Monday,11 December, 2017
Current issue | Issue 1364, (12 - 18 October 2017)
Monday,11 December, 2017
Issue 1364, (12 - 18 October 2017)

Ahram Weekly

آلة السعادة عند المصريين

جلال نصار يكتب: المجد للشوفيني

تعرف الشوفينية Chauvinism بأنها الاعتقاد المغالى والتعصب لشىء والعنجهية في التعامل مع خلافه، وتعبر عن غياب رزانة العقل والاستحكام فى التحزب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيز لها؛ وخاصة عندما يقترن الاعتقاد أو التحزب بالحط من شأن جماعات  نظيرة والتحامل عليها، وتفيد معنى التعصب الأعمى أو الوطنية المفرطة والإعجاب الحصري لدى الشخص بوطنه والحماس للمجد العسكري والتاريخي والاعتقاد المتحمس بأن وطنه  أفضل الأوطان وأمته فوق كل الأمم.

ولطالما اتهم البعض الشعب المصري بأنه يغرق في الشوفينية -وفقا لهذا التعريف- فهو دائم الحديث عن أمجاده التاريخية وخاصة الحضارية التي تمتد في جذور التاريخ لفترة تتجاوز السبعة آلاف سنة، وهو شعب يعتز بجيشه وجنوده وقادته بغض النظر عن الحكم السياسي على هؤلاء القادة. فالجيش بالنسبة للمصريين عمود الخيمة التي تحمي البلاد وتمنع عنها الشرور وتحافظ على حدودها المقدسة والتي لم تتغير منذ فجر التاريخ، وأصبحت تقريبًا الوحيدة التي لم تدنس بضم أراضي غير تلك التي عرف عنها بشكلها الحالي. لذا تجد أن غالبية حكام مصر كانوا من خلفية عسكرية وأصبح الجيش الوطني هو الضامن والراعي لمنظومة الحكم ورمانة الميزان بين الشعب والحاكم لأنه وإن كان قوة مسلحة في أيدي الحاكم، إلا أنه يتكون من أبناء البسطاء والفلاحين والطبقة الوسطى وكل أطياف وطبقات الشعب، ولم يكن يومًا جيش طائفة أو طبقة أو نخبة أو حاكم بعينه ولم يسجل عليه بطشه بالشعب أو أن استخدم في القمع والقتل.

ودون تصنيف دولي أو أكاديمي، يعتبر الشعب المصري أن جيشه أفضل الجيوش وأقواها وأكثرها وطنية وولاء حتى تحولت تلك العلاقة في السنوات الأخيرة التي تلت الربيع العربي إلى أن الشعب هو من يحمي الجيش بعدما تحولت الجيوش الوطنية إلى هدف للإرهابين والفوضويين فأصبح الشعب حام للجيش من سيناريو الفوضى.

وحبًا في كسر المألوف وعد الاكتراث بتعريفات الشوفينية وضربها بعرض الحائط، يعتقد الشعب المصري أنه صانع التاريخ والحضارة وصاحب المخزون الثقافي والحياة وأن ما يمر به من أزمات ينكسر على صخرة حكمة آلاف السنين ومخزون التجارب والنكتة والتنكيت وخفة الدم؛ وأن حالة التكيف مع الأزمات والاشتباك معها والخروج منها هو حالة متكررة سبق وأن مر بها آلاف المرات، وأنه لا يوجد شعب لديه تلك الخبرات البشرية والحضارية، وأن كل مشكلة هي كبوة لا تنتقص من قدر مصر وقيمتها ودورها ومكانة شعبها.

التدهور الأخلاقي وانهيار الخدمات والتعليم والصحة وتراجع المكون والدور الثقافي، لا تزعجه بالقدر الذى يزعج شعوب أخرى لأنه يتصرف تجاه هذا على أنه مرحلة هبوط لحظي سرعان ما تعدل مسارها صعودًا إلى صدارة العالم والدنيا لتحتل مكانتها التي لا يستطيع غيرها أن يشغلها مهما كانت قوته وتقدمه اللحظي؛ واللحظة التاريخية عند المصريين يمكن أن تصل إلى مئات السنين.

نحن إذا أمام معضلة بمقاييس عصرنا وكبوة بمقاييس الشعب المصري التاريخية؛ لأن النتائج التى أظهرها التعداد السكاني لعام 2017 جميعها مؤشرات خطيرة سواء المتعلقة بعدد السكان في الداخل والخارج الذى تجاوز 104 ملايين نسمة أو معدلات الفقر والبطالة وكم الثروات المهدرة والانهيار الأخلاقي والأسري المرتبط بالزواج والطلاق والأطفال المشردين أو ما يطلق عليهم إعلاميا أطفال الشوارع وزواج القاصرات؛ جميعها مؤشرات وأرقام وحقائق تدق جرس إنذار صاخب بأن هذا الوطن فى حالة موت إكلينيكي ويحتاج إلى عمل وجهد ومعجزات وقدرات خاصة للخروج من تلك الحالة إلى ظروف وواقع أفضل.

في المقابل، هناك حجم عمل ضخم على الأرض رغم كل الأزمات وارتفاع الأسعار والتضخم يمثل لك علامة استفهام؛ كيف لهذا الشعب المثقل بالأزمات والهموم الكبرى أن يدير حياته اليومية بهذا القدر من الصبر والقدرة على الاستمرار؛ وكيف لم تنجح كل معاول الهدم أن تنال منه وتسقطه مثلما أسقطت كل شعوب المنطقة في حالة من الفوضى والانهيار التام؟ وكيف لم تنجح كل محاولات إشعال الفتنة بين مسلميه وأقباطه في شق الصف وتمزيق النسيج الوطني؟ وكيف لم تنجح كل محاولات الحصار الاقتصادي وعمليات الإرهاب في إحداث ثورة مضادة على ثورة 30 يونيو التى أطاحت بحكم الإخوان المسلمين وسقوط رئيسهم ومكتب إرشادهم وسلفييهم؟ لماذا يتحمل هذا الشعب إجراءات الإصلاح الاقتصادي القاسية كل أسبوع دون أن يثور ويهدم المعبد يأسًا من مستقبل أو ضوء في آخر النفق؟

وتأتى الإجابة: إنها حالة الشوفينية  الفريدة التي تجعل المصري على مدار التاريخ معتزًا بوطنه وجيشه وقيادته العسكرية والسياسية؛  حتى حالة الثورة التي مر بها مرتين في 2011 و 2013 حولها إلى حالة اعتزاز وفخر بأنه من يحرك التاريخ ويصنعه وأنه القادر على عزل  حاكم يراه مستبدًا، وخلع آخر يراه مسخًا وأداة فى أيدي جماعة فاشية، وأنه لا يوجد شعب على وجه الأرض قادر على صنع ثورتين في عامين؛ وبعد ثورة 30 يونيو 2013 تعالت الحالة الشوفينية ليشكل الحصار الذي فرض علينا وقودًا لإزكاء الشعور الوطني والمواجهة والصمود وأنه لابد من النصر في تلك الحرب التي فرضت على الشعب.

أيًا كانت نظرتنا إلى حالة الشعب المصري الشوفينية، إلا أننا لا نستطيع عندما ندقق في كل الملابسات ومسيرة هذا الشعب إلا أن نؤكد أنها أصبحت درعا وسياجا يحمي هذا الشعب في وقت الأزمات ويزيد من تماسكه وتوحده في مواجهتها والعبور منها، وهو أمر ليس كله وهمًا، فمصر والمصريون لديهم شىء فريد لا تستشعره إلا عندما تبعد عنها لو كنت مصريًا أو عندما تزورها وتغيب عنها لفترة طويلة كأجنبى؛ سحر المكان والمخزون التاريخي وعبقه؛ حرارة اللقاء والضيافة؛ خليط غريب صعب تقليده يحمل سر السعادة رغم صعوبات الواقع... المجد للشوفينية.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on