Monday,20 November, 2017
Current issue | Issue 1366, (26 October - 1 November 2017)
Monday,20 November, 2017
Issue 1366, (26 October - 1 November 2017)

Ahram Weekly

الأسلحة المحرمة في اليونسكو

محمد سلماوي يكتب عن الشنط السوداء و"لي الذراع" والابتزاز في معركة باريس

 

اتصل بى مندوب أحد المواقع الإخبارية أثناء وجودي فى باريس لمتابعة معركة اليونسكو ليسألني عن ملاحظاتي على المعركة الانتخابية، فقلت له إن من يتابع الدورة الحالية لانتخابات المدير العام  انما يشاهد العجب الذي لم تعرفه المنظمة من قبل، حيث تم استخدام أسلحة محرمة دوليًا، وكأننا في حرب فيتنام التي استخدم فيها النابالم الحارق، أو في الحرب على غزة التي ألقيت فيها القنابل العنقودية على السكان المدنيين، فإلى جانب سلاح الرشاوى المحرم في الانتخابات والذي يشار إليه تأدبًا بتعبير المال السياسي، وقد كان موجودًا في السابق لكنه وصل هذا العام إلى حدود غير مسبوقة، قدرتها جريدة "لو كانار أنشينيه" بعشرات الملايين من الدولارات، فقد وجدنا كل من الولايات المتحدة وإسرائيل تلجآن على الجانب الآخر إلى سلاح محرم هو الآخر  وهو الابتزاز السياسي الذى لا أعرف إن كان يشار إليه تأدبًا بتعبير آخر، وقد وصل الابتزاز إلى حد إعلان الولايات المتحدة وهي القوة الأكبر في العالم، انسحابها من اليونسكو قبيل الجولة الأخيرة من الانتخابات، بحجة الاعتراض على مناصرة اليونسكو للعرب اللذين اقترب إثنان منهما من الفوز لأول مرة بمنصب المدير العام، ولم يخف على أحد أن اختيار هذا التوقيت بالذات كان بهدف التأثير على نتيجة الانتخابات، وما هى إلا ساعات معدودة واتبعت إسرائيل كالبغبغاء نفس الأسلوب فأعلنت أنها ستنسحب هى الأخرى ولنفس السبب.

ولست أعرف لماذا انفردت الولايات المتحدة بين مختلف دول العالم باتهام اليونسكو بالانحياز ضد إسرائيل؟ وقد يحق لنا أن نتساءل ماذا سيكون موقف الولايات المتحدة لو أن هناك بالفعل منظمة دولية منحازة ضد هولاندا مثلا أو باكستان أو النرويج؟ هل ستنسحب منها أيضا؟ وَمِمَّا يثير السخرية أن السبب الثاني الذي ساقته الولايات المتحدة لانسحابها من اليونسكو هو أن المنظمة تتعرض لأزمة مالية بسبب تراكم الديون، ذلك أن أحد أسباب الأزمة المالية التي تواجهها المنظمة هو أن بعض الأعضاء لا يدفعون اشتراكاتهم السنوية، وأول هؤلاء الأعضاء هى الولايات المتحدة نفسها والتي تراكمت مستحقاتها لليونسكو حتى وصلت إلى نصف مليار دولار.

ولست أعرف مرة أخرى من الذي سمح للولايات المتحدة أَن تُمارس جميع حقوقها داخل المنظمة وهى لا تقوم بواجباتها؟ كيف سمح لها أن تدخل المجلس التنفيذى الذي يقوم بانتخاب المدير العام، وأن تتمتع بحق التصويت أيضا، وهي تمتنع عامًا وراء عام عن دفع حصتها السنوية فى ميزانية المنظمة؟

لقد كان من الغريب ألا تعلن الولايات المتحدة عن انسحابها من اليونسكو كما فعلت قبل ذلك حين انسحبت بسبب قبول المنظمة عضوية فلسطين، وإنما ما أعلنته هذه المرة هو أنها سوف تنسحب فى نهاية العام، وهو ما يجعل إعلانها بمثابة تهديد ينفذ بعد أكثر من شهرين، ما لم تستجد في الأمور أمور، وخاصة أن هذا التهديد لم يجيء إلا بعد أن تقدمت أصوات المرشحة المصرية في انتخابات المدير العام حتى تعادلت مع أصوات المرشحة الفرنسية، بينما تقدم المرشح القطري عن كل منهما، مع أن الأزمة المالية التي تتعرض لها اليونسكو ليست جديدة، كما أن الاتهام بالانحياز ضد إسرائيل رددته الولايات المتحدة كثيرا طوال الأعوام الماضية، فلماذا جاء هذا التهديد الآن إن لم يكن بغرض لي ذراع أعضاء المنظمة وسط المعركة الانتخابية.   

وقد جاء هذا الابتزاز الأمريكي/الإسرائيلي بعد حملة خفية نفذتها دوائر الضغط اليهودية منذ تم ترشيح وزيرة ثقافة الرئيس الفرنسي السابق ذات الأصول اليهودية أودري أزولاي، لتتصدى لهذا التحيّز المزعوم ضد إسرائيل، وقاد تلك الحملة مجلس المنظمات اليهودية الفرنسية CRIF، حيث وصلت لذروتها خلال المعركة الانتخابية حين صرح مندوب إسرائيل في اليونسكو بأن العرب (مصر وقطر) يمثلون خطرًا على اليونسكو، وهو التصريح الذى سارع بسحبه لأن خطة اللوبى اليهودي هذه المرة اعتمدت السرية وليس الهجوم العلني الذي مارسوه عام ٢٠٠٩ ضد الفنان فاروق حسني.

وكانت فرنسا قد كثفت ضغوطها في اليومين الأخيرين للانتخابات بدرجة كبيرة بعد أن تجمدت أصوات المرشحة الفرنسية عند رقم ١٨ بينما ظلت أصوات المرشحين العربيين تتزايد بشكل مضطرد من جولة تصويت إلى أخرى، والذين كانوا قريبين من وفد الحملة المصرية يعرفون أن مندوب إحدى الدول الغربية اعتذر عن عدم الاستمرار في مساندة مصر حيث جاءته من بلاده تعليمات جديدة في الأيام الأخيرة للانتخابات تطالبه بالتصويت لفرنسا، وذلك على أثر اتصال تم على المستوى الرئاسى من باريس، ومن المعروف أن ال CRIF كانت قد أعلنت مساندتها للرئيس إيمانويل ماكرون وقت كان مرشحًا للرئاسة الفرنسية، وأنها طلبت منه في المقابل الالتفات لمشكلة اليونسكو التى شكى المجلس اليهودي من أنها تصدر القرار تلو الآخر ضد ما يتعرض له التراث الإنساني في الأراضى العربية المحتلة، وتغيير الطابع العربي له بعملية تهويد منظمة لم يكن لليونسكو المعنية بالتراث أن تتجاهلها، من هنا كان تمسك ماكرون بمرشحة فرانسوا أولاند التى قوبلت بعدم ارتياح من الدوائر الفرنسية ذاتها.

هذا هو بعض ما واجهته مصر فى معركة اليونسكو التى خاضتها بشرف، والتزمت فيها بالقواعد المتعارف عليها، فلم يؤخذ على أدائها ملاحظة واحدة طوال الحملة الانتخابية.

لقد تجاهلت مصر الشنط السوداء التي لاحظ عدد من أعضاء وفدنا تداولها بين بعض الأعضاء خلال المعركة الانتخابية، كما عزفت مصر عن محاولات التأثير على نتيجة الانتخابات بلي الذراع أو الابتزاز، فلكل الدول مصالح فى مصر قد تزيد أو تنقص من دولة إلى أخرى، وقد تتراوح ما بين المصالح الاقتصادية إلى تنسيق المواقف السياسية وحتى التنقيب عن الآثار، وقد كان من الممكن أن تكشر مصر عن أنيابها فى أي من هذه المجالات، لكنها فضلت أن تخوض المعركة بأسلحتها المشروعة، فركزت على كفاءة مرشحتها، وعلى أحقية مصر في المنصب برصيدها الحضارى الفريد، وعلى ما تستطيع مصر أن تقدمه للعالم من خلال اليونسكو.

وإذا كان سلاح النابالم المحرم دوليًا قد أحدث تأثيره فى حرب فيتنام، رغم خسارة أمريكا للحرب، وإذا كانت القنابل العنقودية قد أحدثت تأثيرها فى الحرب على غزة رغم خسارة إسرائيل للرأي العام العالمي، فإن الأسلحة المحرمة دوليًا أحدثت تأثيرها في الانتخابات أيضا وقد كانت الخسارة هذه المرة من نصيب منظمة اليونسكو نفسها والتي لم تعد كما كانت، فالنتيجة التي أسفرت عنها الانتخابات تنبيء بأن اليونسكو ستشهد مرحلة جديدة تمامًا في تاريخها، تختلف كثيرًا عما عرفناه طوال أكثر من ٧٠ عامًا، وهذا هو موضوع المقال القادم.  


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on