Wednesday,22 November, 2017
Current issue | Issue 1355, (3-9 August 2017)
Wednesday,22 November, 2017
Issue 1355, (3-9 August 2017)

Ahram Weekly

دليل الإنسان الذكي إلي الشرق الأوسط

عبد المنعم سعيد يرى إن القوى الأربع التي وقفت ضد قطر تشكل تحالفا استراتيجيا يمكنه، مع استمرار الجهود، ملء الفراغ الاستراتيجي الذي زعزع استقرار الشرق الأوسط

بحكم المهنة، وسواء في الكتابات الصحفية أو البحوث الأكاديمية، فإن تعريف المصطلحات والأمور ضروري حتي يكون الكلام محكمًا والحكمة مقصودة. وفي يوم ما فإن "الشرق الأوسط" لم يكن إقليما يخص أصحابه أو من يعيشون فيه، وإنما منطقة حددها الاستعماريون الأوروبيون بين الشرق الأدني أي المنطقة اللصيقة بالبحر الأبيض المتوسط؛ والشرق الأقصى الذي يقع بعيدًا على المحيط الهادي. منطقيًا صار الشرق الأوسط ما بينهما، ويضم دول إيران وأفغانستان وباكستان وما هو معروف الآن بآسيا الوسطي. جاءت الحرب العالمية الثانية ومن بعدها إنشاء دولة إسرائيل فذاب الشرق الأدنى في البحر المتوسط، وتزحزح الشرق الأوسط غربًا لكي يشمل الدول العربية وإسرائيل التي بات صراع العرب معها هو "الشرق الأوسط" بعينه، فيقال أزمة أو صراع الشرق الأوسط.

ومع انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي سقط جنوبه من الجمهوريات "الإسلامية" إلي الشرق الأوسط فاتسع شرقًا لكي يضم أيضًا أفغانستان وباكستان. ومع ظهور الإرهاب والمنظمات الأصولية المتطرفة وتوطنهم بين أرجاء إقليم واسع، صار الشرق الأوسط ممتدًا من حدود الصين شرقا وحتى المحيط الأطلنطي غربا، ومن البحر الأسود شمالا حتى القرن الإفريقي جنوبا. والآن، فالعجب هو أن الإقليم لا يكف عن التوسع، فقد نزل جنوبًا في الصحراء الإفريقية بعد أن امتدت وتمددت منظمات إرهابية من الصومال إلي مالي.

في هذا الفضاء الواسع بتشابكاته الجيو سياسية، والجيو إرهابية معا، فإن الصراعات ليست لها نهاية بالضرورة، ففي منطقة لا تعرف لا النسيان ولا المغفرة، فإن ما جرى في التاريخ الذي مضى، فإنه ممتد حتى التاريخ الذي سوف يأتي. وفي الولايات المتحدة هناك عجب بالغ من أن أطول الحروب في تاريخ الولايات المتحدة لم تعد الحرب الأهلية الأمريكية (١٨٦٠ ـ١٨٦٥)، ولا الحرب العالمية الثانية (١٩٤١ ـ١٩٤٥)؛ وإنما الحرب في أفغانستان التي بدأت في ٢٠٠١ وبعد ستة عشر عاما فإنها لم تنته حتى الآن. وحتي عندما قررت الولايات المتحدة الانسحاب من العراق بعد تسع سنوات فإنها لم تلبث فترة قصيرة إلا وعادت بعدها في أشكال جديدة. وفي كل مرة جاءت فيها الولايات المتحدة أو ذهبت، فإنها جذبت معها دول حلف الأطلنطي جيئة وذهابا.

 وفي نقاشات حضرتها مؤخرًا، كان السؤال الجوهري هو هل انتهت "دولة الخلافة" فعلا، وكانت الإجابة هي أنها أولا لا تزال باقية ومتواجدة في مناطق بين سوريا والعراق؛ وثانيًا أن بعضًا منها تسلل إلى الفضاء الواسع للدولتين؛ وثالثا أنه إذا كانت "داعش" سقطت أو سوف تسقط فإن "الداعشية" باقية ومستعصية علي السقوط؛ ورابعا أن "داعش" و أقرانها من المنظمات الإرهابية تنقسم وتندمج مثل الكائنات العضوية، وهي الآن ربما تنقسم في الشرق الأوسط ويذهب بعضا منها إلى جنوب الفلبين أو إلي"تورا بورا".

 الخلاصة ربما هي أن الحرب علي الإرهاب سواء كانت عالمية أو إقليمية أو محلية لا ينتظر لها أن تصل إلى نهاية، فلن يكون هناك مؤتمرًا مثل فرساي بعد الحرب العالمية الأولى، ولا مؤتمرًا مثل بوتسدام أو سان فرانسيسكو بعد الحرب العالمية الثانية؛ أو "كامب دافيد" للتوصل إلى سلام مصري إسرائيلي. هي حرب مفتوحة إذن زمانًا ومكانًا، وليس أمام أطرافها سوي الصبر واعتماد سياسة للزمن الطويل تحاصر وتقنن وتقي من شرور لبما يكفي لاستمرار الحياة.

والحقيقة أن كل السياسات المعتمدة للحرب لا تضع صورًا محددًة أو استراتيجية متكاملة للانتصار النهائي؛ وفي معظم مراكز التفكير العالمية فإن أقصى المطروح هو كسب معارك محددة، ولكنها ليست الحرب الشاملة، وربما كان وجود "داعش" في "دولة الخلافة" فرصة تم انتهازها، ولكن رأس الأفعى يتحرك في مواقع كثيرة.

ولا يزال للتعقيد مجال كبير في ذلك الإقليم المتسع للشرق الأوسط، فعلى الأقل فإن ما يجري من معارك الآن أعطى غطاءً وضبابًا لحروب الجغرافيا السياسية التي تقودها الآن إقليميًا إيران وتركيا، ودوليًا للولايات المتحدة وروسيا.

 طهران وأنقرة أحلامهما الإمبراطورية قديمة، وتاريخية، والآن باتت الأحلام مغلفة بالدولة "الإسلامية" والثورية أيضا في إيران؛ وفكر الإخوان "المسلمين" و"العثمانية الجديدة" في تركيا. موسكو من ناحيتها كانت الأسبق لتغيير الحقائق علي الأرض السورية بدءًا من سبتمبر ٢٠١٥، ولم تلبث أن لحقت بها واشنطن من النافذة العراقية بعد أن سلمت لموسكو أن سوريا بأكملها باتت منطقة نفوذ روسية. كانت روسيا من القوة والتأثير بحيث كونت تآلفا في الأستانة مع إيران وتركيا ربما لأن لكلاهما قوات بالفعل في العراق وسوريا، ولديهما أتباع في لبنان. ولكن الجغرافيا السياسية لا تعطي آثارها للدول وحدها، وإنما لجماعات عرقية أن تنتهز الفرصة لكي تفكك دولا وتنشيء دولا أخري؛ فأكراد العراق المنقسمون في داخلهم والذين توقفت مؤسساتهم عن العمل، يضعون الجميع في داخل وخارج العراق أمام الأمر الواقع لاستفتاء حق تقرير المصير في ٢٥ سبتمبر المقبل. أكراد سوريا يريدون حكمًا ذاتيًا كامل الأوصاف إلى جوار دولة كردية مستقلة في العراق في وصفة لا يعلم أحد إلى متى تستمر؛ والأخطر متى تفجر حربًا أخرى في المنطقة؛ فلا تركيا ولا إيران ولا العراق ولا سوريا علي استعداد للقبول بالاستقلال الكردي؛ ومن عرف دروس استقلال جنوب السودان يعرف أن الاستقلال هو المقدمة لحرب أهلية في الإقليم المستقل، وحرب دائمة مع الدولة التي جري الاستقلال عنها.

هذا هو "الشرق الأوسط" الذي يواجهه الإنسان "الذكي" في المنطقة؛ وربما لن يحتاج الأمر كثيرًا من الذكاء لكي ندرك أن مثل هذه الحالة من السيولة العملياتية بين حروب متنوعة لكل منها أساليبها وأدواتها وتحالفاتها تظهر أنها نتيجة لحالة من الفراغ الإستراتيجي الذي نتج عن أسباب كثيرة سبق تناولها في هذا المقام من أول "الربيع العربي" المزعوم إلى السلوك الإيراني العدواني إلى "الإرهاب" والتطرف، إلى تدخل الدول الكبرى.

 المنطقة باتت مغرية بمستقبل ساخن لقوى كثيرة داخلية وخارجية، ولا يمكن التعامل معها بذكاء إلا من خلال حلف عربي ربما كانت القوى الأربع التي قاطعت قطر هي المقدمة لتحقيق توازن من نوع ما في منطقة مختلة. الحلف الإستراتيجي علي أية حال له متطلبات كثيرة، كما أنه يحتاج إلى الأردن والعراق واقترابًا مختلفًا من سوريا لكي يعتدل الميزان؛ وربما يتطلب سياسة مركبة للتعامل مع روسيا والولايات المتحدة. المهمة صعبة، ومكلفة، خاصة والأحوال في واشنطن مرتبكة، وقلقة، في أفضل الأوصاف؛ ولكن لهذا كانت الدبلوماسية والسياسة، والتوظيف الذكي للموارد والقدرات.

 في السابق كان مغريًا كثيرًا أن يذهب الجميع فرادى إلى النظام الدولي لتحقيق الأهداف والمصالح؛ ولكن المعضلة الآن أن العناوين في النظام الدولي متضاربة، وفي أوروبا فإن الجميع ينتظر نتائج "البريكسيت" ومؤخرًا ما سوف يحدث في بولندا، وفي موسكو فالأجندة غير معروفً المدى الذي تصل إليه، وفي واشنطن فإن الجميع يعرف الحالة العميقة في غموضها !.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on