Thursday,19 October, 2017
Current issue | Issue 1356, (10 - 16 August 2017)
Thursday,19 October, 2017
Issue 1356, (10 - 16 August 2017)

Ahram Weekly

من قال إن أحكام القضاء مقدسة؟!

محمد سلماوي يرصد الخطأ والصواب في تقدير "المنصة" لتهمتي ناجي وسراج الدين

لست أعرف من الذى أطلق مقولة إن أحكام القضاء مقدسة، بما لايسمح بالتعليق عليها؟ ولست أعرف كيف قبلنا تلك المقولة التى لا سند لها فى القانون، فرضينا بها وانصعنا لها؟ فإذا كانت كلمة القضاة هى المقدسة فماذا تَرَكُوا لكلمة الله؟! إن القضاة بشر يخطئون ويصيبون كسائر البشر، لذلك وجدنا أحكاما يثبت خطأها وتتراجع عنها المحكمة فى الدرجة التالية من التقاضي، وهذا يعني أن أحكام القضاء ليست مقدسة، ولا يوجد عندنا أو عند غيرنا قانون يمنع التعليق على أحكام القضاء، بل إن جميع النظم القضائية، عندنا وعند غيرنا، تسمح بمراجعة أحكام القضاء، واستئنافها، ونقضها أيضا، فمن الذي خلع عليها إذن تلك القدسية المزعومة؟!

لقد شاهدت بنفسي في قضية الروائي الشاب أحمد ناجي كيف تغير الحكم وتبدل ما بين قاض وآخر، فقد استدعيت للشهادة في القضية، أنا والدكتور جابر عصفور والروائي صنع الله إبراهيم، وبعد أن استمعت المحكمة لشهاداتنا أصدرت حكمها ببراءة المتهم، ثم فى الاستئناف حكم قاض آخر بالسجن على أحمد ناجي، أما في النقض فقد وجد قاض ثالث ما يستوجب رفض المحاكمة برمتها وإعادة مثول الكاتب الشاب أمام محكمة أخرى، فلا كان حكم الدرجة الأولى مقدسا ولا الحكم المستأنَف..

أقول هذا بمناسبة ذلك الحكم المفاجيء الذى أصدرته إحدى المحاكم الجزئية بمنطقة شرق الإسكندرية بحبس الدكتور إسماعيل سراج الدين، المدير السابق لمكتبة الإسكندرية، ثلاث سنوات ونصف، في مخالفات للوائح البيروقراطية الحكومية المصرية البالية التي لا يصح أن تخضع لها مكتبة الإسكندرية، مثل تأجير كافتيريا المكتبة دون عمل مزايدة وتلقى عطاءات كما يحدث فى دواوين الحكومة، ومثل شراء سيارات للمكتبة يصل سعر بعضها إلى مليون جنيه مصري، وهو سعر يقل كثيرًا عن أسعار السيارات الفاخرة مثل الرولس رويس والبنتلي والجاجوار والفيراري، والتي يصل ثمن الواحدة منها إلى عدة أضعاف هذا المبلغ، ومثل تعيين مستشارين لا يحتاجهم العمل بالمكتبة، ولست أعرف كيف يتسنى لغير إدارة المكتبة أن تعرف احتياجات العمل والتي يراجعها مجلس الإدارة ويعتمد أو يرفض قراراتها؟ ومثل السفر على نفقة المكتبة فى رحلات شخصية، ولست أعرف كيف يتسنى أيضا لغير إدارة المكتبة تحديد طبيعة أي سفرية، وما إذا كان المدير قد اجتمع خلالها بمن تربطهم علاقات تعاون مع المكتبة أم أنه أمضى وقته في التزحلق على الجليد فوق جبال الألب؟!

إن الشخص الذي نتحدث عنه ليس ممن ينتظرون مرتبهم الوظيفي حتى يسافرون إلى الخارج أو يركبون سيارة محترمة، فمن المعروف أن الدكتور إسماعيل سراج الدين ظل لسنوات طويلة يعمل في الخارج حتى وصل إلى أعلى درجات السلم الوظيفي في منصبه الدولي كنائب لرئيس البنك الدولي بما سمح له أن يعيش فى أفضل مستوى معيشي في الولايات المتحدة، وأن يرسل أبناءه إلى أفضل الجامعات هناك، وأنا أتحدث هنا عما حققه بجهده الشخصي واعتمادا على قدراته الفردية وليس اعتمادا على خلفيته العائلية، فهل ترك كل ذلك لكي يأتي إلى مصر بغرض إهدار مال واحدة من أهم مؤسسات مصر الدولية في نفقات هو قادر على تحملها دون السطو على أموال المكتبة؟

إنني أشرف بعضوية مجلس أمناء مكتبة الإسكندرية الذي يضم ملوكًا ورؤساء جمهوريات ووزراء وبعض الشخصيات الدولية المرموقة، وأعرف أن سجلات المكتبة تشير إلى تبرع أحد الناس، ويدعى إسماعيل سراج الدين، بما يقارب ٣ ملايين جنيه، لهذه المؤسسة التي رفعت اسم مصر عاليا في المحافل الثقافية الدولية، وقد شاهدت بنفسي في متحف المكتبة بعض نوادر السجاد العجمي القديم والتي وهبها إسماعيل سراج الدين للمتحف من المجموعة الشهيرة لجده المرحوم الدكتور علي إبراهيم صاحب واحدة من أكبر المجموعات المتحفية للسجاد في العالم، كما تبرع أيضا بمكتبة والدته أستاذة الفن الإسلامي المعروفة، والتى كانت تضم كتبا نادرة توارثتها العائلة جيلا بعد جيل إلى أن استقرت الآن في المكتبة.

لقد استطاع الدكتور إسماعيل سراج الدين بعلمه وبثقافته الموسوعية أن يحقق لنفسه مكانة دولية مرموقة حتى أنه حين رشحته بوركينا فاسو ( وليس مصر! ) لرئاسة اليونسكو صدر بيان من ٢٠٠ من كبار الشخصيات الدولية بأييده كان من بينهم ٣٠ شخصية من الفائزين بجائزة نوبل في مختلف المجالات، كذلك شاهدت بنفسى أثناء الاجتماع الأخير للرئيس عبد الفتاح السيسي بمجلس أمناء المكتبة، كيف أثنى أعضاء المجلس بلا استثناء على المدير المؤسس للمكتبة وجهده المتواصل طوال الـ١٥ عاما الأخيرة، وقد أكد لهم الرئيس أن مصر لا تفرط فى رجالها وأنه سيتم الاستفادة من علم وخبرة الدكتور سراج (كما نطق اسمه)، وبالفعل لم تمض أيام حتى كان الرئيس قد أصدر قراره بعضوية الدكتور إسماعيل سراج الدين بالمجلس القومي لمكافحة الإرهاب ضمن لفيف من كبار الشخصيات المصرية، كما اتخذنا قرارًا بمجلس الأمناء بإنشاء مركز للأبحاث والدراسات داخل المكتبة يرأسه الدكتور إسماعيل سراج الدين، لكني تلقيت منذ أيام مكالمة غاضبة من إحدى الشخصيات الأكاديمية الدولية وهو رجل آثار فرنسي محب لمصر وتاريخها، يستفسر فيها إن كان صحيحا ما نشر في الصحافة الأجنبية من أن مصر سجنت الدكتور سراج الدين بعد أن أنهى فترة عمله بالمكتبة، وأوضحت لمحدثي أن الدكتور سراج الدين لم يسجن وأن ما صدر بحقه ما هو إلا حكم ابتدائي قابل للاستئناف، فقال لي إنه وغيره من الشخصيات الدولية التي تحدث إليها على استعداد للمثول أمام المحكمة لتبصيرها بالقيمة الدولية للدكتور اسماعيل سراج الدين وبما ساهم به  فى رفع اسم مصر عاليا أمام العالم من خلال هذا المشروع الحضاري العملاق الذي تفخر به مصر، ثم قال لي بالحرف الواحد: إن مصر ليست بلد التخلف والاٍرهاب وإهدار حقوق الإنسان التي يصورها أعداؤها. إنها بلد الحضارة والثقافة والفن والتنوير. هى بلد نجيب محفوظ وأحمد زويل ويوسف شاهين وإسماعيل سراج الدين. هي بلد النيل والأهرامات ومكتبة الإسكندرية، فساعدونا في الحفاظ عليها ولا تمنحوا أعداءها معاول مجانية لهدمها... فسكتُ ولم أجب عليه بكلمة.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on