Friday,24 November, 2017
Current issue | Issue 1367, (2 - 8 November 2017)
Friday,24 November, 2017
Issue 1367, (2 - 8 November 2017)

Ahram Weekly

مرحلة جديدة في تاريخ اليونسكو

محمد سلماوي يكتب: عن إسرائيل وأمريكا وموقف العرب بعد فوز أزولاي

Al-Ahram Weekly

بوصول الفرنسية اليهودية ذات الأصول المغربية أودري أزولاي إلى موقع المدير العام لليونسكو، تبدأ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة مرحلة جديدة تماما في تاريخها قد لا تمت بصلة لسنواتها السبعين السابقة والتي كانت خلالها الصوت الوحيد بين المنظمات الدولية المعبر عن العالم الثالث وسط سيطرة الدول الكبرى على الأمم المتحدة فى نيويورك وباقى منظماتها الموزعة فى العالم.

ففى مجلس الأمن على سبيل المثال تتمتع الدول الخمس الكبرى دائمة العضوية بحق الاعتراض "الفيتو" الذي يسمح لها بوقف أي قرار لا يروق لها، بينما فى الجمعية العامة حيث لا وجود للاعتراض، هناك متسع لبقية دول العالم للتعبير عن مواقفها بحكم الأغلبية التى تتمتع بها، لكن قرارات الجمعية العامة غير ملزمة، وربما كانت القرارات الخاصة بفلسطين هى خير مثال على ذلك، حيث أصدرت الجمعية العامة عشرات القرارات الكفيلة بايجاد التسوية المنشودة للقضية، بل وللصراع العربى الإسرائيلى ككل، لكن أيًا منها لم يطبق.

أما فى اليونسكو فالوضع يختلف تمامًا حيث جميع الدول متساوية في أصواتها، صحيح أن هناك مجلسًا تنفيذيًا يسير أمور المنظمة، لكن أحدًا من أعضائه لا يتمتع بحق الاعتراض الذي يوقف قرارات الأغلبية، كما أن أعضاءه يصل عددهم إلى ٥٨ عضوا من بين أعضاء اليونسكو البالغ عددهم ١٩٥دولة، من هنا كانت اليونسكو منذ إنشائها عام ١٩٤٥ أكثر قدرة على التعبير عن صوت العالم الثالث من منظمات الأمم المتحدة الأخرى.

لقد ظل هذا الوضع مقبولا من جميع الدول الأعضاء حتى سنوات ليست ببعيدة، وهكذا وجدنا دول العالم الثالث تنجح ليس فقط فى إصدار القرارات التى تريدها، وانما أيضا في الوصول بمن يمثلها إلى موقع المدير العام، وهو ما حدث مع السنغالي مختار إمبو الذى تولى رئاسة اليونسكو من عام ١٩٧٤ حتى عام ١٩٨٧، ورغم المعارضة التى لاقاها إمبو من الدول الغربية فقد نجح فى أن يترك وراءه سجلا مشرفا لجميع دول العالم الثالث .

أما فى العقدين الأخيرين فقد بدأت المواجهة تشتد بين الرأى العام السائد داخل المنظمة وإسرائيل نتيجة لعمليات العبث بالتراث العربي فى الأراضى المحتلة وعملية التهويد التي تجرى على قدم وساق فى تلك الأراضى وخاصة فى القدس المحتلة وفى الخليل حيث يتم بناء المستوطنات على أنقاض المبان الفلسطينية القديمة، حتى صار كل التراث القديم لتلك الأراضى التاريخية مهددًا بالاندثار، ولما كان الحفاظ على التراث من أهم القضايا التى تعنى بها اليونسكو فلم يكن من الطبيعى أن يتم السكوت على تلك العمليات التى يجرمها القانون.

ولقد نتج عن تلك المواجهة بين اليونسكو وإسرائيل ثلاثة أشياء:

أولا: العداء شبه المستحكم بين إسرائيل واليونسكو وقد شاهدت بنفسى المندوب الإسرائيلى كارمل شاما-هاكوهين وهو يخاطب أعضاء المجلس التنفيذي فى يوليو الماضى قائلا لهم إنه سيغادر القاعة ليذهب لموعد مع "السباك" الذى سيصلح له دورة المياه لأن ذلك أهم عنده من متابعة القرارات التى يصدرها مجلسهم، وقد اعترف هاكوهين بعد ذلك للإذاعة الإسرائيلية بعدم وجود مثل هذا الموعد، وبأنه فقط أراد أن يعبر للأعضاء عن احتقاره لقراراتهم (!)، وكان المجلس قد أصدر قرارًا فى تلك الجلسة حول التراث الفلسطينى فى الخليل وبحماية المسجد الإبراهيمي من الانتهاكات الإسرائيلية.

ثانيا: اتساع المواجهة لتشمل الولايات المتحدة التي أصبحت بالتبعية تشارك إسرائيل عداءها لليونسكو وتردد نفس اتهاماتها للمنظمة، حتى أنها كانت الدولة الوحيدة التى انسحبت من عضوية المنظمة بسبب منحها العضوية لفلسطين عام ٢٠١١ وامتنعت عن دفع حصتها السنوية منذ ذلك التاريخ والتى كانت تمثل ٢٥٪ من ميزانيتها، ثم عادت بعد ذلك للمنظمة دون أن تسدد ما عليها حتى وصلت مستحقاتها لليونسكو إلى ما يزيد على نصف مليار دولار، وقد دأبت الولايات المتحدة وصف اليونسكو فى السنوات الأخيرة بأنها "منحازة ضد إسرائيل"

ثالثا: أنه أصبح من غير المقبول أن يترك منصب مدير عام اليونسكو لمرشح عربى أيًا كانت جنسيته، وقد شاهدنا على مدى السنوات الماضية كيف تم التصدي للمرشحين العرب من جميع الجنسيات بلا استثناء، وقد كان من بينهم ثلاثة مصريين وسعودي وقطري وجزائري، بالإضافة لمن خرجوا من السباق مبكرا وكان من بينهم المغربية والعراقي واللبنانية، وكانت إسرائيل دائما هي رأس الحربة في تلك المحاولات تدعمها الولايات المتحدة، وكان ذلك واضحا كل الوضوح فى معركة ٢٠٠٩ ضد الفنان فاروق حسنى، لكنه لم يكن خفيا على من تابعوا معركة هذا العام التى كان واضحا فيها للجميع أن إسرائيل والولايات المتحدة واللوبي اليهودي قد ساندوا المرشحة الفرنسية اليهودية أودري أزولاي بكل قوة للحيلولة دون وصول العرب لموقع المدير العام، ولم يكن الإعلان الأمريكي الذى تبعه إعلان مماثل من إسرائيل بالانسحاب من اليونسكو إلا وسيلة للضغط على الأعضاء قبيل الجولات الأخيرة للتصويت والتي تنافست فيها أزولاي ضد المرشحين العربيين، ويلاحظ أن الولايات المتحدة لم تعلن انسحابها الفعلي من المنظمة، وانما أعلنت أنها سوف تنسحب في نهاية العام، وقد أعربت السفيرة مشيرة خطاب للمرشحة الفرنسية بعد فوزها، بذكاء لا يخلو من بعض الخبث، عن ثقتها فى أن أزولاي ستتمكن من الحيلولة دون انسحاب أى من الدولتين.   

لقد اتفق الأعضاء العرب داخل اليونسكو فى الدورة الأخيرة على تأجيل طرح مشروعات القرارات التى كانت معدة حول فلسطين حتى لا تؤثر بشكل أو بآخر على سير العملية الانتخابية، وما لفت نظرى فى ذلك كان تعقيب المندوب الإسرائيلى الذى تحدث بلغة أخرى تماما هذه المرة وقد كانت المرشحة الفرنسية قاب قوسين من الفوز، حيث قال: إننا مقبلون فى اليونسكو على مرحلة جديدة تماما سيتم فيها تنحية السياسة جانبا، ولن تعبر القرارات بعد اليوم عن الانحيازات ضد أى من الدول الأعضاء، وهو ما ردده بنفس الكلمات تقريبا زميله المندوب الإسرائيلى فى الأمم المتحدة بنيويورك دانى دانون بعد إعلان نتيجة انتخابات اليونسكو.

والسؤال الآن هو ماذا سيكون موقف العرب من ذلك وقد منح البعض منهم صوته لمرشحة تلك المرحلة الجديدة فى تاريخ اليونسكو؟!


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on