Monday,23 October, 2017
Current issue | Issue 1356, (10 - 16 August 2017)
Monday,23 October, 2017
Issue 1356, (10 - 16 August 2017)

Ahram Weekly

"موسم" الهدن في سوريا

عُقدت عدة اتفاقيات محلية لوقف إطلاق النار في سوريا، تدخلت فيها الولايات المتحدة وروسيا ومصر، ستُخفّف مستوى القتل والتدمير، لكنها لن تكون وسيلة لإحلال سلام دائم دون ترافقها مع حل سياسي، باسل العودات يكتب من دمشق

بدأ "موسم" وقف إطلاق النار في مناطق مختلفة في سوريا، الجميع وصفه بأنه "موسم"، لأنه حل مؤقت لا يكتمل إلا بحل سياسي، لا يعرف السوريون إن كان سيأتي كخطوة ثانية، أم لن يأتي، إذ لم تُعلن الدول المعنية بالأزمة السورية أي خطّة واضحة المعالم لمسار وقف إطلاق النار هذا، وما هي الخطوة التالية، وكيف يمكن أن يؤثر على الحرب والسلام في سوريا.

بدأ هذا "الموسم" بوقف لإطلاق النار في جنوب غرب سوريا، أُعلن بعد لقاء بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنظيره الأمريكي دونالد ترامب، على هامش قمة العشرين في السابع من يوليو الماضي، طُبق مباشرة بعد يومين، وشهدت المنطقة بالفعل هدوءًا قتاليًا لم تشهده طوال ست سنوات، منذ انطلاق الثورة من هذه المنطقة بالتحديد، في مارس 2011.

كان الجميع على ثقة بأن هذا الاتفاق لوقف إطلاق النار سيصمد، لأنه بين دولتين عظميين، لا يمكن لأي طرف سوري أن يرفضه، سواء المعارضة أم النظام، ولا حتى إيران استطاعت رفضه، رغم أنها أُجبرت على سحب ميليشياتها من هذه المنطقة إلى بُعد 40 كم شمالاً باتجاه دمشق.

ورغم أنه أبقى المنطقة موزّعة بين المعارضة المسلحة وقوات النظام، ولم تُعرف أفقه، إلا أن هذا الاتفاق كان مهماً بالنسبة للمواطنين، لأنه سيوقف القصف الجوي الذي يتعرضون له من سلاح الجو التابع للنظام السوري ولروسيا، وفي الحقيقة، خدم هذا الاتفاق الأردن وإسرائيل بشكل كبير، إذ ضمنتا هدوءاً على حدودهما، وإبعاداً لميليشيات إيران الطائفية، سواء اللبنانية منها أم العراقية والأفغانية.

تواصل "موسم" الهدن ليطال ريف دمشق الشرقي، وهو المنطقة الوحيدة حول دمشق التي بقيت تحت سيطرة المعارضة المسلحة منذ ست سنوات، وتم وقف إطلاق النار فيها بين قوات النظام ومقاتلي المعارضة برعاية روسية - مصرية مشتركة هذه المرّة، وهي المرّة الأولى التي تُشارك فيها مصر برعاية مباحثات لوقف إطلاق النار في سوريا.

في 23 يوليو تم التوقيع على هذه الهدنة بالتنسيق مع الحكومة المصرية، ووزارة الدفاع الروسية، بعد مفاوضات استمرت ثلاثة أيام بحضور أطراف المعارضة السورية المسلحة في الريف الشرقي لدمشق، ومسؤولين من الحكومتين المصرية والروسية.

وفق مؤشرات الأسابيع الأولى، صمد اتفاق وقف إطلاق النار هذا، فهو في الحقيقة حاجة لكلا الطرفين، المعارضة والنظام، فالنظام يريد التهدئة لأنه يخشى المعارضة المسلحة التي تقف على أبواب العاصمة، وعلى بعد كيلومترات من قصر الرئيس بشار الأسد، وكذلك تريد المعارضة التهدئة لأنها أُرهقت من حجم القصف الذي طال هذه المنطقة، والذي استخدم فيه النظام كل أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية.

تابعت الأطراف الراعية لاتفاق ريف دمشق الشرقي مساعيها، فأعلنت وزارة الدفاع الروسية في 3 أغسطس الجاري عن التوصل لاتفاق وقف لإطلاق النار في محافظة حمص وسط سوريا، وُقّع في القاهرة برعاية مصرية أيضاً، ودخل حيز التنفيذ فوراً.

يستفيد من وقف إطلاق النار في جنوب سوريا نحو مليون سوري، نصفهم غادر درعا في جنوب سوريا إلى مخيمات اللجوء في الأردن وغيرها، وفور سماعهم برعاية روسيا والولايات المتحدة الأمريكية للهدنة، باشروا حزم حقائب العودة، رغم أن المستقبل مازال غامضاً، ولا أحد يملك القدرة على ضمان أمنهم على المدى المتوسط، بل ولا على المدى القريب حتى، ذلك أن عشرات الهدن الموقعة سابقاً تم خرقها من قبل النظام السوري والتراجع عنها.

كذلك يستفيد من هدنة ريف دمشق الشرقي وريف حمص الشمالي، أكثر من نصف مليون من المقيمين فيها، محاصرين فيها منذ سنوات، تنقصهم أساسيات حياتية كثيرة، ويعيشون ظروفًا في غاية السوء، صحيًا وغذائيًا وأمنيًا ونفسيًا.

لا شك أن هذه الهدن، واتفاقيات وقف إطلاق النار مفيدة للغاية لهذه الأعداد الكبيرة من المستفيدين، لكنها في نفس الوقت لا تمنحهم الطمأنينة الكاملة، فالضامن للهدنتين الأخيرتين هو العسكري الروسي، الذي لا يمكن أن يكون ضامنًا حياديًا، لأنه الداعم الأساسي للنظام السوري والمانع لسقوطه والمتشدد ببقائه والرافض للمعارضة السورية أيضاً، وهو ما يُعطي انطباعاً غير مريح بالنسبة للمعارضة السورية.

من أجل بث المزيد من الثقة في هذه الاتفاقيات، بدأت روسيا بنشر عدة مئات من عناصر الشرطة العسكرية الروسية في مناطق التماس لمراقبة وقف إطلاق النار، سواء في جنوب سوريا أم في ريف دمشق، يُعتقد على نطاق واسع أنهم شيشانيون وأنغوشيون، لا يعرف السوريون انتماءهم، لكن بعض أطراف المعارضة أعربت عن أملها لو تم وقف إطلاق النار بمشاركة أمريكية أيضاً، على غرار اتفاق الجنوب السوري، كما أعربت عن قناعتها بأن وجود قوات مصرية تراقب نقاط التماس أفضل من وجود القوات الروسية، باعتبار أن الأخيرة لا تحظى بثقة لدى المعارضة التي ترى فيها شريكاً للنظام السوري في حربه.

يقول المعارض السوري سعيد الشيخ "إن الضمانة الروسية عرضة للتلاعب والانهيار، فقد علّمتنا التجارب أن روسيا لم تفِ بوعودها للمعارضة السورية، سواء السياسية أو العسكرية، وكانت بعد أي اتفاق تُرسل طائراتها لتقصف نفس منطقة الهدنة، بحجة وجود مجموعات إرهابية"، وأضاف "ستكون الضمانة المصرية مقبولة أكثر بالنسبة للمعارضة السورية، ونشر قوات مصرية في نقاط التماس لمراقبة وقف إطلاق النار أمر أكثر قبولاً بالنسبة للسوريين عموماً، خاصة إن أتى ضمن قوات عربية بقرار دولي".

وأضاف "لقد أصرّ الروس على أن تكون مصر، وليس تركيا، ضامنة للاتفاق في الغوطة الشرقية وشمال حمص، على الرغم من أنها لم تكن طرفاً في اتفاق "روسيا وإيران وتركيا" على مناطق خفض التصعيد الذي أقرّته هذه الأطراف مطلع مايو الماضي في أستانة، ولدخول مصر دلالات متعددة، فهي على صلة جيدة بالنظام السوري وبالمعارضة على حد سواء، كما أن لها تحالفًا وثيقًا مع السعودية، ولعل المجتمع الدولي سيكون بحاجة لها في وقت لاحق لإدخال قوات سيحتاج إليها لتثبيت أي حلول سياسية - عسكرية".

يبدو أن موسكو تسعى إلى التوازن في علاقاتها الإقليمية، وتُفضّل حضور مصر سياسياً وعسكرياً، لأن نشر الشرطة العسكرية الروسية في نقاط التماس بين النظام والمعارضة يحمل أخطارًا لروسيا، باعتبارها طرفاً غير حيادي بالنسبة للمعارضة السورية، والاستعانة بقوات تركية مرفوض من قبل النظام السوري نهائيًا، وبالتالي يمكن أن يكون الدور المصري مقبولاً من كل أطراف النزاع في سوريا، باعتبار أن القاهرة حافظت على توازن في علاقتها مع كلا الطرفين السوريين منذ ست سنوات وحتى اليوم.

يُعتقد أن القاهرة ستسعى لنقل الملف السوري من أروقة الدبلوماسية الدولية إلى الجامعة العربية، وهذا التوجه يروق لموسكو، لأنه سيؤدي إلى تجميد قرار مجلس الأمن الرقم 2254، خاصة ما يتعلق بمبدأ الحكم الانتقالي، ما سيُسهّل على موسكو تمرير قرارات أقل تشدداً تضمن بقاء النظام السوري ورأسه خلال كل المرحلة الانتقالية، وقد تسمح له بالترشّح للانتخابات المفترضة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

"سلسلة" الهدن أمر مُرحّب به بالنسبة للسوريين من كل الأطراف، فنتيجته المباشرة كانت تخفيف مستوى القتل والتدمير، لكنها وحدها غير قادرة على إحلال السلام الثابت والدائم في سوريا، ويحمل مخاطر تعميق تقسيم المناطق بين المعارضة والنظام، وسيبقى قلقًا وعرضة للانهيار عند أي خلاف، ولابد من ترافقه مع حل سياسي شامل يستند لبيان جنيف، ويضمن الانتقال السياسي الذي ينتظره السوريون.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on