Wednesday,13 December, 2017
Current issue | Issue 1361, (21 - 27 September 2017)
Wednesday,13 December, 2017
Issue 1361, (21 - 27 September 2017)

Ahram Weekly

الصدفة فى معركة اليونسكو

محمد سلماوى يكتب عن فرص "مشيرة" أمام برود "الفرنسية" وتمويل "الصيني"

انتقلت فى خمس ساعات طيران من حر القاهرة إلى صقيع العاصمة الفرنسية باريس غير المعتاد فى هذا الوقت من السنة، حيث وجدت درجة الحرارة - أو البرودة - تتراوح ما بين ثمانى درجات واثنتى عشرة درجة، مع قطرات مطر خفيفة لكنها لا تتوقف، ورياح هائجة تزيد من الإحساس بالبرودة.

قصدت مبنى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" بميدان فونتينواه بالحى السابع، حيث ترتفع مع كل يوم جديد حرارة الاستعدادات التي تجري على قدم وساق للجولة الأولى للتصويت على منصب المدير العام، وهو المنصب الذى ترشح له هذه المرة تسعة مرشحين من فرنسا والصين وفيتنام ولبنان والعراق وقطر وأذربيجان وجواتيمالا وفي مقدمتهم المصرية مشيرة خطاب مرشحة القارة الإفريقية.

وإذا كنت أقول إن المرشحة المصرية فى مقدمة المرشحين فذلك ليس تحيزا لها لأنها تمثل مصر، وإنما لأني وجدت الرأي السائد هنا داخل أروقة اليونسكو يشير إلى أن التنافس فى النهاية سينحصر بين مصر وفرنسا والصين، والذين تقف وراء كل منهم دولة قوية تعمل بدأب لإنجاحه، أما على المستوى الشخصي فإن العاملين بالمنظمة يَرَوْن على سبيل المثال أن مشيرة خطاب تتفوق على منافستها الفرنسية وعلى ممثل الصين معا، ففي الوقت الذى قدمت المرشحة المصرية أمام المجلس التنفيذي بيانًا وافيًا حول رؤيتها لليونسكو في المرحلة القادمة، موضحة كيفية إدارتها، وأهم القضايا التي تستوجب اهتمامها، غير متجاهلة ضرورة العناية بالجهاز الإداري للمنظمة والذي سيقوم بتطبيق الرؤية التي عرضتها، فإنها في نفس الوقت حققت تواصلا إنسانيا مع كل من قابلتهم في اليونسكو، وذلك في الوقت الذى جاء بيان المرشحة الفرنسية تقليديا، ولم يتميز بيان المرشح الصيني.

والحقيقة أن النظرة الغالبة داخل المنظمة هى أن ترشيح أودري أزولاى وزيرة ثقافة الرئيس السابق فرانسوا أولاند، ذات الأصول المغربية اليهودية، والذي جاء في اللحظة الأخيرة، كان بغرض تسكين إحدى وزيراته المقربات في موقع مناسب بعد مغادرته قصر الرئاسة، أما أزولاي نفسها فهى شخصية باردة وغير محبوبة تفتقر إلى الحيوية التي اتسمت بها المرشحة المصرية أثناء لقاءاتها بأعضاء المجلس التنفيذي لليونسكو، أما المرشح الصيني وهو مندوب بلاده الدائم في اليونسكو منذ سنوات، فيتردد كثيرا أن الصين، وهي أكبر الدول المانحة لليونسكو ستدعمه بقوة مالية كبيرة.

وقد تقرر أن تكون الجلسة الأولى للتصويت على المرشحين التسع داخل المجلس التنفيذى يوم ٩ أكتوبر المقبل، فإذا لم يفز أي من المرشحين بالأغلبية المطلقة لأصوات أعضاء المجلس البالغ عددهم ٥٨ دولة، ومثل هذا الفوز من الجولة الأولى للتصويت هو أمر نادر الحدوث، يعاد التصويت بحد أقصى خمس جولات على مدى عدة أيام، فإذا لم يفز أحد تجرى القرعة بين المرشحين الاثنين الحائزين على أعلى الأصوات.

ورغم أن الترشيح الفرنسي جاء متجاهلا ما كان قد اتفق عليه من أن الدورة الحالية يجب أن تكون من نصيب العرب، فإن الرأي العام داخل اليونسكو مازال يرى بأغلبية كبيرة أن هذه هى دورة العرب الذين ساهموا في إنشاء المنظمة لكنهم لم يحظوا بإدارتها في الوقت الذي فازت الدول الأوروبية المعروفة باسم المنطقة (١)، بمنصب المدير العام ست مرات، وفازت بقية المناطق الجغرافية بإدارة اليونسكو مرة واحدة على الأقل.

وقد شاهدت داخل إحدى قاعات العرض بمبنى اليونسكو معرضا فنيا متفوقا لمجموعة من الفنانات البحرينيات وعلى رأسهم الفنانة الكبيرة بلقيس فخرو، واللاتى قدمن صورة مشرفة للمرأة العربية ونموذجا واضحا لتقدمها الذي عادة ما تغطى عليه الصورة النمطية التى يقدمها الإعلام الغربى للمرأة في الوطن العربى، وقد أعرب لي أحد الأصدقاء من الصحفيين الفرنسيين الذين يتابعون سباق المدير العام عن إعجابه بحسن اختيار توقيت المعرض، متصورا أن ذلك كان مقصودا بحيث يخدم على قضية اختيار مرشحة عربية لموقع المدير العام للمنظمة، لكنى تأكدت أن هذا لم يكن مقصودا، فلم أقل له إن العرب لا يرتبون أمورهم بهذا الشكل، وأن الصدفة عادة ما تخدمنا أكثر مما تخدمنا الخطط المعدة سلفا.

ومن الصدف الأخرى التي تخدمنا فى هذا المجال، والتى أعلم أن المرشحة المصرية تنوى استثمارها، حلول الذكرى المائتين لاكتشاف الأثري الإيطالي جيوفانى بلزوني لمعبد أبو سمبل عام ١٨١٧، ذلك المعبد الذى أصبح يمثل مناسبة تعاون غير مسبوقة بين مصر واليونسكو، ففي عام ١٩٥٩ أطلقت مصر بالمشاركة مع اليونسكو دعوى عالمية لإنقاذ هذا المعبد الفريد، وهو في الحقيقة معبدان يمثلان أحد أهم آثار الحضارة الإنسانية في العالم، وفي ذلك الوقت لم تكن اليونسكو قد شاركت من قبل في مشروع بمثل هذه الضخامة، لكن تضافر الجهود بينها وبين الحكومة المصرية نجح في جعل مختلف دول العالم تساهم فى المشروع، وإذا كان هذا المعبد يقف اليوم شامخا وراء السد العالي بتمثال رمسيس الثاني العملاق على واجهته، فهو يعتبر رمزا لهذا التعاون المثمر بين مصر واليونسكو، وقد أدى نجاح هذا المشروع إلى اضطلاع اليونسكو بمشاريع أخرى مماثلة، حيث أشرفت عام ١٩٦٦ على إنقاذ مدينة فنسيا الإيطالية من السيول التى كادت تغرقها، وذلك بعد أن تمرست من خلال إنقاذ معبدي أبوسمبل على عمليات إنقاذ التراث الإنسانى المهدد، وقامت بأعمال مماثلة فى اندونسيا عام ١٩٧٢، وفى كمبوديا عام ١٩٩٣، وفى البوسنة عام ١٩٩٥، وأخيرا فى الكونجو عام ٢٠٠٠. 

والحقيقة أن التعاون بين مصر واليونسكو فى إنقاذ معبدي أبو سمبل يحمل فى نفس الوقت معنى آخر غاية فى الأهمية، ذلك أن الدعوى لإنقاذ المعبد نجحت فى إشراك الدول الكبرى التى كانت قبل ذلك التاريخ بأقل من ثلاث سنوات فى حالة حرب مباشرة مع مصر، فأصبحت الآن قابلة بالتعاون معها من خلال اليونسكو حفاظا على التراث الإنساني الذى تزخر به أرضها، إن مثل هذا المعنى يكتسب أهمية خاصة فى عالم اليوم الذي كثر فيه القتال وسفك الدماء على مختلف المستويات، وهو ينبيء بما تستطيع أن تقوم به مصر أرض الحضارة والتاريخ من خلال رئاستها اليونسكو، فى خدمة التفاهم والتعاون الدوليين.  


add comment

  
 
 
  • follow us on