Monday,20 November, 2017
Current issue | Issue 1365, (19 - 25 October 2017)
Monday,20 November, 2017
Issue 1365, (19 - 25 October 2017)

Ahram Weekly

التدخل العسكري التركي في سوريا.. توريط أم مدخل للحل؟

التدخل العسكري التركي في سوريا قد يُجنّب الشمال السوري التدمير، أو قد يُسرّع في تدميره، رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

بعد أن حشد الجيش التركي أعدادًا غفيرة من مقاتليه وآلياته الثقيلة على الحدود الشمالية مع سوريا فداخل الأراضي التركية، ، قام الجيش التركي لأول مرة منذ انطلاق الثورة/ الحرب في سوريا قبل ست سنوات ونصف، بالتوغّل في الأرضي السورية، ووسّع انتشاره تحديدًا في محافظة إدلب، شمال غرب سوريا، التي تُسيطر عليها المعارضة السورية، بهدف تطويق مدينة عفرين التي تُسيطر عليها "وحدات حماية الشعب" الكردية، لتمنع هذه القوات من التقدم نحو الحدود التركية.

توجهت قوافل من الجيش التركي إلى الداخل السوري، وقامت بإنشاء مراصد، ترصد من خلالها تحركات الأكراد، وتمنعهم من التقدم أكثر بعد أن قضموا جزءًا من هذه المدينة وغيرها من المدن السورية في محاولتهم السيطرة على الشمال السوري كله لإعلان إدارة ذاتية فيدرالية من جانب واحد، بعيدًا عن قرار كل السوريين.

هذا التدخل لاقى ترحيبًا من جزء من المعارضة السورية، وخاصة المرتبطة بتركيا، كائتلاف قوى الثورة المعارضة السورية، والفصائل العسكرية التي تؤمن لها تركيا الدعم، لكنّه لاقى انتقادات من قوى معارضة سورية أخرى، على اعتبار أنه تدخل أجنبي، حاله كالتدخل الروسي والإيراني الذي يرفضوه.

من جهته، أعلن النظام السوري أن التوغل التركي في إدلب "عدوان سافر" وطالب أنقرة بسحب قواتها، غير أن الانتشار التركي تواصل، وتناسى النظام السوري بدوره أن التدخل الروسي والإيراني، وتدخل حزب الله والميليشيات العراقية الطائفية، هي بدورها "عدوان سافر" على السيادة الوطنية، وانتهاك لها.

لكن التدخل التركي في سوريا أتى بعد أيام من محادثات بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان، أعلن في نهايتها أردوغان أن قوات بلاده ستدخل قريباً إلى سوريا، وأن قوات بلاده العسكرية ستتحرك وفقًا لخطة ناقشها مع بوتين، من أجل "تخفيف التصعيد" في المنطقة، حيث سترابط القوات التركية داخل إدلب، وتكون القوات الروسية خارجها، ما يعني أن التدخل العسكري التركي في سوريا تم بموافقة وتأييد أهم حليف للنظام السوري الذي يدّعي أنه لا يريد هذا التدخل.

وتُشكِّل محافظة إدلب واحدة من أربع مناطق سورية تم التوصل فيها إلى اتفاق خفض توتر في مايو، في إطار محادثات أستانا التي ترعاها كل من روسيا وإيران حليفتي دمشق وتركيا الداعمة للمعارضة.

تباينت الآراء وقراءات مراكز التحليل حول الأسباب الحقيقية خلف العملية التركية في شمال سوريا، والمدعومة روسيًا، فالتحليلات الروسية تقول إن العملية جاءت ضمن إطار الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أستانا بين ممثلي النظام والمعارضة السورية برعاية روسيا وتركيا وإيران، وأن القوات التركية ستتحرك على الأرض بتغطية من القوة الجوية الروسية بهدف القضاء على (هيئة تحرير الشام)، التي تُعدّ (جبهة النصرة) سابقًا أبرز مكوناتها، وتوفير ظروف آمنة لوقف إطلاق النار في تلك المنطقة.

فيما يرى الأكراد أن هدف العملية التركية طردهم من المناطق التي سيطروا عليها، ومنعهم من ضم الجزء الشمالي الغربي من سوريا إلى إقليمهم الذي ينوون إقامته (إقليم غرب كردستان)، بينما ترى المعارضة السورية المقربة من تركيا أن الهدف تقوية المعارضة في ذلك الجزء من سوريا وتمكينها من فرض سيطرتها على الأرض في مواجهة الأكراد والنظام على حد سواء.

هناك في أنقرة من يقول إن الهدف منع الأكراد من الوصول إلى المتوسط، لأن سيطرة الأكراد على إدلب سيوفر ليس لأكراد سوريا فقط، بل لأكراد العراق أيضًا، منفذاً إلى البحر المتوسط، وبخلاف ذلك ستبقى "كردستان" السورية والعراقية حتى في حال إن صارتا دولتين مستقلتين، تتبعان إلى الجيران (تركيا وإيران)، لذلك فإن منع حصول الأكراد على منفذ إلى البحر يدخل ضمن أولويات أنقرة وأمنها القومي، كما أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية في حاجة إلى تحقيق نصر عسكري، حتى لو كان صغيرًا، لتحسين صورته السياسية.

بينما يرى الإيرانيون أن هدف أنقرة تعزيز موقعها العسكري في سوريا، ليكون لها حصّة أكبر بعد تسوية الصراع وانتهاء الحرب، وكل ما يحدث من إعادة إعمار وزيادة نفوذ بعد ذلك، فضلاً عن رغبة أنقرة حماية التركمان في الشمال السوري، الذين دعوا في أبريل الماضي إلى إقامة منطقة آمنة في إدلب ذات الأهمية الاستراتيجية.

في الحقيقة، وبعيدًا عن تصريحات المسئولين في كل هذه الدول المعنية بالأزمة السورية، يبدو أن العملية العسكرية التركية في الشمال السوري تهدف إلى هدفين أساسيين، الأول تركي، وهو توجيه خنجر في خاصرة مشروع "الكيان الكردي" شمالي سوريا، والثاني روسي، وهو إنهاء آخر وأكبر معاقل المعارضة السورية تمهيدًا لإنهاء الحرب في سوريا وحسمها لصالح النظام.

إلى ذلك، يبدو أن لتركيا مصلحة أخرى غير عسكرية، وهي منع انزلاق إدلب إلى مصير مشابه لمدينة مدينة حلب، التي قصفها الطيران الروسي فوق رؤوس سكانها، بحجة الحرب على (جبهة النصرة) والتنظيمات المتشددة، ودمّرها تماماً، وهذا الأمر قد يُنتج أزمة إنسانية غير مسبوقة على حدود تركيا قد تدفع الملايين للنزوح نحو الداخل التركي، وتتفاقم أزمة اللاجئين في تركيا أكثر مما هي متفاقمة الآن، خاصة وأنه يسكن في إدلب 2.4 مليون من سكانها، إلى جانب 1.3 مليون نازح.

وفي الغالب، تُحاول روسيا تحييد محافظة إدلب لأسابيع أو لأشهر، إلى حين انتهاء النظام السوري من معاركه في حمص ودير الزور، ومن ثم التفرغ للمحافظة، وحينها ستجد أنقرة نفسها أمام خيارات أصعب من المتاحة حالياً وربما يكون أقلها المشاركة في حملة عسكرية ضد التنظيمات المتشددة (هيئة تحرير الشام) التي تضم الآلاف من المقاتلين.

ما زالت تركيا تنفي أي اتصال مباشر بينها وبين الأسد، لكن لا تخفي أنها ترى في المشروع الكردي خطرًا أكبر بكثير على أمنها القومي من نظام الأسد الذي تختلف معه سياسيًا، وسط خشية لدى المعارضة السورية من أن يتحول التواجد التركي في إدلب إلى جسر لاستعادة إدلب من قبل النظام السوري، وعودة العلاقة التركية مع النظام.

من الملاحظ أن طلائع القوات التركية دخلت إدلب بحماية من مقاتلي هيئة تحرير الشام، الذين ربما فهموا أنه سيُقضى عليهم لا محالة، فقرروا بالفعل تجنيب إدلب وسكانها مصائر مشؤومة، وأدركوا أن الخيارات المتبقية كلها مُرّة، فاختاروا أقلها مرارةً، وهو التعاون مع تركيا، خاصة وأن النظام السوري والميليشيات الموالية لإيران بدأت تفتح ممرات لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) نحو مدينة إدلب، وبدأت مجاميع من مقاتلي التنظيم يمرون نحو إدلب من دون أي اشتباك مع ميليشيات النظام وإيران، لتشتبك مع مقاتلي هيئة تحرير الشام، وهذا بدوره يهدد تركيا لأن متشددي (داعش) قد يصبحون على تخومها.

يُحبّذ الإيرانيون أن يروا الأتراك غارقين في دمائهم، في مواجهة متطرفين وجهاديين في إدلب. لذلك، فتحوا الطريق لمقاتلي "داعش". لكن إن تعذر ذلك، فإن القبول بسيطرة الأتراك على إدلب، أفضل لهم من حصول تقدم كردي في تلك المنطقة، فتلك مشكلة كبيرة لإيران أيضاً خاصة مع ما تواجهه في كردستان العراق.

لكن بالمقابل هناك أصوات داخل قيادة (هيئة تحرير الشام) تُطالب بالذهاب إلى النهاية في الصراع مع الأتراك، بوصفهم تعبيراً عن توافق إقليمي – دولي، يستهدف تصفية "المشروع الجهادي" في سوريا، حتى لو تطلب ذلك، التحالف مع (داعش).

أما بالنسبة للأتراك، فإن استيعاب (هيئة تحرير الشام) وعدم الاصطدام معها هو أفضل الخيارات المتاحة لها في إدلب، وهو ما يسعون إليه حتى لا يتورطوا بما يضمره الروس لهم، وهو تورط الأتراك في حرب استنزاف في مواجهة هذه الهيئة.

لكن، ما يزال الجواب حول المسار الذي ستعتمده هيئة تحرير الشام، في التعامل مع تطورات الدخول التركي إلى مناطق سيطرتها، غير حاسم، رغم أن بشائره تؤكد أن الهيئة ستتعاون مع الأتراك.

وحده الموقف الأمريكي غير واضح، فهم دون شك غير مرتاحين للتدخل العسكري التركي دون أن يُعلنوا، وغير مرتاحين من حرمان حليفهم الكردي من منفذ بحري على المتوسط، يُجنّبه احتمالات الحصار الاقتصادي التي يمكن أن يفرضه الأتراك والإيرانيون والسوريون، لكن ورقة الإرهاب بيدهم، وهم قادرون على رفعها في أي وقت بوجه تركيا، على اعتبار أنها بدأت التنسيق مع (هيئة تحرير الشام) التي تُطالب واشنطن برأس بعض قادتها المحسوبين على تنظيم القاعدة.

النظام السوري هو الوحيد الذي لا يقدر على شيء، ولا يدري بشيء، حتى تصريحات كبار المسؤولين الروس تشير إلى أن النظام السوري لم يكن يدري شيئاً عن الاتفاق الروسي التركي الإيراني الأخير الذي يسمح بدخول الأتراك عسكريًا إلى شمال سوريا.

إذاً، هو تدخّل عسكري تركي مُعقّد في سوريا، يحمل الكثير من الرسائل من كل الأطراف لكل الأطراف، واحتمالاته مفتوحة على كل التوقعات، وقد يكون لهذا التدخل دور في تهدئة الشمال السوري ومنع تدميره كما حصل في حلب والرقة ودير الزور، أو قد يكون له دور في تسريع هذا التدمير.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on