Thursday,23 November, 2017
Current issue | Issue 1355, (3-9 August 2017)
Thursday,23 November, 2017
Issue 1355, (3-9 August 2017)

Ahram Weekly

النفط السوري.. "بيزنس" أمراء الحرب في بلد النصف مليون قتيل

باسل العودات يكتب عن النظام والتنظيم والانفصاليون الذين يتناوبون على الآبار.. والشعب خارج "القسمة

Al-Ahram Weekly

تحوّلت آبار النفط في سوريا لمصدر تمويل للأكراد الانفصاليين ولتنظيم الدولة، وأنبتت شريحة من أمراء الحرب ممن يرون أن ربحهم المادي أهم من الوطن.

أدّت الحرب التي قادها النظام ضد المطالبين بإسقاطه، والتي دخلت عامها السابع، إلى تدهور قطاع النفط، وبين أعوام 2012 و2014، تنامت سيطرة المعارضة على حقول النفط وخاصة في الشمال الشرقي حيث توجد أهم الحقول النفطية، وصار نحو 70% من إجمالي آبار النفط والغاز تحت سيطرة المعارضة السورية، لكن لم تستطع هذه المعارضة التحكم بالنفط أو تشغيل الآبار أو بيع النفط لصالحها، واستفاد من هذه الفوضى بعض السكان المحليين الذين أقاموا مصافي صغيرة شخصية تُكرر لهم بضع براميل من النفط كل يوم، فيما استمرت الحكومة بالتحكم بمصافي التكرير وبموانئ التصدير.

عمّت الفوضى القطاع النفطي في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، وخلال المعارك قصف الطيران السوري والمدفعية بعض آبار النفط لحرمان المعارضة منها، واتهمت الحكومة الإرهابيين بإحراق الآبار بسبب "خلافات على تقاسم النفط المسروق"، وسالت مئات الآلاف من براميل النفط على الأراضي الزراعية وفي الصحراء متسببة بكارثة بيئية، ونشطت عصابات سرقة النفط من الآبار المقصوفة.

أقام سارقو النفط أكثر من 500 مصفاة نفط بدائية، في ريف إدلب ودير الزور، حيث يوقدون النار تحت خزان كبير يحوي نفطًا خامًا، وترتفع سحب الدخان الأسود إلى السماء، ويتحول النفط الخام بالتبخر إلى عدد من المشتقات النفطية خلال ساعات، وصار لكل بئر سعر مختلف وفقاً لنوعية النفط، ويبرر البعض هذه الطريقة في التعامل مع هذه الثروة بالحاجة الملحة لمعيشتهم بعد أن فقدوا كل مصادر المعيشة نتيجة الحرب.

منذ عام 2015، بدأ تنظيم الدولة، تدريجيًا، يسيطر على آبار النفط ويختطفها من يد المعارضة المسلحة في شرق سوريا، كما بدأ الأكراد التابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني التركي، بالسيطرة الممنهجة على آبار النفط في شمال سوريا، وقام بعمليات تهجير قسري لسكان المنطقة بهدف إخلائها من سكانها لتبقى مناطق النفط كردية صرفة.

في ذلك الوقت، امتنع الثوار عن شن هجمات على البنية التحتية للنفط، مع أن خطوط الأنابيب كانت بدون حراسة في الغالب، لأنهم كانوا يعتقدون أن هذا النفط سيكون أحد روافد الإيرادات الرئيسية بعد سقوط النظام، ولم يكن يخطر ببالهم أن تنظيم الدولة والأكراد والنظام هم وحدهم من سيستفيد من كل ذلك.

في مرحلة مبكرة، وافق الاتحاد الأوربي على السماح بشراء النفط من المعارضة السورية، وفرح بعض السوريين باعتبار أن ذلك سيعيد للشعب السوري جزءًا من ثرواته التي اغتصبها النظام طوال عقود، لكن (الجيش السوري الحر)، الذي كان كيانًا منضبطًا، شكك بهدف القرار الأوربي، وقال قادته إن الجيش الحر ليس كيانًا سياسيًا بل هو كيان ثوري سيُعاد تنظيمه وهيكلته بمجرد سقوط النظام، وليس بمقدوره تقديم أي التزامات اقتصادية مستقبلية، وقالت المعارضة السياسية إن هذا القرار سيخلق فوضى، فلا تحديد للمعارضة التي ستستفيد من بيع النفط، ولا ضمانات لجميع القوى المعارضة بالحصول على نصيبها، وأشارت إلى وجود نزاع بين الكتائب المسيطرة على آبار النفط، وسوف يتعمق هذا الصراع في المستقبل، وأفضل ما يمكن عمله لهذه الثروة الوطنية هي إبقاؤها داخل الأرض إلى حين سقوط النظام، وبناء على ذلك لم يتم تصدير أي شيء من النفط السوري حين كانت المعارضة تُسيطر عليه.

لا تعتبر سوريا دولة نفطية كبيرة، فلديها فقط 2.5 مليار برميل من الاحتياطيات، من أصل 714 مليار برميل احتياطات العالم العربي، وقد تراجع إنتاج النفط السوري منذ بدء الثورة، من 370 ألف برميل من النفط يومياً إلى أقل من 70 ألف برميل، وفاقت الخسائر 3 مليارات دولار، وكان النفط بالنسبة للنظام هو وسيلة لتحقيق أمنه، فكل إيرادات النفط خلال أربعة عقود كانت تُحوّل إلى حساب خاص في الميزانية ممنوع صرف أي مبلغ منه إلا بأمر من الرئيس شخصيًا.

في الوقت الراهن، يتقاسم مصادر النفط السوري كل من تنظيم الدولة بواقع 25% من حجم النفط المُستخرج، والقوات الكردية بواقع نحو 50% منه، والنظام السوري بواقع 25%، ما يعني أن الأكراد هم المسيطرون على غالبية النفط السوري، ويقومون بترويجه بطرق عديدة، ومريبة في نفس الوقت.

تضم الحسكة ثلاثة حقول نفط كبيرة على الأقل، فيما تضم دير الزور ستة حقول نفطية وحقلًا لإنتاج الغاز، يحوي عنفات لتوليد الكهرباء للمدن والقرى المحيطة به، ومازال حتى اللحظة بيد القوات النظامية بصفقة عقدها النظام مع تنظيم الدولة.

ساهمت العقوبات الأوربية والأمريكية المفروضة على قطاع النفط السوري في شل عمليات البيع والشراء والإنتاج والتصدير، فلجأ النظام السوري إلى بيع النفط إلى إيران وروسيا وبعض دول (البريكس) الحليفة له، وبسبب الفوضى التي عمّت هذا القطاع الحيوي، وفقدان النظام السيطرة على الغالبية العظمى من آبار النفط، ظهر أمراء حرب من المقربين من النظام، استغلوا الفوضى وتاجروا بالنفط مع تنظيم الدولة  ومع الأكراد الانفصاليين، وراكموا ثروات لا يُستهان بها.

يُسيطر الأكراد على آبار النفط في الحسكة، وهي آبار نفط ثقيل يصعب استخراجه وتصفيته، بينما يُسيطر تنظيم الدولة على آبار النفط في دير الزور وما حولها، وهي آبار نفط خفيف قابل للتسويق، وبعد محاولات فردية فاشلة للتصدير والتصفية، عبر العراق أو تركيا، عرض عليهما أمراء حرب من النظام التعاون، فتم ذلك، وما زال هذا التعاون النفطي قائم حتى اليوم بين هذه الأطراف الثلاثة.

وكشف تميم م. الخبير الاقتصادي السوري، لـ "الأهرام ويكلي" أن مصافي الدولة السورية تقوم بتصفية نفط يرد عبر وسطاء من تنظيم الدولة من شرق سوريا ومن الأكراد من شمال سوريا، ويقتطع النظام نسبة متفق عليها من هذا النفط الخام، ويعيد تسليم الكميات المُعالجة المُصفّاة إلى التنظيم والأكراد من جديد، في عملية مستمرة منذ نحو عام.

وأوضح أن القوى الكردية، وتحديدًا حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، لا يمتلك القدرة على تصفية أو تسويق أو بيع النفط الخام، وحاول في مرحلة سابقة عام 2015 أن يُحضر خبراء من خارج سوريا لإقامة مصاف صغيرة، ووجد أن الأمر في غاية التعقيد، فلجأ إلى الاتفاق مع النظام السوري عبر وسطاء مقربين من النظام، بحيث يتم تصفية النفط في مصافي الدولة، ويقتطع النظام جزءًا من الإنتاج، ويعيد تسليم الباقي للقوات الكردية، التي تقوم بدورها بتصديره عبر ميناء بانياس إلى روسيا وإيران عبر وسطاء روس.

كذلك أشار إلى أن الصلة بين تنظيم الدولة الإسلامية والنظام السوري فيما يخص تسويق وتصفية النفط مستمرة، حيث يقوم التنظيم بتوريد النفط على غرار القوات الكردية إلى مصافي سورية، وبنفس الطريقة، ويقوم بدوره بتسويقه للتصدير عبر العراق عبر ميناء البصرة، ويتحمل تنظيم الدولة تكاليف النقل والشحن، ويؤمّن صهاريج النقل.

مناطق إنتاج النفط التي يُسيطر عليها الأكراد والتي يتحدث عنها الخبير هي حقول الحسكة بما فيها الرميلان والمالكية والسويدية وكراتشوك، وحقول الجبسة بما فيها جبسة وكبيبة وتشرين، وهي تُنتج ما يزيد عن 20 ألف برميل يومياً، تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية بالكامل، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وهو ما يوفر للحزب نحو ربع مليون دولار يوميًا، بينما كانت هذه الحقول تُنتج ما يُعادل 250 ألف برميل يومياً قبل عام 2011.

أما مناطق إنتاج النفط التي يُسيطر عليها تنظيم الدولة فهي حقول دير الزور، والتي تُنتج ما يقرب من 15 ألف برميل يومياً، وهي حقول كانت تُنتج ما يُعادل 100 ألف برميل يومياً قبل عام 2011. ووفق تقارير سابقة، فإن (والي الرقة) السابق هو الذي كان الوسيط المنتدب من التنظيم، وهناك وسطاء منتدبون من النظام من بينهم شخصيات من عائلة الأسد يُشرفون على الاتفاق.

إلى ذلك، كشف سكان محليون أن النظام السوري مازال حتى اليوم مسؤول عن عمليات صيانة آبار النفط في كلا المنطقتين اللتين يسيطر عليهما تنظيم الدولة والأكراد، عبر مهندسي صيانة، ويزود الآبار بالمعدات وقطع الغيار اللازمة، ويقتطع نسبة من النفط الخام مقابل الصيانة أيضاً.

لم تؤدِ الحرب السوري لخسائر بشرية فاقت النصف مليون قتيل موثّق فقط، ولم تقتصر على تدمير المئات من البلدات والقرى، وبعض المدن فقط، ولا تُخلّف مليوني معاق إعاقة دائمة، ومليون يتيم، بل أيضاً دمّرت البنى التحتية والاقتصادية، ودمّرت صناعة النفط السورية، وحوّلت آبار النفط لمصدر تمويل للأكراد الانفصاليين ولتنظيم الدولة، وأنبتت شريحة من أمراء الحرب من النظام، ومن غير النظام، ممن يرون أن ربحهم المادي أهم بألف مرة من وجود وبقاء الوطن، وهذا بعضًا من مآسي الحرب السورية.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on