Monday,20 November, 2017
Current issue | Issue 1366, (26 October - 1 November 2017)
Monday,20 November, 2017
Issue 1366, (26 October - 1 November 2017)

Ahram Weekly

اليمن.. سراب التفاهمات وحقائق الصراع

مسار جديد للأزمة.. ومفاتيح التسوية النهائية في عهدة الرياض .. يتابعها حسام رادمان

اتجاه الأحداث السياسية في اليمن أثار توقعات بعض المراقبين بقرب حدوث انفراجة سياسية تنهي ثلاثة أعوام من الصراع العسكري ، أو على الأقل تنذر بفتح كوة جديدة قد تمهد لأي مشاورات ثنائية تفضي إلى خلق أرضية مشتركة يبنى عليها تفاهمات الحل.

المؤشرات بدت كثيرة لمن أراد التفاؤل ، أولا: الانفتاح السعودي على بغداد والذي تمم بزيارة رئيس وزراء العراق حيدر العبادي للرياض ، حيث قرأه البعض على أنها مقدمة تفاهمات سعودية إيرانية قد يعتد بها لحلحة أزمات المنطقة ، و كان حديثا مشابها لهذا قد سرى مرارًا عن لقاءات مماثلة في الكويت ومسقط ، منها ما تعلق بالشرق الأوسط ككل، ومنها ما تعلق باليمن على وجه التحديد.

وجاءت زيارة الملك سلمان إلى موسكو كخطوة إضافية تدعم هذا الاتجاه ، لاسيما وأن تلك الزيارة ترافقت مع إرسال طاقم طبي روسي  بموافقة سعودية تكفل بمهمة علاج الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح في العاصمة صنعاء ، قبل أن يخرج الأخير ليتحدث عن دعوة روسية وجهت له بغية حضور مؤتمر دولي يتعلق بمكافحة الإرهاب، وأنه يدرس فعلا خيار السفر . لذا فقد اعتبر كثير من المحللين أن هذه التحركات  لها دلالتان مهمتان : الأولى تقارب سياسي بين الرياض وصالح ، والثانية سعي روسي نحو لعب دور الوساطة بموافقة سعودية ورضا أمريكي ودفع أوربي ، وقد جاءت تصريحات السفير الأمريكي في اليمن عن ضرورة استئناف الحوار السياسي بمثابة التأكيد الذي يثبت صوابية  هذا التحليل.

والواقع أن القائلين باقتراب موعد إبرام الصفقة ، يجدون حججهم دوما في ثنايا التفاصيل اليومية وما يتفجر حولها من قنابل دخان على غرار تلك التي تفجرت حول قصة علاج صالح . أما السياق العام للأحداث ،ورغم التباسه في كثير من المحطات المهمة ، فإنه لا يشي بأي اختراق حقيقي لجدار الأزمة .

فالمعضلة اليمنية وإن تشابكت أكثر مع صراعات الإقليم ، فإنها تفعل لجهة تعميق المشكلة لكنها مازالت معزولة بدينمياتها الخاصة لجهة الحل ، أي أن نزوع المناخ الإقليمي نحو الصراع يزيد من عوامل التصدع يمنيًا ، لكن التسوية النهائية حتى الآن مازالت ملكًا لقرار الرياض بدرجة أساسية ، فهي من تملك مفاتيح الأزمة وهي من تقوى على اجتذاب كل الفاعلين المحورين (حتى أولئك الذين يختلفون معها في الأجندة والإيديلوجيا ، والذين يتهمون بعلاقتهم الوطيدة بإيران، وحدث ذلك في ظهران الجنوب مع الحوثين) ، وهي خاصية لا يمكن لأي طرف إقليمي أن يتوافر عليها في الأزمة السورية مثلا .

لذا فإن الرياض وفي حال رغبتها العملية في بلورة الحل ، لا تحتاج لأي وساطة دولية ، أو حتى إلى موازنة علاقتها الدبلوماسية ما بين موسكو وواشنطن، وهو توجه سعودي يتعلق بموقع البلاد من خارطة النفوذ في العالم وفي الشرق الأوسط ومن الخفة احتكار مفاعليه ودوافعه وإسقاطها فقط على الشأن اليمني  .. يكفي الرياض أن تنزل قليلاً من الشجرة وأن تتخلى عن هدفها في" تحرير صنعاء" ، والقضاء على تحالف الحوثي وصالح ، كي تعيد إليها جمع الفرقاء كما فعلت قبل ذلك في 2011 عند توقيع المبادرة الخليجية التي أنهت الأزمة ورتبت إجراءات نقل السلطة.

هي المناورة إذن من تحرك رسائل الغزل المتبادلة بين الرياض وصالح ، ولهذا الغزل مؤشراته التي جاءت على لسان ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" ، لكن الغاية النهائية من هذه الرسائل لا تتمثل بفتح خطوط تواصل يمكن البناء عليها مستقبلا ، بل هي تأتي بغرض تعميق الأسفين السياسي المتغلغل بين "حليفي الضرورة" في صنعاء وذلك في ظل حالة انعدام الثقة التي قادت الحوثي وصالح إلى الاصطدام في أكثر من مناسبة وبأكثر من طريقة.

تراجع فرص الحل يمكن استناجها أيضا من أداء المبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد ، والذي استأنف مجددا طوافه الدبلوماسي ، وترجح مصادر أممية أن يلتقي ولد الشيخ بمجموعة "4+1" بشأن اليمن (الإمارت والسعودية وأمريكا وبريطانيا وعمان) .

وكان المبعوث الأممي قد التقى بجميع قيادات الشرعية اليمنية  في محل إقامتهم بالرياض وعلى رأس الرئيس عبد ربه منصور هادي ، وكذلك  بوزير الخارجية السعودي عادل الجبير ، لكن ولد الشيخ وبعد أن اجتهد في مشاورات الحل السابقة ليضع تصورات عملية للحل السياسي، أخذ يناقش مُضيفيه بملفات فرعية كمبادرة الحديدة ومطار صنعاء وتبادل الأسرى وتسليم مرتبات الموظفين.

و يعجز ولد الشيخ حتى الآن عن بلورة تخريجة سياسية تلبي طموحات كل الفاعلين ، وهذا يدل على حالة الافتراق السياسي التي مازالت تتمدد يومًا بعد آخر منذ أن فشلت مشاورات الكويت قبل أكثر من عام. لكن حالة الجمود السياسي والعسكري لا  تنسحب على سيولة التحالفات والاصطفافات التي رتبتها الحرب منذ أن كانت في ذروة عنفوانها إلى أن بلغت قمة رتابتها. وهي رتابة أجبرت جميع اللاعبين على الامتثال لتكتيكات المناورة السياسية من جهة وإلى إشعال التناقضات البنية لكل جبهة سياسية من جهة أخرى.

ومع سعي كل طرف إلى تحسين وضعيته السياسية والعسكرية في فترة الركود نجد أن ثمة طبقة جديدة من الاصطفافات السياسية تنشئ تحت خارطة الصراع الرسمية المقسمة بين "الشرعية والانقلاب".

على جبهة الشرعية ، أخذت الصراعات البينية تتفجر محليًا بين قوى الحراك الجنوبي ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلنه عيدروس الزبيدي محافظ عدن السابق في شهر مايو المنصرم ، وظل الزبيدي يستكمل بنيان كيانه السياسي حتى يوم 14 من أكتوبر الذي أعلن فيه تشكيل "الجمعية التأسيسية" التي ستمثل الجهة التشريعية في المجلس الانتقالي الذي يدعي تمثيل الجنوبيين ويتبنى مطالبهم في الانفصال.

"المجلس الجنوبي" كان قد دخل حربًا مفتوحة مع جانب الشرعية ممثلة برئيس الوزراء اليمني أحمد عبيد بن دغر والذي عاد ليمارس مهامه من عدن ، لكن قيادة المجلس تتهم بن دغر بمحاولته لإعادة ما يسموه "قوات الاحتلال الشمالي" ممثلة بصالح وحزب الإصلاح.

وإن كانت هذه الاتهامات لا تستند إلى كثير من الموضوعية، فإن بن دغر يحاول بدوره أن يعدل من موازين القوى في  العاصمة المؤقتة عدن ، والتي كانت تميل لمصلحة الحراك بتشكيلاته العسكرية وغطائه الإماراتي . قبل أن تجند الحكومة اليمنية قوات ما عرف بالحرس الرئاسي ، لتعدل الكفة من حيث القوة البرية لدى كل طرف، لكن كفة الميزان العسكري تظل مائلة "للمجلس الجنوبي" بفضل سلاح الجو الإماراتي الذي يمنع الشرعية عن الإقدام على أي مغامرة في عدن. وقد تصاعدت حالة الاحتقان السياسي بين الطرفين مع زيارة عيدروس الزبيدي لمحافظات : شبوة وحضرموت والمهرة الواقعة شرق البلاد ، وإعلانه رفض مشروع الاقاليم الستة الذي يتبناه الرئيس هادي وحزب الإصلاح.

وبلغ الصدام ذروته  بسلسلة الاعتقالات التي قامت بها قوات أمن عدن لكوادر وقيادات حزب الإصلاح الإسلامي (فرع الإخوان المسلمين في اليمن )، وكان هذا الصراع قد عكس في شق كبير منه مقدار الصراع المستعر بين دولة الإمارات العربية من جهة ، وبين قطر التي ترعى حزب الإصلاح كحليف محلي لها.

من ناحية أخرى ، لم تزل التوترات السياسية بين الحوثي وصالح رغم ما بذلوه قيادتا الطرفين من وعود بالتهدئة ، وكان أحدث حلقة في مسلسل "الكباش السياسي" هو انسحاب صحفيي حزب المؤتمر من اتفاق التهدئة الإعلامي الذي أُبرم بينهم وبين الحوثيين.

وحتى الآن ينجح الحوثيون بالسيطرة والتغلغل في كل أجهزة الدولة ، واستطاعوا أن يضيقوا الخناق أمنيًا وسلطويًا على كوادر وأنصار المؤتمر الشعبي ، لكن صالح حتى الآن يتجنب أي صدام واسع لعجزه عن تحمل أكلافه ، وهو من الحين إلى الآخر يبعث برسائل مقلقة للحوثيين كتلك التي تفيد بخروجه من البلاد بغرض الضغط عليهم وإخضاعهم مجددا لأي تفاهمات تضبط شكل العلاقة غير المتزنة بين حليفي الضرورة.

في المجمل، فإن الأزمة تدخل مسارًا جديدًا ينضوي على تكتيكات جديدة للصراع وحسابات أكثر تعقيدًا لدى كل اللاعبين، وهذه التكتيكات من حيث فجائيتها و ملابساتها قد تبدو خادعة للكثيرين ، خصوصًا من يتعطشون للسلام.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on