Tuesday,21 November, 2017
Current issue | Issue 1365, (19 - 25 October 2017)
Tuesday,21 November, 2017
Issue 1365, (19 - 25 October 2017)

Ahram Weekly

ما الذي حدث في اليونسكو؟

محمد سلماوي يكشف حقيقة استخدام القطري ولعبة الفرنسية والمخاوف من مرشحة مصر

اذا أردنا تقييم التجربة الأخيرة التى خاضتها مصر للحصول على منصب مدير عام اليونسكو، فإن علينا أولا أن نعرف ما حدث بالضبط فى هذه المعركة التي انتهت بفوز المرشحة الفرنسية التي قوبل ترشيحها فى البداية بكثير من الامتعاض، ليس فقط من جانب العرب وإنما داخل فرنسا ذاتها، سواء على مستوى الصحافة أو داخل مجلس الشيوخ الفرنسي، فكيف انتهى الأمر بأن أيدتها الدول التي لم تكن مرتاحة لترشيحها ومن بينهم مصر؟ ثم علينا أن نعرف أيضًا خريطة الضغوط التي مورست أثناء الانتخابات ووصلت إلى حد الابتزاز السياسى، وأن نقيم أداء مصر في المعركة، ثم علينا أخيرًا أن نحاول بيان طبيعة المرحلة المقبلة في تاريخ اليونسكو والتى ستختلف تماما عن ما عرفناه عنها طوال أكثر من ٧٠ عاما.

فإذا جئنا للموضوع الأول حول ما حدث فى الانتخابات وكيف وصلنا لهذه النتيجة، وهو ما سنفرد له هذا المقال، نجد أن اللوبى اليهودى الذى تصدى فى جميع التجارب السابقة للمرشحين العرب، قد غير من وسائله للوصول فى النهاية إلى نفس الهدف، وهو الحيلولة دون وصول العرب إلى إدارة اليونسكو، فالتحرك اليهودى الذى أعلن على الملأ فى انتخابات ٢٠٠٩ رفضه للمرشح العربى الأقوى وهو الفنان فاروق حسنى، اختار هذه المرة أن يعمل فى الخفاء، ومن المعروف أن مجلس المنظمات اليهودية الفرنسية CRIF قد أكد للمرشح الرئاسى إيمانويل ماكرون دعمه له فى معركة الرئاسة وطلب منه فى نفس الوقت دعم المرشحة الفرنسية ذات الأصول اليهودية التى رشحها الرئيس السابق فرانسوا أولاند، وأن يتعهد بأن فرنسا ستعمل على وضع حد لما وصفه الCRIF بالانحياز ضد إسرائيل ومناصرة العرب، ولم يعد سرًا أن اللوبي اليهودي يقف وراء المرشحة الفرنسية بكل قوة، لكنا لم نجد أي تعبير علني عن هذا التأييد، وحين انفلت لسان المندوب الإسرائيلى فى اليونسكو كارمل شاما-هاكوهين المعروف بتهوره، وقال أخيرا بأن العرب يمثلون خطرا على اليونسكو، ذاكرا بالتحديد مصر وقطر، عاد وتراجع بسرعة عن تصريحه الذى خرق أسلوب العمل فى الخفاء الذى اتبعه اللوبي اليهودي هذه المرة.

العنصر الثانى الجديد هذه المرة في أسلوب عمل اللوبي اليهودي هو تضخيم قوة الخصم مع بيان خطره بدلا من العمل منذ البداية على التقليل من حجمه، وقد اندهش الكثيرون فى البداية من التقدم السريع الذي حققه المرشح القطري والذي وصل الى حد حصوله على أعلى الأصوات حتى الجولة الأخيرة، دون أن يدركوا، ولا أدرك المرشح نفسه، أن الكثير من الأصوات التي ذهبت إليه فى البداية لم تكن له، وأنها هى ذات الأصوات التي ذهبت فى النهاية للمرشحة الفرنسية، فهل كان هذا مقصودًا؟ هل تم توجيه بعض الأصوات لتضخيم قوة المرشح القطرى وفي الوقت المناسب عادت هذه الأصوات إلى فرنسا؟ ولقد اتخذت خطة تأكيد الخطر القطري ٣ مسارات: أولا اتهامه باستخدام ما يسمى المال السياسي، وقد نشرت مجلة "جون أفريك" قائمة الأعضاء الذين قالت إنهم تلقوا المال من قطر، وثانيا اتهامه بالعداء للسامية، وثالثا التذكير بانتمائه لدولة تدعم التطرّف الإسلامى، وقد نشر موقع "أتلانتيكو" أن المرشح القطرى إسلامي متطرف (وهو غير صحيح) وأنه كتب مقدمة لكتاب معاد للسامية، وقد تزامن ذلك مع تصريح المندوب الإسرائيلى بأن قطر ومصر يمثلان خطرًا على اليونسكو والذى تلاه إعلان الولايات المتحدة انسحابها من اليونسكو بسبب تزايد النفوذ العربي الذي أدى - حسب البيان الأمريكي- إلى انحياز المنظمة ضد إسرائيل.

على أن فرنسا وجدت أن تنافسها وهى بلد الثقافة والنور ضد قطر سيمثل مقارنة صارخة تنتهى حتما لصالحها، بينما تنافسها ضد دولة عربية أخرى صاحبة تاريخ حضاري وثقافي عريق مثل مصر سيكون أصعب، وقد اجتمعت المرشحة الفرنسية بمرشح قطر فى أشد أوقات المعركة الانتخابية دون أن تعلن ذلك، لكن المرشح القطري نفسه تباهى بمساندة فرنسا له فوضع صورة لقائهما على حسابه الشخصى على تويتر، فاندهش الكثيرون ممن لم يكونوا يعرفون بأن فرنسا إنما تستخدم قطر لضمان فوزها في الانتخابات.

وهذا يعني أن المعركة الحقيقية فى الانتخابات كانت بين مصر وفرنسا، وقد جاء الترشح الفرنسي في الأصل للحيلولة دون وصول مصر لهذا الموقع بعد أن بدا موقف المرشحة المصرية قويًا، فتم اختيار مرشحة فرنسية تتمتع بنفس مزاياها دون كفائتها، فهى امرأة مثلها، وهى ذات أصول عربية أيضًا، وإن كانت قد أصرت دائمًا على أنها فرنسية وليست مغربية، وزادت على ذلك أنه ليس هناك ما يحتم اختيار مدير عام عربي لليونسكو، ثم أن مساندة اللوبى اليهودى يعطيها قوة إضافية في مواجهة مصر.

يضاف إلى ذلك أن فرنسا بذلت جهودًا كبيرة فى إفريقيا مكنتها من الحصول على الكثير من أصوات الدول الفرانكوفونية التي تربطها بها علاقات وثيقة خاصة في المجال الثقافي، ضاربة عرض الحائط، هى وإفريقيا، بقرار القمة الإفريقية فى يوليو الماضي الذي اعتبر السفيرة مشيرة خطاب المرشحة الرسمية للقارة الإفريقية، ويصل عدد الدول الإفريقية داخل المجلس التنفيذى لليونسكو إلى ١٧ دولة كان يفترض أنهم جميعا من حق المرشحة المصرية، لكن من بين الأصوات ال١١ التى حصلت عليها مصر فى الجولة الأولى من جميع المناطق الجغرافية، لم يكن هناك أكثر من ٧ أو ١٠ أصوات على الأكثر من إفريقيا، أي أن نصف عدد المندوبين الأفارقة في المجلس التنفيذى خالفوا قرار رؤساء دولهم فى هذا التصويت السري (!).

ولقد وصل التنافس بين مصر وفرنسا إلى ذروته في الجولة الإضافية التي خصصت لاختيار من منهما ستواجه ذلك الوحش الخرافي الذي خلقته فرنسا "كفزاعة" تخيف بها العالم، ولما كان المرشح القطري قد حصل على ٢٢ صوتا فقد كان بإمكانه توجيه الكثير منهم (وليس من أعطتهم له فرنسا) لتأييد واحدة من المرشحتين المصرية أوالفرنسية فى الجولة الإضافية، لكن يبدو أن الأزمة الحالية بين قطر والرباعي العربي كانت العامل الحاسم فى عدم توجيه هذه الأصوات لمصر رغم أنه لم يكن من الصعب إدراك أن التنافس بين قطر وفرنسا على أعلى منصب ثقافي دولي كان فى جميع الأحوال سيحسم لصالح فرنسا، وربما كان هذا هو الدافع وراء تأييد مصر في النهاية لفرنسا، دولة المقر التي ناصبتها العداء منذ البداية.

أما الابتزاز السياسي الذي مارسته الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه المعركة التي خاضتها مصر بشرف وكفاءة، فتلك قصة أخرى تحتاج مقالا آخر.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on