Tuesday,17 October, 2017
Current issue | Issue 1361, (21 - 27 September 2017)
Tuesday,17 October, 2017
Issue 1361, (21 - 27 September 2017)

Ahram Weekly

كينيا.. لم تهدأ بعد

هيثم نورى يكتب: الشعب يدفع ثمن خصومة كينياتا وأودينجا.. والأنظار تتطلع إلى معركة أكتوب

الحياة شبه متوقفة في كينيا التي تنتظر إعادة الانتخابات الرئاسية المقررة في ١٧ أكتوبر الجاري، بين الخصمين اللدودين منذ عقود الرئيس المنتهية ولايته أوهورو كينياتا وزعيم المعارضة رايلا أودينجا.

وكانت المحكمة العليا في العاصمة نيروبي قد ألغت نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في ٨ أغسطس الماضي، والتي فاز فيها كينياتا (٥٤.٢٪ مقابل ٤٤.٧٪ لمنافسه)، في سابقة إفريقية أربكت الحسابات، محليا وإقليميا، ووضعت منظمات مراقبة الانتخابات الدولية والقارية والكينية في موضع حرج بعد أن أصرت جميعها تقريبًا على نزاهة الاقتراع.

وقالت المحكمة إن "الانتخابات لم تجر بما يتوافق مع الدستور"، وأن الرئيس كينياتا "لم ينتخب ولم يعلن فائزا بطريقة صحيحة.. وبذلك تكون النتيجة باطلة ولاغية".

وبموجب الحكم، تجرى الانتخابات في غضون ٦٠ يوما من تاريخ الحكم القضائي.  

وكان أربعة من مجموع ستة قضاة قد اتفقوا على إلغاء نتائج الانتخابات، وسمح رئيس المحكمة للقاضيين الآخرين ببيان موقفيهما.

واعتبر كثيرون أن هذا الحكم، منح ثقة في السلطة القضائية في كينيا، باعتبارها سلطة مستقلة عن الحكومة، وهو ما كان ينقص البلاد التي قطعت شوطا طويلا في مجال التنمية حتى صارت أكبر اقتصاديات شرق إفريقيا، بنمو ٦٪ طوال سنوات حكم الرئيس المنتهية ولايته.

ومع ذلك عانت كينيا من نسب فساد مرتفعة، أفقدت المواطنين ثقتهم في الدولة وأجهزتها بصورة عامة، إضافة إلى الصراع القبلي الذي حكم الحياة السياسية والاجتماعية منذ سنوات قبل الاستقلال، وهما السببان اللذان أعاقا كثيرا البلاد رغم جميع الجهود المبذولة خلال عقود.     

وكان حوالي ٤٠٠ مراقب دولي ومحلي للانتخابات منهم ممثلو الاتحاد الأوروبي ومركز كارتر الأمريكي ومبعوث الاتحاد الإفريقي رئيس جنوب إفريقيا السابق ثامبو مبيكي قد أعلنوا أن الانتخابات نزيهة ولا يشوبها سوى مخالفات هامشية لا تؤثر في النتائج العامة، وطالبوا زعيم المعارضة بضرورة عدم الاستمرار في الحشد والاحتجاجات والاعتراف بالنتيجة.

كان سبب هذا الموقف أن زعيم المعارضة أودينجا يبلغ ٧٢ عاما، وهو ما يعني عمليا أنها ستكون اخر انتخابات يمكن أن يخوضها، وبالتالي سيختفي من المشهد السياسي وبالتالي يتفكك تحالفه الكبير ويخف التوتر في البلاد.

كانت البلاد قد شهدت يومين من أعمال العنف عقب إعلان نتائج الانتخابات في ١١ أغسطس الماضي، راح ضحيتها ٢٣ شخصا بينهم طفلين صبي وفتاة في التاسعة من عمرهما.

وكانت قد تجددت المخاوف من تكرار سيناريو ٢٠٠٧، عقب انتخابات مشابهة، راح ضحيتها أكثر من ١٢٠٠ شخص، وتشرد حوالي ٦٠٠ ألف آخرين، كذلك الانتخابات التي تلتها في ٢٠١٣ والتي قتل فيها حوالي ٣٠٠ شخص.  

وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد طلبت مثول الرئيس الحالي أوهارو كينياتا ونائبه وليم روتو والصحفي جوشوا أراب سانج، لاتهامهم في التورط في أعمال العنف في ٢٠٠٧، لكن برأتهم المحكمة لعدم كفاية الأدلة.

وكانت قد راجت حينها شائعات تتحدث عن ترهيب وإخفاء قسري للشهود، مارسه كينياتا وحلفائه.   

الهدوء هو ما يتمناه الغرب الذي يطلب هدوء الأوضاع في كينيا، حجر الزاوية في محاربة تنظيم شباب المجاهدين الصومالي الإرهابي، كما أن الديكتاتوريات المجاورة لا تريد أن ترى أي توتر في جارتهم الديمقراطية نسبيًا.

يقول عاصم الصاوي الصحفي المقيم في كينيا "دول الجوار الإفريقي تريد هدوءا يعطي انطباعًا أن الحالة السياسية في كينيا تتشابه في رتابتها مع أوضاعهم، وليست حال تغيير مستمر، من الممكن أن تطالب به في بلدانها".

من ناحية أخرى، يمثل أودينجا تحالفا واسعا من القبائل المهمشة منذ الاستقلال بسبب سيطرة الكيكويو (القبيلة التي يتحدر منها جميع روؤساء البلاد)، يضم اللوو وهي قبيلته (والقبيلة التي ينتمي إليها والد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما)، وحلفاءها التاريخيين اللوهيا في غرب البلاد، والكالينجين في إقليم الوادي المتصدع في وسط وجنوب البلاد، إضافة إلى مسلمي الساحل الكيني.

كل هذا (فاتورة العنف، والتحالف الكبير الذي يدعمه، والضغوط الإقليمية والدولية) دفع أودينجا إلى دعوة أنصاره للهدوء واللجود للقضاء، الذي قال إنه واثق من إنصافه، لأنه يملك أدلة قوية، بعكس المرات السابقة.

من المعروف أن أودينجا ترشح لرئاسيات ١٩٩٧ و٢٠٠٧ و٢٠١٣، حيث خسرها جميعا، ولم يبقَ له سوى الانتخابات القادمة في أكتوبر المقبل.

بالطبع رحب أودينجا وأنصا ره بالحكم "التاريخي جدا لشعب كينيا... والديمقراطية الإفريقية"، كما وصفوه.

لكن في المقابل، قال أحمد ناصر عبد الله محامي الرئيس كينياتا إن الحكم "مسيس... ويصدر فقط في دول العالم الثالث"، وإن لجنة الانتخابات "لم ترتكب أي مخالفة"، لكنهم سيحترمونه.

ولم يمض سوى بضعة أيام حتى وقف كينياتا في العاصمة نيروبي بين أنصاره، وأشار لرئيس المحكمة ديفيد ماراجا وزملائه بأنهم "محتالون"، وتابع "لقد قرروا إلغاء الانتخابات".

وأضاف "نراقبكم بدقة، لكن لننتهي من الانتخابات أولا، فنحن لسنا خائفين"، وتابع "لدينا مشكلة حقيقة في هذا الشأن وعلينا التعامل معها".

من المعروف أن كينياتا صار رئيسا "معلقا" لا يستطيع ممارسة سلطاته في تعيين القضاء أو عزل الحكومة أو حل البرلمان.

وكينياتا هو من عين ماراجا (٦٦ عاما) رئيسا للمحكمة، بل طالب الناخبين في مسقط رأس رئيس المحكمة العليا بانتخابه، لأنه "عين ابنهم" في منصبه القضائي الرفيع.

واعتبرت الصحف الكينية أن الحكم المفاجأة ليس غريبا عن ماراجا المتدين، والمخضرم في المهنة، حيث تخرج في جامعة نيروبي منتصف السبعينيات، ومارس المحاماة حتى ٢٠٠٣، حين التحق بالقضاء، وفي ٢٠١٢ صار قاضي استئناف، وفي العام الماضي صار رئيسا للمحكمة العليا بعد إحالة رئيسها السابق للتقاعد.

لكنه طوال الوقت ظل يردد أنه ليس نتاج الحكومة، فهو مستقل.

لم يقف حكم القضاء عند أطراف الأزمة، بل تعداهما إلى لجنة الانتخابات، التي قال رئيسها إن "تغييرات ستطال أشخاصها"، داعيا المدعي العام للتحقيق مع أي عضو ارتكب مخالفة، لكنه رفض الاستقالة باعتباره "ليس متهما" بأي خطأ.

في المقابل، طالب أودينجا بضرورة إعادة تشكيل اللجنة المشرفة على الانتخابات بالكامل، فهم من "يتحمل المسئولية" عما جرى.

وأضاف: "نعتقد أنه يجب أن يتحمل أحدهم المسئولية، فقرار المحكمة يعني أن مخالفات كبيرة شابت الاقتراع".

لكن على الرغم مما يعتبره البعض سابقة تاريخية في مسار الديمقراطية الإفريقية، فإ تبعات كثيرة يمكن أن تترتب على حكم المحكمة العليا، أولها، التكلفة المالية لإعادة الانتخابات.

المرة الأولى تكلفت ٤٨٠ مليون دولار أمريكي، ويبدو أن إعادة الاقتراع ستتكلف ما هو أكثر.

كما أن أجواء التوتر تخيم على العاصمة والمدن الكبرى، حيث غادرها الآلاف متجهين لقراهم، تجنبا لأعمال عنف، يمكن أن يفجرها مسار الانتخابات.

وفي الوقت نفسه، ستعاد انتخابات برلمانية ومحلية، لإعادة اختيار ١٩٠٠ مقعد برلماني ومحلي، من أكثر من ١٤ ألف مرشح.

في أكتوبر القادم سيتواجه الرجلان للمرة الثالثة، بعد أن تواجهم والديهما (جومو كينياتا قائد الاستقلال وأول حاكم للبلاد ورفيقه رئيس الوزراء حينها أوجينجا اودينجا) في الخمسينيات والستينيات، لكن الموقف الآن تجاوز الأشخاص ليترك بصماته على الدولة والشعب والاقتصاد.


add comment

  
 
 
  • follow us on