Tuesday,21 November, 2017
Current issue | Issue 1366, (26 October - 1 November 2017)
Tuesday,21 November, 2017
Issue 1366, (26 October - 1 November 2017)

Ahram Weekly

برعاية أمريكا وصمت روسيا وتجاهل النظام السوري.. الأكراد "يحتلّون" الرقة

سيطرت ميليشيات كردية على مدينة الرقة شمال سوريا، وتبخّر فجأة مقاتلو (داعش)، واستفرد حلفاء الأمريكيين بمصير المدينة الغامض رسالة دمشق باسل العودات

في 17 أكتوبر، بعد حملة عسكرية دموية استمرت نحو أربعة أشهر، وبدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، أعلنت (قوات سوريا الديمقراطية) التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي عن سيطرتها على مدينة الرقة شمال سوريا، التي كان يُطلق عليها اسم "عاصمة التنظيم" في سوريا، وقال الأكراد إنهم "حرروا" الرقة كليًا، وطهّروها من مقاتلي التنظيم الإرهابي.

خلال الحملة العسكرية، قال الأكراد إن عددًا كبيرًا من قادة ومقاتلي التنظيم الأجانب مُحاصرون في الرقة، ويريدون التفاوض على الخروج منها دون قتال، وتناقضت الأرقام التي قالها الأكراد، فمرّة قالوا إن المقاتلين يشترطون خروجهم بـ 1200 حافلة، ومرة قالوا إنهم يريدون مئتي حافلة، وفي مرة ثالثة قالوا إنهم يحتاجون لعشرين حافلة فقط ليخرجوا من الرقة مع أسرى طلبوا أن يخرجوا معهم كدروع بشرية.

مرّت الأيام، وسيطر الأكراد على الرقة دون أن يظهر أي مقاتل من مقاتلي التنظيم الأجانب، واختفى كل أثر لهم، ولم ير أبناء المدينة المُدمّرة أياً منهم، وقال أهالي المدينة المحاصرون فيها إن الأكراد اتّخذوا من وجود مقاتلي التنظيم الأجانب حجّة لتقوم قوات التحالف الدولي بتدمير المدينة كلّيًا على رؤوس أصحابها، وهو ما حصل.

بعد "تحرير" الرقة، قامت القوات الكردية، التي تُعتبر ذراعًا سوريًا لحزب العمال الكردستاني الذي تُصنّفه تركيا تنظيمًا إرهابيًا، بتعيين مجلس محلي للمدينة، غالبيته من الأكراد، وفيه البعض من سكان المدينة من الموالين للأكراد، على الرغم من أن تواجد الأكراد في المدينة قبل الحرب السورية كان لا يزيد عن 3% من عدد سكانها، وبدأ هذا المجلس المُعيّن يتّخذ قرارات بشأن المدينة بخلوّها من سكّانها الذين فرّوا منها بمئات الآلاف، ووفق حملة (الرقة تُذبح بصمت) فإن معركة السيطرة على مدينة الرقة تسببت بمقتل 1873 شخصًا ونزوح 450 ألف شخص ودمار 90% من المدينة.

عرضت الميليشيات الكردية صورًا لاستسلام 275 عنصرًا سوريًا من تنظيم الدولة الإسلامية، لكنّ سكان المدينة المُهجّرين منها استطاعوا التعرف على غالبية المعتقلين، وأوضحوا بالاسم حالة بعضهم مؤكدين أنهم لا يمكن أن يكونوا بأي حال من الأحوال من مقاتلي التنظيم.

بعد يومين من سيطرة الأكراد على المدينة، قالت مصادر من المعارضة السورية من مدينة القامشلي إن دفعة من مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية وعائلاتهم غادروا المدينة بطائرة خاصة برفقة مسؤولين شيشان، ورفقة عضو في مجلس الاتحاد الروسي (الدوما)، زاروا جميعهم بتوقيت واحد مدينة القامشلي والتقوا بقياديين في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على رأسهم صالح مسلم.

رفض وفد من شيوخ عشائر الرقة حضورَ احتفالية الأكراد بالسيطرة على المدينة بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها، وأقيمت الاحتفالية في المدينة، وحضرها مقاتلون أكراد، غالبيتهم العظمى غير سوريين، ورفعوا صورًا لعبد الله أوجلان الزعيم الكردي - التركي، ورفعوا أعلام "كردستان"، ورايات صفراء لتنظيمات كردية، وخلت الاحتفالية نهائيًا من أية ملامح عربية، وأعلنوا أن الرقة لن تعود لسوريا إلا ضمن "لا مركزية اتحادية"، لتربط بذلك مستقبل المدينة التي حررتها من تنظيم الدولة الإسلامية بخطط الأكراد لإقامة مناطق حكم ذاتي في شمال سوريا.

إذاً، هو احتلال كردي لمدينة الرقة، برعاية ودعم ورضى أمريكي، وصمت روسي، ولا مبالاة من قبل النظام السوري، وعدم رضا من المعارضة السورية ومن تركيا.

التزمت واشنطن الصمت تجاه أداء ذراعها العسكري الكردي في عملية السيطرة في الرقة، وغضّت الطرف عن استباحة عاصر الميليشيات الكردية للمدينة، وعن قيام الأكراد بحرق سجلات الملكية، ونقل ملكيات أراضي وعقارات لأسماء كردية غير معروفة لأحد، وعن الإحداثيات المضللة التي أعطوها للأمريكيين ليقصفوا أحياء مليئة بالمدنيين ولا يوجد فيها أي مقاتل، والكذب المستمر بشأن معارك وهمية، وسرقة ممتلكات الناس، والقيام بعملية تجنيد إجباري للشباب.

غضّ الأمريكيون الطرف عن كل جرائم الحرب التي قام بها لأكراد في الرقة، فلا ضير في أن الضحايا في مدينة مثل الرقة، والمجرمين أكراد، مقابل نصر سياسي مهم لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

في الحقيقة، فإن التصريحات الأمريكية التي تُشدد على أن الولايات المتحدة لن تدعم مشروعًا انفصاليًا في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، هي مجرد تصريحات لا قيمة لها، فهي وحدها التي دعمت الأكراد لاحتلال الرقة وتهجير سكانها وإعلانهم حكمًا لا عودة عنه للمدينة، ينضم لفيدرالية يقوم الأكراد بالإعداد لها منذ ثلاث سنوات، ومنحتهم مصادر الطاقة والتمويل والحياة: آبار النفط، سد الفرات، ومحطات الطاقة الكهربائية، وحقول القمح، لكنها في نفس الوقت فتحت الباب واسعًا أمام شتاء ساخن ستشهده هذه المنطقة من سوريا.

الرقة الآن مدينة مُدمّرة بالكامل، أكوام الركام وأنقاض المنازل تبعث برسائل واضحة عن الاستراتيجية الأمريكية، وهو أن القوة الأمريكية المُدمِّرة حاضرة دائًمًا، وأن الولايات المتحدة لن تتورط برياً في سوريا مادام هناك من يمكن أن تستخدمهم كبندقية لها، مقابل أن تلعب بعواطفهم القومية، وتمنحهم مؤقتًا بعض الأذهان، وأن الولايات المتحدة أيضًا لن تنسحب من المناطق التي كان بها إرهابيون حتى لا تتكرر معها تجربة سحب قواتها من العراق في العام 2011، وهو الانسحاب الذي أدى إلى انهيار كامل في صفوف الجيش العراقي، وأدى لتورطها بريًا.

يقول المعارض السوري سعيد مقبل لـ "الأهرام ويكلي": "ثمة ثلاث حقائق أساسية اليوم، أولاها تدمير الرقة نهائيًا وتبخر مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية منها. والثانية أن الميليشيات الكردية هي قوة احتلال، واستمرارها بهذه الطريقة هو مقدمة لعودة النظام السوري للسيطرة على الرقة قريبًا. والثالثة أن الرقة لن تشهد استقرارًا في المدى المنظور، وسيكون طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها هو بداية أزمتها، ومقدمة لمواجهات كبرى بين قوى محلية وإقليمية".

للرقة أهمية رمزية واستراتيجية لكل الأطراف، فهي مهمّة بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية بسبب كونها مقرًا سابقًا لتخطيط عملياته الرئيسية، بما في ذلك الهجمات الإرهابية خارج سوريا والعراق، ولموقعها الجغرافي الذي يتيح له حرية الحركة في مختلف الاتجاهات، كما هي مهمّة للسوريين لأنها تضم أكبر وأهم سد لتوليد لكهرباء في سوريا، ومهمة للأكراد لوصل "الكانتونات" التي يريدونها لفيدراليتهم، أو لاستقلالهم المأمول، وهي مهمة للأتراك لتقطع بها حلم الأكراد بالوصول إلى المتوسط، حيث لا يوجد لكل المناطق الكردية في سوريا والعراق وتركيا أي منفذ بحري، وهي منطقة مهمة لروسيا وللنظام السوري بسبب الوجود العسكري الكثيف لهما هناك، ومهمة بالسبة للإيرانيين لأنهم يعتبرونها جزءًا من الطريق الذي يمكن أن يُكمل هلالهم الشيعي، ولأهميتها الدينية لهم. لهذا من الممكن أن تبقى المنطقة الممتدة من الرقة وحتى الحدود العراقية أرضًا لا يمتلكها أحد، وفي نفس الوقت أرضًا لصراع الجميع.

يقول مقبل: "يبدو أنها مرحلة إعادة رسم الخرائط السياسية في إقليم يعاني من ميوعة سياسية واستراتيجية، وفوضى عسكرية غير مسبوقة، والخطر الكبير سيبقى ماثلاً لزمن ليس بقليل، وثمة سلسلة من الاعتبارات الاستراتيجية التي يرتبها خروج التنظيم من الرقة، منها أين اختفى التنظيم، وأين ذهب قادته ومقاتلوه، وما هو مصير مئات الآلاف من السكان، ومن سيقوم بإعادة تأهيل مدينتهم، وكيف يمكن للحكومة المركزية بدمشق أن تتحكم بهذه المنطقة الحرجة، وهل سيتعامل الأكراد مع النظام، وبحال تعاملوا هل ستبدأ حرب مفتوحة بينهم وبين المعارضة، وهل سيبقى تقاسم الأدوار الناعم بين الروس والأمريكيين، وهل سترضى إيران وتركيا بحصصها المعدومة تقريبًا، كلها أسئلة تؤكد انفتاح المنطقة على صراعات أعنف وأغرب".

وفي خضم هذه الفوضى، يُطالب المجتمع الدولي النظام السوري والميليشيات الكردية وجميع الجهات الفاعلة الأخرى على الأرض السورية بالسماح للمنظمات الإنسانية الدولية، وتسهيل عملها في مساعدة مئات الآلاف من النازحين داخليًا في مدينة الرقة، وضمان وصول الإغاثة الإنسانية إلى المحتاجين، والكشف عن مصير الآلاف من المختفين في سجون التنظيم في الرقة اختفوا هم بدورهم فجأة، وتقديم دعم مادي أكبر للحملات الإنسانية لهذه المدينة المدمرة.

فيما تُطالب المعارضة السورية بإنهاء "الاحتلال" الكردي لها، وتغليب الطابع العربي في معادلة الرقة، كي لا تخضع المحافظة لتأثيرات إثنية قد تفجر الوضع المحلي وتحوّله إلى حرب أهلية، وأملهم أن تكون الزيارة التي قام بها وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج ثائر السبهان للرقة بعد طرد تنظيم الدولة الإسلامية منها برفقة مسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى، مقدّمة لنقل المدينة لمظلة عربية.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on