Monday,20 November, 2017
Current issue | Issue 1368, (9 - 15 November 2017)
Monday,20 November, 2017
Issue 1368, (9 - 15 November 2017)

Ahram Weekly

خطاب ديني جديد

هناك حاجة إلي خطاب ديني جديد لإستعادة المعنى الأصلي للإسلام والدور الفردى والإجتماعي، كما يكتبها عمار على حسن

خطاب ديني جديد

هناك من يتعجب من عنوان بهذا الوضوح، ويسأل بعينين متسعتين دهشة: وهل الإسلام يحتاج إلى إصلاح؟ ولو أن ذلك السائل المندهش أتعب نفسه في التفكير والبحث والقراءة في كتب التاريخ  والفقه والتفسير والاجتماع الديني وقبل ذلك في الأديان المقارنة لاكتشف أن الإسلام تم اختطافه، وما لدينا منه لم يعد على حاله الذي تركه الرسول عليه الصلاة والسلام، وتحول جوهره القائم على قيمتين مركزيتين هما: التوحيد والرحمة، إلى أشكال أخرى من الأيديولوجيات والأساطير والفلكور والتجارة والعصاب النفسي، واستعملته أو وظفته مؤسسات وأفراد على مدار التاريخ، حتى لم نعد نراه، من الحمولات الثقيلة التي تراكمت عليه، وطمرت الينابيع الكبرى منه، أو أتت على طبيعته وجوهره، مثلما سبق أن جرى لمختلف الأديان، ومن ثم فإنه يحتاج إلى إصلاح.

سيقول "السلفيون" نحن الأولى بهذا، لأننا نطلب العودة إلى الأصول، لكن رأي هؤلاء يفتقد تماما إلى المنهج العلمي الذي يبحث عن الحقيقة لا مجرد "الدليل الشرعي" المستمد من النص وتأويله والتاريخ ووقائعه. فما تم تدوينه في القرن اللاحق على وفاة الرسول الكريم لا يمكن أن يكون هو ما جرى بدقة، بل أضيف إليه الكثير مما أنتجته المخيلات ومقتضيات المصالح وتطور المجتمعات وتنوعها وتعدد الأفهام والرغائب. كما أن المنهج الذي يتبعه هؤلاء للوصول إلى المنبع هو صناعة بشرية تتلاحق فيه سلسلة متقطعة عبر تاريخ المسلمين (ابن حنبل ـ ابن تيمية ـ ابن عبد الوهاب) وبينهم الكثير من التلاميذ والأتباع. ولو أن السلفيين يعترفون بأنهم مجرد اجتهاد أو تصور في الإسلام لهان الأمر، لكن من أسف فهم يتوهمون أنهم "صحيح الدين"، وتفعل مثلهم الكثير من الفرق والجماعات والتنظيمات التي اشتغلت بالدين أكثر مما تنشغل به، وحولته إلى مادة استعمالية لتحقيق أهداف وغايات أبعد من تكون عن الدور الذي ينتظره الناس من الدين، بل ما يرجونه من الله سبحانه وتعالى، وهو الامتلاء الروحي والسمو الأخلاقي وإعلاء قيم الرحمة والحرية والمساواة والكرامة والسعادة والخيرية.

ويقول كثيرون إن كل شيء في القرآن الكريم، فهو "النص المؤسس" للإسلام، وما دام بين أيدينا فبوسعنا أن نعود إلى أصل الدين الذي أُنزل على محمد (ص). وينسى هؤلاء أربعة أمور، الأول أن القرآن تم نسيانه مع الأيام، فأصبح كتابا يُقرأ للتبرك به، أكثر مما يتم تدبر ما فيه وفهمه على نحو عادل دقيق، وإعمال مناهج العلم الحيدث في الاقتراب منه. وحلت محل القرآن، وإن كان أغلبنا لا يدرون، نصوص أخرى بشرية، أصبحت هي التي تفسره، وتوضح معانيه ومراميه، وبالتتابع تراكمت عليه وغطته، فصرنا لا نراه. والثاني هو أن القرآن طالما يُقرأ مجتزأ ، بما يُغيِّب حضوره الحقيقي والطبيعي في حياتنا، ويجعله مناطا للتلاعب من قبل المتطرفين والمغرضين، فسيتخدمونه بما يبرر سلوكهم المعوج، ويلبي احتياجاتهم حتى لو عارضت جوهر الدين، ويحقق منافعهم مهما كان بها من شر. ومع أننا نقول في حياتنا السياسية والقانونية إن "الدستور" لا يقرأ إلا كوحدة عضوية، لأن كل مواده يفسر بعضها بعضا، وكذلك النص الأدبي، يُفهم جزءه في إطار كله، فإن كثيرا ممن يتعاملون مع القرآن لا يدركون هذا، ويأخذون آيات فرادى، ويطبقونها على وقائع بعينها، زاعمين أن هذا هو موقف الله الذي أنزل القرآن. والثالث أن القرآن تفاعل بمرور الزمن مع حياة المسلمين، وبعضهم استغله بدءا من واقعة التحكيم بين علي ومعاوية وانتهاء بما تسلكه الجماعات المتطرفة في زماننا. والرابع أن القرآن لا يترك حرا، ليفهمه الناس على أنه نص مفارق لزمانه ومكانه، بل هناك من يتمسك بأسباب نزوله فيقضي بتاريخيته، ومن ثم انقضائه. وهناك من يزعم دوما أنه هو من يفهم مقصده، ومثل هؤلاء طالما أساءوا إليه حين تمسكوا بحرفيته، وغنائيته، فانشغلوا بهامشه عن متنه، وبمظهره عن مخبره.

 لكل هذا فإن ما نحتاجه الآن هو "إصلاح ديني"،  يجعلنا نمتلك "خطاب ديني جديد" وليس مجرد الاكتفاء بالحديث عن "تجديد الخطاب الديني"، الذي لا يتعدى طلاء جديدا لجدار قديم متهالك، يريد أن ينقض. والتذرع بأن الإصلاح الديني يخص المسيحية الغربية فقط وليس الإسلام أمر يدعو إلى السخرية، فبعض التصورات والمؤسسات الدينية الإسلامية باتت تلعب الدور المعوق نفسه الذي كان يلعبه الدين في أوروبا، وعلماء الدين في بلاد المسلمين يقولون ليل نهار إنه لا كهنوت في الإسلام، لكنهم في تصرفاتهم وتصوراتهم ودفاعهم عن مصالحهم الذاتية بدعوى أنها الدين يتحولون إلى كهنوت بشكل صارخ. وهناك رؤى فقهية وتفسيرات وأحاديث منسوبة للرسول، عليه الصلاة والسلام، وتواريخ وسير من العهد الأول تحتاج إلى مراجعة شاملة، كذلك نحتاج إلى الإجابة على السؤال المهم حول ما إذا كان القرآن نصا أم خطابا.

وكما سبق الذكر لا مجال للحديث عن إصلاح ديني دون خمسة شروط أولها أن نقر بأن الإيمان مسألة فردية، لا دخل لأحد فيها سواء كان عالم دين أم غيره، وأن نعتبر العقل مكمل لمسار الوحي وليس خصيما له ولا نكتفي بمجرد التلفيق بين الأول والثاني، كما يفعل الوعاظ حاليا، وأن نلتفت إلى الجوانب الأخلاقية ونراها هي جوهر الدين وليست الطقوس، ونهتم بالإصلاح الاجتماعي وأن يكون الدين رافعة له وليس خصما منه، وأن نميز بشكل واضح لا لبس فيه بين الدين والسلطة السياسية التي يجب أن تكون مدنية، والسيادة فيها للناس، والتشريعات للمؤسسات التي يختارونها.


خطاب ديني جديد

ومن يطالع تفكير وتدبير الجماعات الدينية السياسية قد يستقر في يقينه أن "الإصلاح الديني" بات أمرا ضروريا كي يكون مستقبل العرب والمسلمين مختلفا. فكثير من المشكلات التي تعترض طريق التقدم، والأزمات التي تنشب بين حين وآخر، سياسية كانت أو فكرية، سببها أنه يوجد طيلة الوقت من يستدعي الماضي إلى الحاضر، ليس للاستفادة واتخاذ العبر أو تلمس طريق الأصالة إنما لإزاحة الراهن تماما، وكأنه دنس ورجس ومتخلف ومتوقف، لحساب ما جرى في القرون الغابرة باعتباره بالضرورة مقدس وطهور ومتقدم ومنطلق، وهذا التصور يغفل تماما أن للقدماء أخطاءهم الشديدة، التي سجلها المؤرخون الثقات.

و"الإصلاح الديني" في هذا المقام لا يعني بالطبع تعديل الدين ولا تبديله، لكنه يعني إعادة التفكير في الأنماط الفاسدة من "التدين" التي تحول الدين إلى أيديولوجيا أو فلكلور أو تجارة أو عصاب نفسي أو أساطير،وتغربل في الوقت نفسه الكثير من "علوم الدين" التي تستعين، اقتباسا واقتطافا وإحالة واستعادة، لكتب السابقين من الفقهاء أو الرواة، وإضفاء قداسة عليها.

 وبالنسبة للجماعات الدينية السياسية والدعوية أيضا فإنها لن تطور أفكارها وتصوراتها إلا إذا نظرت بجدية وتجرد وعلمية في أمور أربعة هي:

1 ـ وضع حد فاصل بين الوحي والتاريخ، فالأول أصل يُبني عليه، والثاني تجربة يمكن الاعتبار بها، دون أن تكون قاعدة للقياس أو معيارا للحكم على الأفعال والتصرفات والآراء اللاحقة، ودون أن تمنح أي قدر من القداسة لأي سبب أو ذريعة.

2 ـ وضع حد فاصل بين النص والخطاب، أي بين القرآن كنص محكم نهائي واحد، وبين أي من الروايات المتعددة القابلة للمراجعة والغربلة أو الآراء الفقهية التي هي إنتاج بشري تجب مراجعته ونقده باستمرار.

3 ـ وضع حد فاصل بين المبادئ أو القيم العامة والأساسية التي حددها الإسلام وبين وسائل التجسيد الاجتماعي والتاريخي لها، بحيث يصبح الباب مفتوحا على مصراعيه أمام تجديد الوسائل من دون جور على المباديء أو تحريف لها، ولا يتم الاقتصار على وسائل ثابتة والتجمد عندها، فبعضها إن كان قد ثبت جدواه في الماضي، وأفلح في الوصول إلى الأهداف والغايات المرجوة، فقد لا يكون صالحا لزماننا هذا.

4 ـ وضع حد فاصل بين مكانة الرموز الدينية التاريخية، حتى لو كانوا من الصحابة، وبين قدسية المبادئ التي أقرها الإسلام. فالشخص يستمد مكانته من الالتزام بالمبدأ والعمل على خدمته، فإن انحرف عن هذا فقد مكانته. والإسلام لا يجعل لشخص حجة عليه، إنما هو حجة على الجميع. والرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.

ومن حيث المبدأ يتحدث أتباع هذه الجماعات بطريقة تبين أنهم لا يخاصمون هذه الحدود الأربعة تماما، وأنهم حريصون على البحث عن "النابع" أو الأصل وليس "الوافد" أو الدخيل، لكنهم حين يشرعون في ترجمة هذا التصور في خطاب، أو محاولة تطبقيه في الواقع المعيش، يقعون في أخطاء فادحة، سواء من حيث خلط "الإلهي" بــــ "البشري" وتماهي "النص" مع "الخطاب" وإنكار اختلاف السياق الاجتماعي بما فيه من مشكلات وتحديات عن تلك التي واجهها الأقدمون.

  وهناك تجمعات دينية متزمتة ومتطرفة بدأت تطرح تساؤلات حول بعض هذه الإشكالات لاسيما في ظل حالة الانكشاف الفاضح لها في البلدان العربية التي تقدموا فيها خطوات واسعة نحو السلطة السياسية. فهؤلاء حين عرضوا التصورات الراكدة في أذهانهم على الواقع المعقد، متوهمين أن بوسعها أن تذلل الصعب وتيسر العسير وتقدم إجابات شافية وكافية على الأسئلة المتجددة، فشلوا بشكل واضح وفاضح، وبدأ بعضهم يعطي "مصالح" الناس وزنها الذي تستحقه، ويوسع باب الاجتهاد حتى يلحق بها.

لكن سيظل دوما من يرفض التغيير، وينعت كل من تغير نحو الأفضل بأنه فرط في الشرع أو ابتدع في الدين وجدف به، وسيجد من ينصت إليه في إعجاب وولع ويتبع خطاه في صمت وعَمَى، لتبدأ حلقة جديدة من مسلسل السلفية، فتبرق عقب خفوت، وتتمدد بعد انكماش، وتهز قلوب كل الذين يعتقدون أنها "الحل السحري" لمشكلات الواقع وأزماته التي لا تكف عن التجدد والتعقد والتوحش.

وبشكل أكثر تفصيلا وتحديدا، لا يمكن أن نسير ولو خطوات قليلة نحو التنوير من دون أن نقر بخمسة أمور أساسية يمكن طرحها وشرحها على النحو التالي:

أ ـ الإيمان مسألة فردية: وهذا يعني عدم وجود أي وسيط بين العبد وربه، وألا يحق لأحد أن يحكم على إيمان أحد، أو يتحكم فيه، أو يتدخل من أجل تحديده إلا بتذكير ووعظ لا تتبعه وصاية ولا سيطرة ولا إجبار لإنسان على إعلان الإيمان. وهذا التصور فضلا عن أنه يتطابق مع مضمون "النص القرآني" فإنه يتوافق مع العقل الطبيعي، وأي تصرف عكس هذا يفسد حقيقة الإيمان، ويحول الدين إلى مصدر للشقاء، وينشر النفاق، ويفتح بابا لقلة أن ترتزق أو تحوز مكانة أو تنحت لنفسها دورا حياتيا عبر استغلال الدين استغلالا بشعا.

لقد قال الله سبحانه وتعالى مخاطبا الرسول محمد عليه الصلاة والسلام عبر القرآن الكريم: "فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر" وبذا حدد مهمة النبوة في الإبلاغ، وليس بفرض الإيمان، لكن ظهرت مع السنين جماعات أو أفراد تريد فرض الإيمان، أو تقوم بجمعنته وربطه بالإكراه، باسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" مع أن الأمر والنهي يقف عند حدود الإبلاغ أو التذكير والدعوة، وليس إجبار الناس على مسار معين، قد يختلقه بشر أو يخلطوه بما طلبه الوحي وذلك عبر التفسير والتأويل والروايات التاريخية والقواعد والطقوس التي يضعونها، ثم يطلبون من الناس أن يتبعوهم وإلا خرجوا من دائرة الإيمان، واستباح المتطرفون دماءهم وأموالهم وأعراضهم.

في الوقت نفسه يجب الانتقال من الإيمان الأعمى إلى الإيمان كرهان، أي الإيمان القائم على الفهم والوعي والاختيار، وليس ذلك الذي يكتسبه الإنسان ممن سبقوه ويتعامل معه باعتباره أمرا مسلما به، دون تفكير أو تدبر.

ب ـ العقل يكمل مسيرة الوحي: فالأطروحات الدينية التقليدية تتعامل مع العقل إما بوصفه خصما للوحي، أو ساعيا إلى الافتئات والجور عليه، أو تنظر إليه بوصفه قاصرا عن فهم الوحي، أو ليس عليه سوى أن يتبع ما أوحى به كالأعمى، مرة تحت لافتة "لا اجتهاد مع نص صريح" خاصة إن كان هذا النص "قطعي الثبوت وقطعي الدلالة" حسب التصنيف المعروف، ومرة تحت تصور أن الأولين كانوا أكثر فهما للدين من الآخرين.

هنا يمكن القول إن مصدر العلم والمعرفة بالنسبة للإنسان هو الله سبحانه وتعالى بما يوحيه للرسل ويطلب إليهم أن يبلغوه البشر، والعقل البشري، الذي ينظر ويفكر ويتدبر في الكون بمن فيه وما فيه . وإذا كان حديثنا يدور حول الحقيقة العلمية بمعنى الحقيقة الدينية التي أساسها الوحي، فإن ذلك لا يعني أن الحقيقة العلمية الأخرى التي أساسها العقل البشري، تقع خارج نطاق هذا الحديث الذي يتناول بالدرس والبحث المفاهيم القرآنية.

يبقى الوحي حسب هذه الرؤية هو مصدر أساسي لمعرفتنا عن الله والكون والخلق وكثير مما يقع حولنا في الطبيعة، لكن هذا لا يمنع من أن تكون هذا المعرفة متاحة أمام العقل ليفكر فيها، وفي الوقت نفسه لا يوجد ما يمنع العقل من أن يفكر في أشياء أخرى بعيدة عن هذا، تفرضها التطورات التي تشهدها الحياة الإنسانية.

لكن بوسعنا أن نأخذ هذه المسألة خطوات أبعد حين نربط إصلاح الإسلام بالعقلانية، ليبقى الهدف من إصلاح الإسلام هو جعل الإسلام المعاصر يتبني العقلانية الدينية الإسلامية، لأنه بها سيقف على قدم المساواة مع جميع الديانات الأخرى، التوحيدية والوثنية، التي تبنت العقلانية الدينية، قاطعة مع إيمان العجائز المطلق الساذج.

ويحدد الأخضر هذه "العقلانية الدينية" في قبول مؤسسات وعلوم وقيم العالم المعاصر، والإيمان الجازم بحقوق الإنسان، والتخلص من الشلل النفسي الملازم للسير الأعمى وراء الأسلاف، واتباع طريقتهم في التفكير والتدين، رغم اختلاف ظروف زماننا عن زمانهم، وكثير من الأسئلة المطروحة علينا الآن عن تلك التي كانت مطروحة عليهم.

ج ـ الوعي الأخلاقي، والذي تعاني الرؤى الدينية المطروحة من فقر شديد فيه، رغم أن الانشغال به، والسؤال عنه، قديم في الثقافة العربية الإسلامية. فما جرى من غلبة الفقه على الفلسفة، والشريعة على الأخلاق والضمير الإنساني المستقل، والتدين على الدين، لم تسعف في انبثاق علم أخلاق إسلامي يتصف بالانضباط والاتساق الذاتي، وقابلية التعميم.

فغياب الجانب الأخلاقي، المرتبط إلى حد عميق وبعيد بالروحانيات ويقظة الضمير، حول العبادات إلى مجموعة من الطقوس الجوفاء، وجعل المعاملات تقوم على النفعية سواء بتحصيل مكاسب دنيوية عاجلة أو السعي إلى الفوز بمكاسب آخروية آجلة عبر جمع الحسنات في عملية حسابية جافة، يظن صاحبها أن بوسعه أن يربح إن تعامل مع عدل الله وليس رحمته وفضله، تطبيقا لفقه وتفاسير تتحدث له في هذا الاتجاه الذي يميل إلى ظاهر النصوص.

 بطيعة الحال لا يكتمل جهد أو مشروع للنهضة والتنوير والإصلاح الديني في المنطقة العربية والعالم الإسلامي عموما من دون الاشتغال المضني على فكرة إصلاح المثل والقيم الدينية، وتقديم جهود نظرية وفلسفية متماسكة علميا في ما يخص طبيعة العلاقة بين الدين والأخلاق.

وبالتالي فإن من يرومون الإصلاح الديني عليهم أن يسعوا إلى بناء أخلاقية منفتحة تقوم على قيم الحرية والعقلانية والمساواة بين الناس على اختلافهم في أشياء كثيرة، وبلورة رؤية تثق أكثر بالإنسان، ولا ترضخ للتصورات والعطاءات الفقهية الجامدة والمغلقة، والتأويلات القانطة والمزعزعة حيال الإنسان، وتعترف بوجود أطروحات أخلاقية غير دينية، تنبع من الموروث الشعبي، حيث الحكم والأمثال والحكايات، ومن مختلف الفلسفات والتأملات والآداب والفنون ... الخ.

 على وجه العموم، يوجد نظريا في الحقل الديني نمطان للتغيير على الأقل، الأول هو يقوم بها الأنبياء، بوصفهم شخصيات ملهمة، يعملون على تغيير الأخلاق العامة بما يقود إلى الإصلاح الاجتماعي، والثاني حركات اجتماعية تلتف حول أقطاب أو قادة روحيين يركزون على إطلاق ثورة روحية. وكلا الأمرين الأخلاق والروح هما ما ينقصان "التجربة الدينية" للمتزمتين والمتنطعين الذين يتعاملون مع القشور والمظاهر ويبحثون في الدين عما يبرر لهم سلوكهم المعوج، بعيدا عن "استفتاء القلوب" أو "مراجعة الضمائر" أو فهم "مقاصد الأديان".

وحتى لا يكون هذا مجرد أمنيات أو ينبغيات لا بد من تحديد مسالك حيال تحقيق هذا التصور للإيمان، وإعمال العقل، والالتفات إلى الأخلاق، بحيث ينتقل من صفحات الكتب أو قاعات الأكاديميين وحلقات المثقفين الضيقة إلى رحاب المجتمع، عبر التعليم ومنهاجه، والتثقيف وأدواته، والإعلام وقنواته الاتصالية، ومؤسسات المجتمع المدني ومشروعاتها.

4 ـ التمييز بين الدين والسلطة السياسية: فالربط بينهما حول الدين إلى أيديولوجيا أو إطار يبشر بالسلطة باعتبارها غاية، أو يبرر لها مسلكها بعد تحصيلها وحيازتها، أو يجند لها الأنصار والأتباع ليقوي شوكتها، ويسعى إلى تثبيت أركانها بتحريم الخروج عليها، أو يرد عنها معارضيها بتكفيرهم وتجهيلهم ( من الجاهلية) ونعتهم بالبغي.

وخبرة التاريخ تبين لنا أن السعي إلى السلطة السياسية كان الخنجر المسموم الذي طعن كل الأديان، من دون استثناء، ولذا فإن مصلحة الدين تقتضي التمييز بينه وبينها قبل مصلحة الساسة، وكل من يطرح الدين باعتباره مشروعا للسلطة، أو يتذرع بأن الوصول إلى السلطة ضروري لحراسة الدين ونشره، هو في حقيقة الأمر يتلاعب بالدين، ويوظفه بلا ورع ولا تحسب في سبيل منفعة دنيوية، طالما ارتبطت بالمخاتلة والزيف واالخداع والمكر والمراوغة.

ولعل "الآداب السلطانية" تقدم برهانا عمليا ناصعا على الفساد والإفساد الذي أحدثه خلط الدين بالسلطة السياسية في تاريخ المسلمين. والأداب السلطانية هي تلك الكتابات السياسية التي تزامن ظهورها الجنيني مع ما يدعوه الجميع بانقلاب الخلافة إلى ملك، وكانت في جزء كبير منها نقلا واقتباسا من التراث السياسي الفارسي، واستعانة به في تدبير أمور الدولة الإسلامية الوليدة، وهي كتابات تقوم في أساسها على مبدأ نصيحة أولى الأمر في تسيير شؤون سلطتهم، إذ تتضمن كل موادها مجموعة هائلة من النصائح الأخلاقية والقواعد السلوكية الواجب على الحاكم اتباعها، بدءا مما يجب أن يكون عليه في شخصه إلى طرق التعامل مع رعيته مرورا بكيفية اختيار خدامه واختبارهم، وسلوكه مع أعدائه. وفي عرضها لنصائحها الهادفة إلى تقوية السلطة ودوام الملك، تتبع هذه الآداب منهجية، أو لنقل تصورا عمليا براجماتيا يجعل منها في النهاية فكرا سياسيا أداتيا لا يطمح إلى التنظير بقدر ما يعتمد على التجربة، ولا يتوق إلى الشمولية بقدر ما يلزم حدود الواقع السلطاني. 

في حقيقة الأمر فإن كثيرا من الفقهاء ومنتجي الخطاب الديني انخرطوا في صناعة آراء وأفكار تحت مسار "الآداب السلطانية" استهدفت في أكثرها إطالة أمد بقاء الحاكم في عرشه أكثر مما رمت إلى إقامة العدل في الرعية. والأشد وطأة في هذا المضمار أن تبرير هذا الهدف جاء من باب ديني، انفتح على استغلال علوم الإسلام ونصوصه في تحقيق مصلحة السلطة السياسية،  وهذه العملية أضرت ضررا بالغا بالمسلمين، ولا يزالون يدفعون أثمانها حتى أيامنا تلك، وربما في المستقبل، ولذا لا بد من إنهاء هذه العملة في ركاب التنوير، فوحده القادر على وضع حد لها، بعد طول انتظار من قبل الحكماء والعارفين والساعين إلى تحسين شروط الحياة.

وإذا كانت الجماعات الدينية السياسية تحتج في تبرير مشروعها السياسي بأن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قد مارس السياسة، وتصرف كرئيس دولة، فإن مراجعة التجربة النبوية بعلم ووعي تفند هذا التصور، فقد وقع تلازم بين الديني والسياسي في التجربة النبوية، ولكن ليس بالمعنى الذي فهمه حسن البنا ودافع عنه. لم تكن السياسة منفصلة عن الدين في المشروع النبوي، لكنها، في الوقت نفسه، لم تكن محكومة به أو مجرد فرع من فروعه.

ويذهب علي عبد الرازق إلى ما هو أبعد من هذا حين يتساءل في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي لا يزال يثير جدلا عميقا: "كم من ملك ليس نبيا ولا رسولا؟ وكم لله جل شأنه من رسل لو يكونوا ملوكا بل إن أكثر من عرفنا من الرسل إنما كانوا رسلا فحسب؟ ... محمد ما كان إلا رسولا لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ملك ولا حكومة، وأنه صلى الله وسلم لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذي يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها ما كان إلا رسولا كإخوانه الخالين من الرسل. وما كان ملكا ولا مؤسس دولة، ولا داعيا إلى ملك ... القرآن صريح في أن محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن له من الحق على أمته غير حق الرسالة ".

ويقود ربط الإسلام بالسلطة السياسية إلى إنتاج "الدولة الدينية"، وهي مصطلح يثير مخاوف في الفكر السياسي المعاصر، نظرا لأنه يعطي الدولة احتكار تفسير النص الديني، مما يجعلها مالكة للسلطة الإلهية الكامنة في هذا النص، وهي سلطة مطلقة بطبيعتها، ومحصنة بعقوبات تصل إلى حد الموت .. وبذا تكون الدولة قد جمعت في قبضتها بين السلطتين: السلطة الطبيعية للدولة في ذاتها، وسلطة التفويض الضمني السماوية.

وحين نتعرض لطبيعة دور الرسول صلى الله عليه وسلم علينا أن نفرق بين "القيادة" و"الرئاسة" فالأولى ذات طبيعة اجتماعية، وهي تتأسس على سمات وصفات لدى شخص تلقى قبولا عند الجماعة التي ينتمي إليها، فيخلعون عليه مهابة واحتراما وحبا، من دون أن تقيد رسمي حياله، ولا سلطة رسمية له عليهم. أما الثانية فذات منحى رسمي، يرتبط وجودها بوجود منصب، ولا يحظى من يشغله بالضرورة حبا واحتراما ومهابة. وليس له من طاعة على الناس إلا بمقتضى ما يوفره له المنصب من صلاحيات. وأعتقد أن وضع الرسول الكريم كان وضع "القائد" في المسلمين، وليس وضع الرئيس، وأن تصرفاته السياسية كانت بنت القيادة وليست نابعة من الرئاسة.

من أجل كل هذا فلا تنوير حقيقي من دون تحقيق هذا التمييز، الذي لا يعني فصل الدين عن السياسة، فهذا طرح نظري من الصعب تطبيقه، إذ إن السياسة والدين يهبطان ويصعدان معا ويلتقيان عند كل الثقافات والمجتمعات والحقب التاريخية في مفاصل عديدة ومتفاوتة القوة، إنما يعني التمييز التام بين الدين والسلطة السياسية، فلا يتحول الدين إلى أيديولوجيا ( عقيدة سياسية) ولا يزعم أي حاكم أن سلطته مستمدة من الله، ولا يستغل الدين في الدعاية السياسية، أو يكون مجالا للصراع بين المتبارين في المجال السياسي، فينتقلون في ممارسة السياسة من مساحة "الصواب" و"الخطأ" إلى مساحة "الإيمان" و"الكفر".

5 ـ تحديث المجتمع، فقد ظن كثيرون أن ضآلة جهود العقلانيين واضطهاد التنويرين هي التي منعت وجود تنوير وإصلاح ديني حقيقي لدى العرب المحدثين والمعاصرين، لكن هذا يمثل جانبا من المعضلة وليس كلها، وهو جانب أخف وزنا وأقل وطأة إن قيس بجانب آخر يتمثل في ضرورة تحقيق التحديث بشتى أبعاده.

إن تخلف الشروط الموضوعية والاقتصادية والاجتماعية التي تتيح تجسيد التنوير في مجتمعاتنا وازدهار العقلانية، وغياب التنوير، هو حصاد موضوعي لهشاشة التحديث .. فلا تنوير بغير تحديث.. ولهذا فليس ثمة مفارقة بين تنوير ابن رشد في أوروبا وتعتيمه في عالمنا العربي، وإنما هو اختلاف بين مجتمع كان ينمو ومجتمع آخر يتخلف، ولا يزال متخلفا، ولذا فلا سبيل لاستعادة ابن رشد واستلهامه وتمثله، بل تجاوزه، بغير مشروع تنموي تصنيعي زراعي إنتاجي هيكلي شامل، يغير ويطور البنيات الأساسية لمجتمعاتنا العربية.

ومع هذا يمكن أن تستساغ الدعوة  إلى عدم انتظار نضوح الشروط الاجتماعية في سبيل تحقيق التنوير وإنتاج الديمقراطية. فاذا كان المناخ الاجتماعي العام هو الحائل دون العطاء الفكري، فمتى كان التاريخ رحيما بأهل الفكر والثقافة؟ ألم تحرق أوروبا علماءها الأوائل الذين قالوا بكروية الأرض ونحو ذلك؟ ولكن الفكر الأوروبي، رغم هذا، مضى في طريقه بالعطاء والتجديد، ولم ينتظر مجيء الديمقراطية، بل هو الذي أوجدها وخلقها في نهاية المطاف، أوجدها بتقديم الأفكار الجديدة، والبرامج العملية، والصيغ المناسبة، وهذه حقيقة جديرة بالتأمل. إن الفكر الأوروبي هو الأب التاريخي للديمقراطية الأوروبية، وليس العكس، الديمقراطية وليدة الفكر الريادي المبدع، وليست سابقة له، فلماذا يصر المفكرون العرب على وضع العربة أمام الحصان، ويصرون بسذاجة قائلين: أعطونا ديمقراطية نعطيكم فكرا، وإلا فلا، وهم يدركون حقيقة مجتمعاتهم.

في الحقيقة ليس هناك تناقض بين الاتجاهين، فمن يربط بين التنوير بشتى أبعاده والتحديث يقف على جانب أصيل من الحقيقة، ومن يدعو إلى عدم انتظار المفكرين للإصلاح السياسي كي يقوموا بالإصلاح الفكري، يقف أيضا على جانب أصيل من الحقيقة، لا يقل أهمية عن الأول.

 فالمفكرون يجب أن يناضلوا من أجل التنوير أيا كانت ظروف مجتمعاتهم، وإذا كانت هذه الظروف غير مهيأة فعليهم ألا يجلسوا صامتين متحسرين عاجزين حيالها، بل يقدموا الأفكار والتصورات التي تعمل على تهيئتها لتستوعب ما يطرحونه، يقدموها للناس، فإن فهموها وآمنوا بها سيضغطون هم من أجل التغيير، أو يتصرفون فرادى في اتجاهه فيحدث ولو تدريجيا، لأن السلطة ساعتها لن يكون أمامها من سبيل سوى الاستجابة لما يطلبه الناس وإلا فقدت شرعيتها، وتحولت إلى سلطة تغلب، لا محالة ساقطة، وإن طال أمد توجدها في الحكم.

في خاتمة المطاف يمكن القول إن القيمة المركزية في الإسلام هي "الرحمة" فلنبحث عنها وأينما وجدناها سنجد الإسلام الحقيقي، بعيدا عن التفاصيل والتماحيك والتصانيف التي صنعها من زعموا أنهم قيّمُون على الإسلام عبر تاريخه الطويل.

وهناك علوم عدة لا بد من إدخالها في الدراسات الإسلامية، أو "علوم الإسلام"، على مستويين، الأول هو وجود هذه الحقول المعرفية ضمن المناهج التي تدرس في المعاهد والمدارس والكليات الدينية، وثانيها رؤية المساقات التي تدرس حاليا من فقه وتفسير وعلم حديث وعلم كلام وعقائد ... الخ من خلال هذه الحقول، التي يقاوم الكثيرون من واضعي العلوم الدينية وشارحيها إدخالها ضمن المناهج التي يَدرسُونها ويُدرسُونها، مثل الأديان المقارنة، وعلم الاجتماع الديني، وعلم التاريخ، واللسانيات، وعلم اللغة، والأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، وعلم النفس.


روائي وخبير في علم الاجتماع السياسي


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on