Monday,20 November, 2017
Current issue | Issue 1364, (12 - 18 October 2017)
Monday,20 November, 2017
Issue 1364, (12 - 18 October 2017)

Ahram Weekly

"الكُل مع الكُل ضد الكُل"

"سريالية" عسكرية في شمال وشرق سوريا - نظام يقاتل للبقاء.. تحالفات متناقضة.. معارضة تابعة.. تنظيم ينصر الشيطان.. ومواطن يدفع الفاتورة رسالة دمشق ـ باسل العودات

بعد صيف هادئ، انشغل فيه مسئولو الدول الكبرى بإجازاتهم، دبّت الحرارة في الملف السوري من جديد، وحفل شهر سبتمبر الماضي بالعديد من التحركات والأحداث التي توحي بأن الملف عاد ليتصدر اهتمامات الدول الكبرى والإقليمية على حد سواء، وفي بدايات هذا الشهر تحرك الوضع الميداني السوري بسرعة وتنافسية توحي بأن الدول المعنية بالأزمة السورية تسعى لتقسيم سوريا أكثر مما تسعى لحل الأزمة.

في سبتمبر، انتهت اجتماعات أستانا بجولتها السادسة، ورغم أنها لم تُسفر عن جديد، ولم تُزل الغموض المحيط بجدوى وثبات وأهمية هذه الاجتماعات، إلا أنه بدأ التحضير مباشرة للجولة السادسة التي تليها، وتقرر عقدها في أكتوبر الجاري، مع صدور تصريحات غربية عديدة تؤكد على أن هذا المسار ليس بالأهمية التي يأملها الروس، ولا يمكن أن يكون وحده مسارًا لحل القضية السورية.

في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت في سبتمبر أيضًا، قال الرئيس الفرنسي مانويل ماركون إن آلية المفاوضات التي تخوضها موسكو وطهران وأنقرة في أستانا عاصمة كازاخستان "لا تكفي"، كما أكّد وزير خارجية على أن الحل في سوريا يجب أن يكون من خلال "رعاية الأمم المتحدة في مفاوضات جنيف" وليس في اجتماعات أستانا أو غيرها.

كذلك قالت الولايات المتحدة إن "إعادة بناء سوريا تعتمد بشكل كبير على هذه العملية السياسية الموثوقة"، وأشار إلى أن هذه العملية السياسية يجب أن "تتركز على جنيف ودور الأمم المتحدة" مستبعدة دور أستانة في هذا المجال، وما يعني أن واشنطن مازالت على موقفها، الذي لا يعير أي أهمية لاجتماعات أستانا وما نتج عنها خلال ست جولات، وليست معنية بكل اتفاقيات "وقف التصعيد" التي فرضتها روسيا على فصائل من المعارضة السورية المسلحة.

في هذا السياق، لا يبدو مسار أستانا مسارًا للحل في سوريا، لأن رعاته الروس لم يبرهنوا على إمكانية الثقة بهم، ولم يكونوا حياديين، ولا حتى أنصاف حياديين، وتعاملوا مع سوريا كجزء من ساحتهم العسكرية، ووزعوا مناطق النفوذ (ضمن المجال المسموح لهم أمريكيًا)، فقد أعطت روسيا لتركيا شرعية الدخول إلى القسم الأكبر من شمالي إدلب، ما ينسف حلم (قوات سورية الديمقراطية) بربط مناطقها ما بين شرق وغرب الفرات، كما سمحت روسيا لإيران بتوسعة نفوذها في محيط دمشق مقابل صمتها على ما تناله تركيا.

لم تصمد الهدن و"مناطق خففض التصعيد" التي أقرها رعاة أستانا، روسيا وإيران وتركيا، فيما صمد -على سبيل المقارنة- وقف إطلاق النار في جنوب سورية الذي فرضته الولايات المتحدة، واتفقت عليه مع روسيا، وهذا مؤشر ميداني يؤكد على ركاكة المخرجات التي تصدر عن أستانا، وقوة المخرجات التي تصدر عن قرار أمريكي.

خرق النظام السوري كل اتفاقيات الهدنة (مناطق تخيفض التوتر)، واستخدم سلاح الطيران في أكثر من منطقة مشمولة بنظام وقف التصعيد، كذلك لم يلتزم الضامن الروسي بخفض التصعيد، وقصف بعنف الكثير من المناطق المشمولة به، وكل ذلك من أجل الضغط أكثر على فصائل المعارضة المسلحة، وتمكين النظام السوري والميليشيات الرديفة من تحقيق انتصارات ميدانية أكبر.

تسعى روسيا، لإلغاء بيان جنيف 1 لعام 2012، والذي يدعو لتشكيل هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات، لأنها تحرم النظام السوري من الاستفراد بالحكم، وتكفّ يده عن السيطرة الأمنية والعسكرية والسياسية، ولهذا سعت هذا الشهر أيضاً لإقحام منصة موسكو في الهيئة العليا للمفاوضات والوفد المفاوض، ومارست ضغوطًا بهذا الصدد، وأعلمت دولاً إقليمية بضرورة الرضى والتسليم بهذا الأمر، وتتأرجح المعارضة السورية بين الرفض المطلق لانضمام منصة موسكو خصوصاً، وبين من يرى أن الميل مع الريح هو أمر ضروري خاصة وأن موسكو هي التي تتبنى هذه المنصة.

تحاول المعارضة السورية رفض الضغوط الروسية، ورفض ضم منصة موسكو، وتؤجل اجتماع الرياض الجديد الذي ستجتمع فيه الهيئة العليا للتحضير للمفاوضات المقبلة في جنيف نهاية أكتوبر الجاري، ونقلت مصادر في المعارضة السورية أن محادثات بهذا الشأن كانت ضمن مباحثات العاهل السعودي والرئيس الروسي التي جرت في موسكو، ومن المتوقع أن تُعلن موسكو موقفها الجديد بعد أن تم التشاور مع الروس، وسيتوضح إن كانت المعارضة ستوافق على ضم منصة موسكو أم لا.

اتجهت أنظار كافة القوى في سبتمبر نحو دير الزور، المحافظة الاستراتيجية بموقعها والغنية بنفطها وغازها، وقصفتها بعنف قوات التحالف الدولي، وسلاح الطيران الروسي، وقوات النظام والميليشيات الإيرانية، من أجل إخراج مئات من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، لكن مستوى العنف والعشوائية وصل إلى درجة التهديد بالمواجهة بين القوتين الكبريين، روسيا وأمريكا، ما دفع للشك بأن هدف كل طرف هو السيطرة على مواقع الثروة في المحافظة.

لكن الحدث الأكثر إثارة نهاية هذا الشهر هو حشد الجيش التركي أعدادًا كبيرة من المقاتلين والمعدات الحربية قرب الحدود استعدادًا لدخول مدينة إدلب في شمال شرق سوريا، ودخول وفد عسكري تركي إلى إدلب بحماية مقاتلي جبهة النصرة، لتحديد مواقع انتشار الأتراك الذي تعارضه جبهة النصرة المُصنّفة إرهابية، ووفق المعلومات ستعتمد القوات التركية كثيرًا على قوات (درع الفرات) السورية التي درّبتها ورعتها سابقاً.

رحب الجيش الحر وقوات (درع الفرات) بدخول تركيا عسكريًا إلى إدلب، لتحميهم من القصف الجوي الروسي ومن جبهة النصرة على حد سواء، ولحماية 3 ملايين مدني في إدلب، لكن تركيا تقول إن الأمر سيتم بغطاء جوي روسي، ويدخل وفدها برعاية النصرة، فيما يُطالب النظام السوري بإغلاق الحدود بوجه الأتراك، الذين يدعمون المعارضة المسلحة، لكنه يدعم اتفاق الإيرانيين والروس مع الأتراك لدخول سوريا لمحاربة الإرهابيين، أما الروس الذين قاتلوا بالكاد مؤخرًا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فهم يتهمون أمريكا بدعم (داعش) بينما أمريكا تحارب هذا التنظيم منذ سنتين كهدف وحيد مُعلن لها في سوريا، بينما تعمل على تقسيم سوريا وتُحاصر قوى الثورة بدعم غير مباشر للنظام، مع أنها تقود ما يسمى "أصدقاء الثورة السورية" التي تهدف لتغيير النظام. وكل ما سبق ذكره هو معادلات متناقضة للغاية يصعب فهمها في الحالة السورية.

باختصار؛ الكل في سوريا مع الكل ضد الكل، والكل مستعد للتعاون مع الكل من أجل مصالح وأهداف معينة. هي عملية سريالية سياسية وعسكرية، واستخفاف بالعقول من قبل هذه الأطراف الدولية والإقليمية، بوجود نظام سوري أجرم وارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا حدود لها من أجل البقاء في الحكم، ووجود تنظيم إرهابي يدّعي أنه ينصر الله بينما في الحقيقة يتعامل مع الشيطان ويُخرّب ويُدمّر بلا حدود، وفي ظل وجود معارضة سياسية سورية عاجزة تابعة للدول غير قادرة على فعل أي شيء، ومعارضة عسكرية لا تفقه بالعسكرة تحوّلت إلى أمراء حرب. إنه سبق في تاريخ السياسة والحروب ما يجري في سورية، حفلة من اللا منطق واللا معقول، الخاسر الوحيد فيها هو المواطن السوري العادي.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on