Friday,21 September, 2018
Current issue | Issue 1360, (14 - 20 September 2017)
Friday,21 September, 2018
Issue 1360, (14 - 20 September 2017)

Ahram Weekly

الجدال حول الحق في المياه

نادر نور الدين يكتب حول النشاط المصرى للدفاع عن حقوقها في المياه باجتماع أسبوع المياه العالمي هذا العام في ستوكهولم

 

في المنتديات العالمية للمياه تحشد الدول كبار علمائها إما للمناقشات العلمية والاستفادة من حديث العلم أو لمواجهة بعض المتربصين بالحقوق المائية لها ومحاولة شرح حقائق الأمور دون خداع أو تعمد إخفاء الحقائق. أيضا تلجأ بعض الدول إلى كبار العلماء من القامات البارزة والحاصلون على جوائز عالمية مرموقة في المياه للدفاع عن مواقفها والهجوم على بعض الدول الأخرى. هذا يلخص ماحدث في الأسبوع العالمي للمياه والذي عقد في السويد خلال الفترة من 27 أغسطس وحتى أول سبتمبر الجاري والذي شاركت فيه مصر بوفد رسمي أُحسن اختياره وتنوعه بضم مختلف تخصصات المياه من هندسة سدود وموارد مائية وتغيرات مناخ وزراعة وأمن غذائي وقوانين دولية بالإضافة إلى وزير الري نفسه.

فعندما يحاضر عالم مرموق حاصل على جوائز عديدة في المياه فيقول إن مصر تمنع دول منابع النيل من بناء السدود وأن عليها أن تتغير، وعليها أيضا أن تلتزم بما وقعت عليه في إعلان مبادئ الخرطوم للاعتراف بسد النهضة الإثيوبي وألا تستولي على مياه النيل وحدها، فكان لابد أن يتصدى المتخصصون في الوفد المصري للأمر بعلم ودبلوماسية وهدوء. فالأمر ببساطة أن مصر لا ترفض بناء السدود في دول منابع النيل ولكنها ترفض فقط السدود العملاقة وهو مايرفضه أيضا قانون الأمم المتحدة للمياه والذي نص على حتمية أن تكون سدود دول المنابع صغيرة لا تضر بالدول التي تليها ولا تغير من طبيعة تدفقات النهر ومواسم تدفقاته ولا تضر بالمنشاءات القائمة فعليا والسابق إنشاؤها على النهر وبالتالي فموقف مصر متسق مع قوانين الأمم المتحدة والدليل أن مصر مولت وشاركت في بناء سد أوين في أوغندا ثم سد كييرا الذي يليه بل وطالبت بزيادة إرتفاع السد الأول من أجل أن ينتج المزيد من الكهرباء لأوغندا. الأمر الثاني هو أن مصر تتمسك ببنود قانون الأمم المتحدة لمياه الأنهار الدولية في حتمية الإخطار المسبق من دول المنابع لدول المصب قبل إنشاء السدود وهو ما أفرد له القانون ثمانية بنود كاملة متضمنة أن يشمل هذا الإخطار المسبق الدراسات الكاملة للتداعيات البيئية والمائية والإجتماعو-إقتصادية التي قامت بها دولة المنبع للسد المقترح وأن يترك لدولة المصب حق مراجعة هذه الدراسات عاما كاملا يحق لها بعدها أن تقبل السد أو أن ترفضه، وفي هذه الحالة يتم اللجوء إلى الأمم المتحدة للفصل بينهما. وهنا نتساءل أين هو خطأ الموقف المصري في التزامها ببنود القوانين الدولية للمياه بل أن دولة المنابع التي ينبغي عليها تحمل تكاليف الدراسات المرافقة لإنشاء السد كاملة طلبت من مصر والسودان أن تتحملا التكاليف على غير ماينص عليه القانون الدولي وكأنهما هما من سيستفيد من إقامة سد المنابع!. أما محاولة الإدعاء بأن مصر لم توقع على قانون الأمم المتحدة لمياه الأنهار الدولية حتى لا تلتزم ببنوده فالرد بأن جميع دول النهر لم توقع ولم تنضم للقانون فلماذا اللوم على مصر فقط، رغم أن هذا لا يمنع الالتزام والاحتكام إلى نصوص القانون!.

الادعاء بأن مصر تستولي على مياه النيل وحدها وأنها تقوم بتوصيلها إلى الصحراء لزراعتها حارمة دول المنابع من نفس الحق، فهذا القول يشهد عليه مساحة الرقعة الزراعية في مصر وفي دول المنابع، حيث تشير الحقائق إلى أن مصر هي أقل دول حوض النيل في الرقعة الزراعية بمساحة لا تتجاوز 3.5 مليون هكتار (8.6 مليون فدان) بينما تزرع إثيوبيا فعليا 35 مليون هكتار (84 مليون فدان) منها نحو 4 مليلون هكتار تزرعها فقط بالوقود الحيوي، وأضعافها بالمحاصيل الإقتصادية والحبوب والباقي بالبن والأغذية العضوية مرتفعة الثمن. وفي المقابل تمتلك تنزانيا 122 مليون فدان وهي أكبر دولة تزرع حاصلات الوقود الحيوي في أفريقيا ثم كينيا التي تمتلك 80 مليون فدان وتمثل أكبر دول العالم إنتاجا للشاي ولا تتجاوز نصف مساحة مصر وأوغندا 35 مليون فدان رغم أن مساحتها أقل قليلا من ربع مساحة مصر وأخيرا السودان التي تمتلك 220 مليون فدان من الأراضي القابلة للزراعة، فأين هذا إذن المياه التي تستولي عليها مصر وتحرم دول المنابع منها وهي أقل الدول في الرقعة الزراعية والتي تعتبر المستهلك الأكبر للمياه؟!. القول بأن مصر تنقل المياه إلى الصحراء بينما لا تستطيع دول المنابع نقلها إلى مناطق مماثلة لزراعتها مستشهدين بمشروعي ترعة السلام في سيناء وتوشكي في جنوب مصر، وبصرف النظر عن كون أراضي مسار ترعة السلام تنتمي لحوض النهر وأن بها منطقة سهل الطينة التي تبلغ مساحتها 50 ألف فدان وإلا من أين أتى هذا الكم من الطين إلى الصحراء إلا عن طريق نهر النيل؟!. فالرد أن مصر فقدت خلال السبعين عاما الماضية أكثر من 2.5 مليون فدان من أراضي حوض النهر السمراء بسبب التحضر والتوسع الحضري والسكني وبالتالي فما تقوم به هو مجرد تعويض ضئيل لما فقدته من الأراضي الزراعية داخل حوض النهر ولم يصل إلى ثلث مافقدناه وبالتالي فالاتهام بنقل المياه إلى الصحراء لهو إلهاء عن واقع ومحاولة تصوير الأمر على أنه توسع زراعي على حساب دول أخرى فقيرة زراعيا ومائيا. فالحقائق تشير إلى أن مصر هي الدولة الوحيدة التي يتكدس مواطنوها على مساحة 7% فقط من إجمالي مساحتها نصفها أراض زراعية ونصفها الأخر للسكن والأنشطة الحضرية ويعيش على ضفاف النهر 96% من سكانها، بينما يستمتع باقي دول المنابع بأغلب مساحة بلدانهم، كما أن مصر بوضعها الحالي وحصتها المائية تستورد 60% من احتياجاتها من الأغذية الأساسية تكلفها أكثر من 10 مليارات دولار سنويا وهي الفجوة الغذائية الأكبر في جميع دول المنابع بل وفي أفريقيا كلها فأين هي المياه التي نستولي عليها وماذا نفعل بها؟! وماذا يحدث لدولة عريقة بتاريخ مصر في حال نقص حصتها من المياه وكم ستبلغ فجوتها الغذائية وأيضا إلى كم ستتقلص المساحة التي يعيش عليها المصريين من بلدهم؟!

ثم يأتي الحديث عن حتمية رفع مصر لكفاءة استخدامها للمياه وتقليل الفواقد الكثيرة، ومصر هنا لا تختلف عن المعدلات العالمية في الفقد عبر شبكات الترع المفتوحة والتي تتراوح بين 25 – 35% من كمية المياه الواردة إليها، ولكن ماهي الأعباء المالية والاقتصادية التي ينبغي لمصر أن تتحملها من أجل تبطين أكثر من 30 ألف كم من الترع بالأسمنت وتحويل بعض الترع إلي مواسير أو تغطية سطوح الترع بشبكات وعدسات توليد الطاقة الشمسية لتقليل الفقد بالبخر من مياه الترع وإمداد القرى بالكهرباء، فهل يمكن للمنظمات المائية والدولية تقديم المنح اللازمة لمصر لهذا الأمر؟! وهل يتسبب سدا ضخما في إثيوبيا يتكلف 8 مليارات دولار تكون تداعياته أن تتحمل مصر 40 مليار دولار لكي تتأقلم مع وضع جديد ماكان له أن يكون؟! وهل تكون تحلية مياه البحر هي جزء من التأقلم مع تداعيات السدود الضخمة؟ وكم تتكلف وهل هذه التقنية للدول الغنية أم للدول الفقيرة ولماذا تتحمل مصر هذه الأعباء والتي يكلفها إنتاج 5 مليارات متر مكعب سنويا نحو 60 مليار جنيه بخلاف تكاليف الإنشاء وتكاليف توفير كهرباء منخفضة الأسعار من أجل تحلية مياه البحر ومن أجل هذه الكمية القليلة من المياه؟! وحتى إذا تحدثنا عن تطوير الري داخل الحقوق للتحول إلى التنقيط والرش فهل سيتحمل الفلاح الفقير ألف دولار كل خمس سنوات من أجل إحلال شبكات الري المستهلكة؟! وهل المنظمات الدولية يمكن أن تتحملها؟! وما تأثير ذلك على ارتفاع أسعار الغذاء والإخلال بمبدأ الأمم المتحدة بالحق في الطعام ومن أجل أن يكون الغذاء للفقراء قبل الأغنياء؟! الغريب أن العديد من جلسات مؤتمر الأسبوع العالمي للمياه طالبت بتسعير المياه وله نفس التداعيات على إرتفاع أسعار الغذاء، ولكن الأخطر هو ماوراءه من خبث شديد فإذا ما باعت دول مصبات الأنهار المياه للمزارعين من أجل ترشيد الاستهلاك فسيكون من حق دول منابع الأنهار المطالبة أيضا بثمن المياه التي تخرج من أراضيها وبالتالي تتحول الأنهار الدولية إلى أنهار خاصة تملكها دول المنابع وتصبح المياه سلعة تباع وتشترى؟! والسؤال هنا ماهو فضل أي دولة لكونها دولة منبع وماهو عيب دولة أخرى لكونها دولة مصب؟! وماهو تأثير خفض كميات مياه الري في زمن احترار كوكب الأرض ومايتبعه من زيادة في التبخير وفقدان المياه وبالتالي فإنتاج نفس الكمية من الغذاء ستحتاج إلى مياه أكثر بسبب الاحترار، وأن نقص المياه مع الاحترار سيؤدي إلى تملح الترب الزراعية وتدهورها وتراجع إنتاجيتها؟!.

حتى مناقشات تداعيات تغيرات المناخ والاحترار العالمي أخفت دور السدود العملاقة على بعض الدول وناقشت فقط نقص المياه والتبخير وأثارها على الدول خاصة العراق وسوريا ومصر وشمال إفريقيا، في حين أن سد أتاتورك التركي مثلا قد أنقص 35 مليار متر مكعب من المياه عن سوريا والعراق وبالتالي تدهورت الترب الزراعية ونقصت غلة الإنتاج بسبب نقص المياه فلماذا نتجاهل الأمر ونتحدث عن كونه تأثير لتغيرات المناخ فقط؟! ونفس الأمر وأخطاره على الدلتا المصرية بسبب نقص المياه القادمة من إثيوبيا وتملحها واقتحام مياه البحار لها وانخفاض الإنتاج الزراعي ولا يمكن مناقشته على كونه تداعيات لتغيرات المناخ بعيدا عن نقص المياه بسبب السدود العملاقة المخالفة للقانون الدولي وماسيتلوها من سدود جديدة.

من أجمل الشعارات التي رفعها مؤتمر المياه في السويد هو " اجعل المياه كل همك"، و"فكر قبل أن تستخدم أو تهدر المياه"، فالمياه هي الحياة نفسها وأن إعادة استخدام المياه أصبح واقع لا مفر منه ويبنغي البحث عن اقتصاديات منخفضة التكاليف لتحسين مواصفاته معتمدة على دعم خارجي.

لا ينبغي أن نترك الساحة الخارجية لغيرنا وينبغي لمصر أن تشارك في جميع مؤتمرات المياه العالمية لتصحيح صورتها وبيان حقوقها الجلية ومظلوميتها من البعض.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on