Tuesday,21 November, 2017
Current issue | Issue 1356, (10 - 16 August 2017)
Tuesday,21 November, 2017
Issue 1356, (10 - 16 August 2017)

Ahram Weekly

قراءات صيفية عن الإنسان

عبد المنعم سعيد يقرأ من مختارات "أوباما" في نصف عامه الأخير من الرئاسة

خلال نصف السنة الأخير من إدارة باراك أوباما للولايات المتحدة الأمريكية عقد العديد من المقابلات الصحفية والإعلامية كان الرجل فيها بالأساس يدافع عن القرارات التي اتخذها خلال فترة ولايته. كان الأمر يحتاج فريد زكريا رئيس تحرير النيوزوويك السابق، ومذيع برنامج GPS علي شبكة CNN التلفزيونية لكي يسأل رئيس الجمهورية عما يقرأه هذه الأيام. كانت إجابة أوباما علي السؤال طويلة نسبيا حيث قدم قائمة طويلة  لخص فيها كل كتاب في مجموعة جمل قصيرة. ولفت النظر إشادته بكتاب لكاتب إسرائيلي ـ يوفال نوح هراري ـ يدرس في الجامعة العبرية في القدس بعنوان الجنس البشري أو Sapiens ملخص لتاريخ الإنسانية. اشتريت علي أية الحال القائمة التي قدمها أوباما، وأظن أن كثيرين غيري فعلوا ذلك، لأنه سرعان ما وجدت هذه الكتب من أكثرها مبيعا وعلي الأخص ذلك الكتاب الذي سرعان ما ألحقه مؤلفه بكتاب آخر بعنوان الإنسان الإله أو Homo Deus ملخص لتاريخ الغد. الكتابان في النهاية هما كتاب واحد، وبقدر ما كان الأول تاريخ ما سبق للإنسان، وحتى قبل ذلك منذ تكونت أول الذرات والجزيئات قبل ١٣.٥ مليار سنة، حتى تكوين كوكب الأرض قبل ٤.٥ مليار سنة، وظهور الخلايا العضوية أو بداية البيولوجيا قبل ٣.٨ مليار سنة. وفي الحقيقة لن نجد للإنسان وجودا بعد ذلك إلى بعد قفزة رائعة في الزمن والتطور لكي نجد الآباء أو الأمهات الأوائل للإنسان يظهرون على مسرح التاريخ قبل ٦ ملايين سنة، أما الإنسان نفسه فسوف نجده على الكوكب وفي إفريقيا قبل مليونين من السنوات فقط؛ وفي الحقيقة أن ما يشابه إنسان اليوم لم يظهر إلا قبل ٣٠٠ ألف عام عندما اكتشف المخلوق الإنساني النار.

الكتاب مثير بلا شك خاصة عندما يظهر لنا ما يبدو أنه العصر "الحديث" الذي تحدث فيه الإنسان وتواصل مع بعضه الآخر فقط قبل ٧٠ ألف سنة، ويستوطن القارات الخمس، وعندما عرف الزراعة قبل ١٢ ألف سنة فقط فإنه عرف الممالك والدول بالشكل الذي نتحدث عن تاريخه الآن قبل ٥٠٠٠ سنة فقط. ولكن ربما لن نجد الإنسان المعاصر إلا قبل ٥٠٠ عام فقط عندما اكتشف الإنسان جهله في ثورة كبرى عرفت "بالثورة العلمية" التي قادتنا إلى سلسلة من الثورات الصناعية التي بدأت بثورة البخار وانتهت بثورة الكومبيوتر التي وصل فيها الإنسان إلى أن يكون سوبر إنسان في تغير نوعي لما كان عليه من مجرد جنس بشري. وعند هذه النقطة تكون الإنسانية قد وصلت إلى أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها، نرى مؤشراتها وبداياتها في الكتاب الثاني.

المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها الكتابان هي علمانية بلاشك وتفصل بوضوح ما بين الفلسفة الداروينية والرؤية الدينية؛ وفي الأولى فإن التطور يسير وفق قانون سرمدي هو "البقاء" للأصلح أي القادر على التكيف والتعايش مع العالم الذي نعيش فيه بحيث يبدو تاريخ البشرية كما لو كان عملية تصحيح مستمرة لمسارات متعددة يزول منها الأقل قدرة وإصرارا وتصميما وتكيفا مع الواقع. الثانية المستندة إلى الخلق الإلهي لا تُسْتَبعد ولكنها تظل دوما داخل دائرة الإيمان الديني الذي ظل مظللا للبشرية رغم مرور آلاف السنين منذ البداية الأولى لما أسماه بالثورة المفهومية التي قامت على أن التعقيد الإنساني والكوني لا يمكن أن يقوم إلا من خلال مصمم وخالق. هذه المسألة لا يلبث أن يوجهها المؤلف نفسه في الكتاب الثاني عندما يجد أن الأسئلة العلمية تقف مشدوهة في البحث عن "المحرك الأول" للأشياء من أول الخلايا حتي انتظام الكون حتي لو قررت استبعاد "الروح" من المعادلة الإنسانية لأن البحث العلمي لم يستطع، ولن يستطع، أن يجدها.

ومع ذلك فإن الكتابين يظل فيهما فائدة من زاويتين: الأولى أن الثورة العلمية التي قامت على اكتشاف الإنسان لجهله ظلت هي المحركة للأسئلة الكبري التي خلقت الثورات العلمية والتكنولوجية. والثانية ما ركز عليه الكتاب الثاني أن تاريخ الإنسانية كلها قام علي مواجهة ثلاث حقائق كبرى: المجاعة، الموت، الحرب. هذه الحقائق لم تنته نهاية تامة الآن، ولكنها في طريقها إلى زوال. فرغم أن هناك حالات لا تزال قائمة في إفريقيا لوجود المجاعة، إلا أن الثابت أن ما كان مجاعة دورية في الهند والصين ومناطق أخرى في آسيا لم تعد موجودة، وحتى تلك القائمة في إفريقيا فإنها باتت مؤقتة، وهناك الآن تنظيما دوليا متعدد الأطراف يقوم بالتحرك فورا لمواجهة المجاعة عندما تحدث فورا حتى أن عدد الذين يموتون في العالم من المجاعة بات أقل بكثير من هؤلاء الذين يموتون من التخمة أو السمنة. التنبؤ هنا أنه خلال العقود المقبلة لن يكون الطعام مشكلة للبشرية، وإنما المرجح هو أن تكون المشكلة متعلقة بالحمية وضبط نتائج الطعام على القوام الإنساني.

الموت أو ما أسماه الكتاب بالطاعون أو الأوبئة والأمراض في عمومها، فهذه هي الأخرى في طريقها إلى زوال بفعل التطور الهائل في علوم الأنسجة والخلايا الجذعية التي باتت توفر قطعا للغيار للإنسان إذا أضيفت إلي الأدوية الذكية التي تواجه الآن الخلايا السرطانية وتميزها عن الخلايا الصحية فإنها تجعل أمراضا مثل السرطان و الإيدز قابلة للعلاج. وبشكل ما فإن الأوبئة لم يعد لها مكان في التاريخ البشري حتي أنه عندما تولد وباء الإيبولا في غرب إفريقيا فإن العالم كان قادرا علي مواجهته ومنعه من الانتشار. المؤكد الآن ووفقا للأرقام الدولية أن العمر المتوقع عند الميلاد للإنسان قد تجاوز السبعين عاما، وبات في كثير من البلدان المتقدمة يتجاوز الثمانين، وفاقت أعداد المعمرين فوق المائة كل المراحل التاريخية السابقة ولذا لا يستبعد الكتاب وفقا للإحصائيات الحالية أنه مع انتصاف القرن الحالي فإن العمر المتوقع سوف يصل إلى ١٥٠ سنة ومع القرن المقبل ٥٠٠ عام.

الحرب هي الأخرى في طريقها إلى زوال كوسيلة لحل المنازعات البشرية، ورغم ما نشهده من حروب في الشرق الأوسط حاليا فإن أعداد الضحايا لا تصل إلى ما كانت عليه في حروب سابقة عالمية أو غير عالمية. وفي الحقيقة أنه لا توجد إلا أعداد محدودة من الدول هي المتورطة في حروب أهلية أو تتدخل فيها الدول الكبري التي كفت هي ذاتها عن الصراع المسلح مع بعضها البعض ربما لأن الحرب لم تعد ممكنة بعد التطور الهائل في تكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل. لم يعد أحد يتصور وقوع الحرب بين روسيا وأمريكا، أو بين بريطانيا وألمانيا، أو بين الهند والصين، حتى ولو كانت الجيوش تواجه بعضها البعض على خطوط التماس في أوكرانيا أو الرقة السورية أو بحر الصين الجنوبي. وعلى أية حال فإذا لم يكن في الكتابين ما يعجب القاريء فسوف نعود إلى الشرق الأوسط مرة أخرى في الأسبوع المقبل.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on