

وبعيدًا عن التعليقات هنا أو هناك، فإن اللقاء كان ذو طبيعة استراتيجية من الطراز الأول، ويعود بنا إلى ما ذكرناه من قبل في هذا المقام عن توجهات ترامب تجاه روسيا والتي تذهب إلى أن صفقة كونية يمكن عقدها بين واشنطن وموسكو تحقق مصالح الطرفين، وتجعل العالم مختلفا عما كان. فعلي عكس ما ذكر قبل الاجتماع أن وجوده علي هامش اجتماعات قمة العشرين ربما يجعله ذو طبيعة استكشافية، خاصة أن الوقت المخصص له في جدول الزعيمين هو ٣٠ دقيقة، فقط لا غير. في الواقع امتد الاجتماع إلى ١٤٠ دقيقة؛ وأكثر من ذلك عقد اجتماع آخر ثنائي بين بوتين وترامب علي عشاء خاص، لم يحضره وزيرا خارجية البلدين الذين حضرا الاجتماع الأول. وربما جدد ترامب كل الشكوك حول طبيعة الاجتماع عندما عاد مرة أخري إلى القول بأن روسيا ربما تكون قد تدخلت في الانتخابات، ولكن هناك إمكانية تدخل أطراف أخرى أيضا، "فلا أحد في الحقيقة يعرف"!.

أكثر من ذلك فإن مخرجات الاجتماع ربما توحي بحقيقة ما حدث فيه، فمن ناحية اتفقا علي وقف إطلاق النار في جنوب سوريا، مع الدفع في سياسات التهدئة في جميع المواقع الأخرى ما عدا تلك المتعلقة بالقتال ضد داعش. ومن ناحيتها فإن الولايات المتحدة قررت ربما استجابة لطلب روسي وقف برنامج وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لتقديم العون العسكري لجماعات المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد؛ بينما علي الجانب الآخر قبلت بتواجد روسي واسع النطاق في سوريا لا يشمل فقط قواعد عسكرية جوية وبحرية وإنما برية أيضا مع استغلال للغاز والنفط السوري عن طريق شركة "إيفروبوليس" الروسية، مع قيام شركة "استرويترانز" باستخراج الفوسفات الذي كان واقعًا تحت سيطرة "داعش".

الصورة النهائية فيما يتعلق بسوريا هي تسليم ترامب بالمطالب الروسية من أول الاعتراف بشرعية حكم بشار الأسد، وحتي أن تكون الطرف المهيمن ليس فقط علي الساحة السورية، وإنما أيضا إدارة العمليات السياسية المتعلقة بها. وحدث ذلك وسط احتجاجات إسرائيلية كبيرة حول أن الاتفاق بصدد سوريا يعرض أمن إسرائيل للخطر، لأنه لا  يضع فقط القوات الروسية في موقع التماس مع الحدود الإسرائيلية، وإنما أيضا القوات الإيرانية، وقوات حزب الله المتحالفة معها، علي ذات الحدود. النهاية كانت إعطاء روسيا تطمينات لإسرائيل التي لا يبدو أن انزعاجها وقلقها لم يتبدد بشكل كامل.

هل حدث ذلك في شكل صفقة بين واشنطن وموسكو؟، وأين تقع هذه الصفقة وهل هي في العراق؟، أو أوكرانيا، أو كلاهما معا، أو في مواقع أخري من العالم؟ ما نشر عقب لقاء الزعيمين لا يعطي الكثير من المعلومات، وما لم ينشر عن لقاء العشاء، يجعل من المناسبة غموضًا يحتاج الكثير لفض أسراره. ولكن هناك ما يمكن التأكيد عليه وهو أن استراتيجية ترامب القائمة علي التوافق أو "الوفاق" مع روسيا تبدو أنها مستمرة بعد الحملة الانتخابية، ولا يعوقها إلا معارضة الكونجرس بجناحيه الجمهوري والديمقراطي لعلاقات ودودة مع روسيا خاصة بعد ما قامت به روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وأكدت علي حدوثه أجهزة المخابرات الأمريكية كلها. فرغم ذلك فإن ترامب اتفق مع بوتين علي تشكيل "وحدة للأمن السبراني" للبلدين؛ وأكثر من ذلك فإن ترامب نوه إلى أهمية إعادة النظر في العقوبات التي قامت بها الولايات المتحدة بعد التوغل الروسي في الأزمة الأوكرانية وضم شبه جزيرة القرم إلي الاتحاد الروسي.

كل هذه الإجراءات الخاصة بسوريا وغيرها تؤكد على أن القمة لم تكن حول موضوع التدخل في الانتخابات الرئاسية، وإنما أن ترامب لا يزال إخلاصه قائمًا لرؤيته حول شكل العلاقات المراد إقامتها مع موسكو. القمة هنا تعود بالذاكرة إلى قمة موسكو الأمريكية الروسية في مايو ١٩٧٢ بين ريتشارد نيكسون وليونيد بريجنيف والتي نادت "بالاسترخاء العسكري" في الشرق الأوسط، وتوصلت إلى اتفاقية "سالت ١" التي نظمت سباق التسلح النووي بين البلدين، وأشهرت وقتها ما عرف في السياسة الدولية بسياسة "الوفاق Detente"؛ وقمة "ريكيافيك" (أيسلندا) بين رونالد ريجان وميخائيل جورباتشيف التي ربما كانت نقطة البداية في وضع نهاية للحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي. قمة هامبورج بين ترامب وبوتين ربما يكون لها نفس النتيجة التاريخية خاصة إذا ما عرفنا ما جرى بين الزعيمين علي العشاء الذي لم يحضره أحد، ولا صدر بصدده بيان رسمي، اللهم إلا ما قيل عن أن الشرق الأوسط استحوذ علي وقت غير قليل من الاجتماع. ولكن ما يهمنا في كل الأحوال هو ليس فقط حقيقة ما حدث، وإنما مدى تأثيره علي المنطقة العربية خاصة ما يتعلق بمنطقة "الهلال الخصيب" حيث تتشابك القضايا في العراق وسوريا ولبنان، وتؤثر علي الأردن ومنطقة الخليج، وفي كل الأحوال فإن إسرائيل واقفة مترقبة ومتحفزة وقلقة. كل ذلك لا يجعل من وقف إطلاق النار والتهدئة في سوريا علي أهميته نهاية للأزمة الكبرى التي ألمت بالمنطقة وشغلتها خلال السنوات الست الماضية؛ وربما علي العكس تكون بداية لأزمات أخري أكثر حدة. المهم أن يكون الجانب العربي من الأحداث مستعدًا، وفي عام ١٩٧٣، ورغم كل التوافقات الأمريكية الروسية (السوفيتية آنذاك)، أحرز العرب أعظم انتصاراتهم التاريخية.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on