Wednesday,13 December, 2017
Current issue | Issue 1368, (9 - 15 November 2017)
Wednesday,13 December, 2017
Issue 1368, (9 - 15 November 2017)

Ahram Weekly

الحرب اليمنية: المملكة العربية السعودية والإمارات

يرتبط التعاون السعودي الإماراتي في مسرح الحرب اليمني بديناميكيات الصراع بين المحاور المتنافسة في المنطقة، وفي حين أنها قوة قوية حاليا، إلا أن إنحسار يمكن أن يتبع ذلك، يكتب حسام رادمان في أول سلسلة من ثلاثة أجزاء

لم يعد ستاتيكو الحرب اليمنية قابلا للاستطالة مثلما رسمته قبل عامين موازين القوة و حقائق التاريخ والجغرافيا، التي شكلت بدورها خطوط تماس في غاية الصلابة، تمكنت من خلالها الشرعية وما تمثله من شبكة تحالفات أن تبسط سيطرتها على مناطق الجنوب اليمني (وفق حدود التشطير السابقة  للعام90 ) ، إضافة إلى محافظتي مأرب والجوف شرق البلاد . في حين  تموضعت جماعة الحوثي وحليفها الرئيس السابق صالح ضمن حاضنتها الشعبية في مناطق الشمال (المعروفة بوعورة تضاريسها وبنية سكانها القبلية) ، إضافة إلى محافظة الحديدة آخر المدن الساحلية والحيوية التي مازالت في قبضة تحالف صنعاء.

وخلال فترة الركود العسكري والسياسي عمد جميع اللاعبين المحليين والإقليمين إلى تثقيل ميزانهم العسكري ومراكمة مزيد من القوة والسلطة  . ما استولد فائض قوة  لدى جميع الفاعلين، عجزوا عن توجيهه لإحداث أي اختراقة نوعية في صفوف "الخصوم التقليدين" ، فترجم نفسه أتوماتيكيًا على شكل تصدعات داخلية وصراعات بينية يعيشها الحلفاء داخل المعسكر الواحد .

تلك على وجه التحديد هي ثنائيات الحرب اليمنية بأوجهها الثلاثة : (الحوثي-صالح) و (الحراك – الشرعية) (السعودية- الإمارات) ، والتي يمضي أصحابها من وقت إلى آخر للتعبير عن أنفسهم بمنتهى الوضوح والصراحة ، متجاوزين بذلك ما درج من مجاملات سياسية متبادلة فرضتها حقبة تحالفات الضرورة. وستعمل "الأهرام ويكلي" على تظهير ما تموج به هذه "التحالفات-التصدعات" من تناقضات أذكت من حدة صراعاتها وحالت دون تطوير تحالفاتها اللحظية إلى تحالفات استراتيجية.

 

السعودية والإمارات.. من التنافس إلى التكامل

 

  في مارس 2015 قررت الرياض أن تكاشف كل أخوتها العرب بهول  "الخطر الداهم" الذي يتهدد أمنها القومي، ووضعهم جميعا أمام الأمر الواقع وهي تختبر فاعلية قيادتها الجديدة التي قررت أن تخوض حرباً لاستعادة الشرعية في اليمن،  بعد أن بلغت مفاعيل الانقلاب الحوثي ذروتها باجتياح الجنوب وإجبار الرئيس الشرعي على الهروب باتجاه السعودية.

"بمنطق انقضوا أو انفضوا" وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل دعوة الملك سلمان لإطلاق عمليات التحالف العربي التي جاءت امتدادا لمعاهدة الدفاع العربي المشترك . وبفعل الضغوطات والحرج انقضت معظم الدول العربية وإن كان بشكل رمزي لتنخرط في مجريات الحرب (التي كان يفترض بها أن تكون سريعة وخاطفة لكنها اليوم تدخل عامها الثالث وتمضي نحو مزيد من التعقيد).

مع الوقت بقي مسمى "التحالف العربي" جزءًا من الخطابة الإعلامية المؤيدة لعمليات "عاصفة الحزم" ، أما حقائق الميدان فأثبتت ان "المملكة العربية السعودية" و "دولة الإمارات العربية المتحدة" هما الطرفان الأصيلان والمنخرطان عمليًا في مخاطر وحسابات هذا الصراع ، والمستعدتان لدفع أثمانه بالمال والسلاح والدم.

الخطر الإيراني والتقارب الاستراتيجي على مستوى سياسيات المنقطة  ؛ وفرت أرضية مقبولة  للتعاون العسكري الإماراتي-السعودي  الأول من نوعه ، لكن أهدافه واستراتيجيته المتعلقة باليمن ظلت ملتبسة وغير واضحة ، واكتفت على المستوى الرسمي بتكرار شعارات الدم العربي الواحد وخطر سقوط رابع عاصمة عربية بيد طهران.

بعد نجاح عمليات السهم الذهبي، والتي جرى على أثرها تحرير العاصمة المؤقتة عدن وبقية مدن الجنوب ، بدا وأن التعاون العسكري يأخذ أيضا مفاعيله السياسية من خلال حزمة تعيينات دفعت بها الرياض داخل الشرعية لمكافأة وتطمين أبوظبي .

منها على سبيل المثال تعين المهندس خالد بحاح نائبًا لرئيس الجمهورية إلى جانب منصبه كآخر رئيس وزراء شرعي جاء بمصادقة البرلمان . وكذلك إقالة الرئيس هادي محافظ عدن الذي عينه أثناء الحرب ، وهو "نائف البكري" المقرب من الإصلاح، وعين عوضاً عنه اللواء "جعفر سعد " المحسوب على الإمارات ، وبعد أن جرى اغتيال المحافظ النشيط والمتمكن ، ضغطت الرياض وأبو ظبي لتعيين "عيدروس الزبيدي" محافظا للمحافظة و"شلال علي شائع" مديراً لأمنها ، وهم الآن أقرب حلفاء محليين لها في الجنوب.

التعاون الوثيق بين الطرفين حكمته متطلبات اللحظة : فالإمارات تمثل القوة الأنجح والأكثر استعدادا للانخراط في الصراع من باقي المنظومة العربية، في حين تمثل السعودبة بوابة النفوذ الأوسع لتلبية طموحات أي طرف راغب بلعب دور مستقبلي في اليمن .. وبعكس التعيينات التي جاءت بغرض التطمين وتوثيق التحالف، فإن قواعد اللعبة لم ترتسم بشكل واضح بين اللاعبين الخليجيين لا من جهة العلاقة التي تجمعهما، ولا من جهة تصورهم النهائي لما يريدانه في اليمن.

وعليه مضت الرياض تلعب بما توافرت عليه من أدوات سياسية تقليدية امتلكت لعقود مفاتيح استقطابها وتوجيهها ، في حين عمدت الإمارات للنزول مباشرة إلى الميدان كي تتثبت مواقعها العسكرية مع كل تقدم جديد تنجزه دون الركون على أدوات الشرعية.

وبعدما تكبدت أبوظبي خسائر جمة من معاركها في الشمال ، قررت أن تلقي بكامل ثقلها العسكري جنوباً لاسيما على طول السواحل اليمنية ، وبناء على ما مرت به من منعطفات حادة في الميدان ، نضجت الإمارات تصوراتها لطريقة العمل الجديد والتي جعلتها أقرب إلى "واشنطن" من الرياض.

من الالتباس إلى التنافس..

أبريل من العام 2016 كان محورياً في تغير العلاقة بين الحليفين ، إذ بدت أبو ظبي أقرب في توجهاتها إلى السياسية الأمريكية التي قررت الرياض بشكل أو بآخر تحديها من خلال عاصفة الحزم وتدخلها المباشر في اليمن.

التواجد الإماراتي المستدام وبقدر ما يحفظ جزءًا من حظوظه بالتقارب مع السعودية، فإنه لا يتحقق تماما إلا بوجود المظلة الأمريكية التي رأت في القوات المسلحة الإماراتية كياناً عسكريًا أكثر كفاءة وجاهزية لمكافحة الإرهاب جنوباً بخلاف جارتها الكبرى التي تتورط بالتحالف مع جماعات متطرفة لمواجهة الحوثيين وصالح.

وفعلا تحولت بوصلة الجهد العسكري الإماراتي إلى مكافحة الإرهاب وجرى الإعداد عملياً لبدء تحرير مدينة المكلا شرق البلاد من قبضة تنظيم القاعدة .. هذا كان يعني من جهة انضواء أبوظبي في سياق "عقيدة أوباما" التي أثرت سلباً على موازين الإقليم وصبت في مصلحة طهران ، وبينما ظلت الرياض مصرة على جر حليفتها لحسم معارك صنعاء ، أخذت أبوظبي تقنع جارتها بضرورة تأمين عدن ، حتى جاء تصريح وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية  "أنور قرقاش" ليقول بصريح العبارة إن مهام القوات الإماراتية الحربية انتهت تقريبا وإن مهمتها تدعيم الشرعية في المناطق المحررة.

من جهة أخرى فإن تحرير المكلا كان يعني مد النفوذ الإماراتي إلى أقصى الشرق اليمني  بما يمثله من أهمية جيواستراتيجية، وتلك خطوة ترجح موازين القوى وزمام القرار الاستراتجي لمصلحة "أبناء زايد" ، وهو ما قررت الحكومة اليمنية أن تستبق حدوثه بإقالة المهندس بحاح من منصبه كنائب للرئيس وتعيين عوضا عنه علي محسن الأحمر الذي هو بمثابة عدو لدود لها ، وتعيين أحمد عبيد بن دغر (رجل صالح سابقا ورجل الرياض حاليا) رئيسا للوزراء ، وكانت تلك أول صفعة سياسية دشنت حالة الكباش السياسي بين أبو ظبي والرياض.

ومع إقصاء الإمارات من مقاعد الشرعية، ذهبت الأخيرة إلى تثقيل قوتها العسكرية تارة بإنشاء قوات ما عرف بالحزام والنخبة ، وتارة أخرى بتأسيس قواعد عسكرية لها على طول السواحل اليمنية .

تعاون عسكري و كباش سياسي..

برحيل إدارة أوباما كانت الإمارات قد حررت معظم المدن الجنوبية من قبضة تنظيم القاعدة ، ومع صعود ترامب وما تبناه من سياسات مزدوجة قررت مواجهة الإرهاب التكفيري وكذلك مواجهة أذرع إيران بالمنقطة ، انتفت عناصر الخلاف السعودي الإماراتي التي القت بظلالها على خطوط التماس المجمدة ، ومع مطلع العام 2017 بدأت عمليات "الرمح الذهبي" على طول الساحل الغربي بدءاً من باب المندب ووصولا إلى المخاء ، وتلك كانت أهم نقلة نوعية في مسار المواجهات منذ تحرير مأرب.

لكن الاندفاع الإماراتي وإن لبى أهداف الرياض، فإنه جاء بشروط أبوظبي التي قررت الاستعانة بحلفائها الجنوبين (من مسلحي الحراك الداعي إلى الانفصال أو من الكتلة السلفية) لحسم معارك واقعة في المحافظات الشمالية، وهو ما ثار حفيظة كثير من اللاعبين المحليين القريبين من الرياض، في مقدمتهم حزب الإصلاح والرئيس هادي .

وهنا بدأت مرحلة جديدة من الصراع السياسي الذي تمظهر أولا من خلال أزمة مطار عدن ، قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها بإقالة عيدروس الزبيدي من منصبه كمحافظ لعدن ومن ثم إقالة أربعة محافظين بسبب انحيازهم للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلنه عيدروس في ما عرف بإعلان مايو التاريخي، وهذا ما مثل منعطفا جديدا لشكل العلاقة بين الحراك وأبوظبي من جهة وبين الشرعية والرياض وأبوظبي من جهة أخرى.

وعوضا عن كون الإمارات شريكا أصيلا في تركيبة الشرعية اضطرت إلى أن تدفع ظهيرها المحلي لتشكيل كيانه السياسي المستقل المطالب بالانفصال، والذي وفر لها مشروعية سياسية في الجنوب، وذلك مع احتفاظها بموقعها الثابت من عمليات التحالف العربي ومعاركه في الساحل الغربي. إذ أن دورها هناك يتعدى مجرد الانفعال بالتفاعلات المحلية اليمنية وينسحب على صراع المحاور الذي تشهده المنطقة ، ومن خلال مراقبة التواجد الإماراتي اللافت في اريتريا واليمن يمكن معرفة ما تقوم به من دور محوري بنقل حوض البحر الأحمر من نفوذ محوري أيران وتركيا إلى محور "الاعتدال العربي".

وبرغم صراع المحاور، فإن ديناميات الوضع المحلي لاسيما جنوباً ظلت تنبئ بانفجار وشيك ، وعاش التحالف الثنائي أصعب أيامه بعد أن خرجت كل خلافته الى السطح، غير أن متغيرات إقليمية فاعلة دخلت على المشهد وغيرت كل شيء.

 

 

من التنافس إلى التكامل

كان شهر يونيو المنصرم حاسما في تجذير التعاون الاستراتجي بين الرياض وأبو ظبي، وذلك على خلفية ما تفجر من أزمة مفاجئة بين الرباعية العربية وبين قطر، وهي ما ألقت بظلالها على علاقة الحليفين الذين اتجها نحو مزيد من التنسيق، وبات رفضهما للدور الإخواني  والقطري والتركي في اليمن مسلمة لا تقبل الجدال.

أما الحدث الأشد تأثيرًا خلال هذا الشهر، فكان تنصيب الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد بدلا عن الأمير محمد بن نايف، وهو المنتمي للحرس القديم الذي اعتاد الاستفراد بالملف اليمني وإدارة تناقضاته بالطريقة التقليدية من خلال قوائم اللجنة الخاصة ، دون الاستئناس لأي شريك محلي أو إقليمي .

ولم يعد الهمس الدائر عن تطابق الأفكار الذي يجمع ما بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان، محل شك اليوم ، بقياس تداعيات صعود القيادة السعودية الجديدة على علاقة الحليفين .حيث جرى توزيع المهام بشكل سلس ومتكامل مع مراعاة أولويات وقدرات كل طرف .

الإمارات اعتنت بملف إدارة الجنوب واحتواء قوى الحراك ومواجهة الإرهاب والإخوان  واستكمال معارك الساحل الغربي وتأمين الممرات الدولية وحوض البحر الأحمر .  أما المملكة السعودية فمهمتها تشمل إدارة الملف السياسي للأزمة اليمينة وكذلك عقلنة وتوجيه الشرعية والحكومة اليمنية ودعم معارك الشمال والشرق اليمني والحدود الجنوبية السعودية ، وأخيرا وهو الأهم التفرغ لقيادة التحولات الداخلية من خلال دعوات الإصلاح الاقتصادي والثقافي وكذلك التفرغ لإدارة تحولات المنطقة بكل ما تشتمل عليه من مواجهة لإيران واستقطاب للعراق ومناورة  في سوريا وصفقة القرن مع إسرائيل.

 

هل يستمر شهر العسل ؟

بالنظر إلى تفاعلات المشهد اليمني ومؤشرات المناخ الإقليمي ، فمن الوارد جداً أن يطول شهر العسل الإماراتي السعودي في اليمن، وبالنظر إلى نسق التحركات لكلا الطرفين، فإن الإمارات تميل دوما إلى صناعة وتطوير الفاعلين المحلين، في حين تستهوي الرياض إدارة التفاعلات والاعتداد بنتائجها بصرف النظر عن أصحابها ، لذا فإنها تفتح أبوابها للتقدميين التي نصت أديباتهم على تسمية كيانها كعدو تاريخي ، لكنها تهتم لموقفهم السياسي المؤيد لها. في حين لن تقبل أبوظبي أن تتعامل مع الإصلاح أو أي حزب لا تتفق معه أيدلوجيا حتى وإن أيدها في المواقف والسياسيات.

من هنا فإنه متى تم تسير الفاعلين الإمارتين لأجل تلبية نتائج التفاعلات السعودية فإن هذا التحالف من شأنه أن يتوثق ويتقوى ، بيد أنه وحتى اللحظة مازال يواجه كثيرًا من المنغصات :

  1. فشل الطرفين في بلورة نظام حوكمة رشيد في المناطق المحررة وتحويلها بالتالي إلى نموذج جاذب، وذلك يعود للخلل البنيوي الذي يكتنف الشرعية باعتبارها ثقبا أسود للفساد ، وكذلك لما ترتب على مرحلة التنافس السابقة من إقصاء للاعبين الإمارتين من مقاعد الشرعية بما جعلها بعيدة أكثر عن دائرة التأثير.
  2. حالة الاحتقان الداخلي في مناطق سيطرتهم والتي هي مرشحة للانفجار في أي وقت ، فان كانت الدولتان تمتلكان النفوذ الذي يؤهلها لتوجيه سلوك حلفاءها المحلين ، فإنها مهما فعلت تظل عاجزة عن تبديد محفزات صراعهم ، وهي المحفزات التي تتطلب تسوية سياسية اجتماعية شاملة ، وفق مؤشرات الحاضر فإنها لا تزال بعيدة المنال جدا.
  3. باستثناء التوافقات التي ولدتها العوامل الدولية والإقليمية، فإن الحليفين مازالا يفتقرا إلى رؤية استراتيجية واضحة لطريقة إدارة وحسم وإنهاء الصراع اليمني.
  4. أخيرًا، فإن ميزان القوى في كثير من المناطق بات يميل بقوة اليوم لمصلحة الجانب الإماراتي وبشكل مضطرد، وهو الأمر الذي -وإن قرر الأمر الشاب التغاضي عنه - لن ترضى عنه دوائر صنع القرار داخل "الدولة السعودية العميقة"  . ومالم ينطو الأمر على بلورة اتفاق شامل وتسوية توائم بين كل متناقضات التحالف السعودي الإماراتي بكل متفرعاتها اليمنية، فإن العلاقة مرشحة للانتقال من مرحلة التكامل إلى طور آخر من الصراع.

    للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on