Monday,18 December, 2017
Current issue | Issue 1369, (16-22 November 2017)
Monday,18 December, 2017
Issue 1369, (16-22 November 2017)

Ahram Weekly

ماذا بعد هزيمة داعش في سوريا ؟

سيطر النظام السوري على مدينة دير الزور، وطرد تنظيم الدولة الإسلامية من آخر معاقله في سوريا، ومن غير الواضح ماذا ستفعل الدول الكبرى بعد أن يُهزم التنظيم الذي تدخّلت في سوريا بحجته، رسالة دمشق باسل العودات

في الثلث الأول من هذا الشهر (تشرين الثاني/ نوفمبر) تمكنت قوات النظام السوري من السيطرة على مدينة دير الزور شرق سوريا، واضطر بعض فلول تنظيم الدولة الإسلامية (على قلّتهم) إلى الخروج إلى مناطق خارجها، وسرعان ما أعلن الإعلامان السوري والروسي عن انتصار النظام السوري في طرد التنظيم من المدينة، وادّعيا أن الجيش السوري حقق ما لم يستطع أحد تحقيقه سابقًا، لكنّهما أغفلا أن الجيش السوري لا يُشكّل إلا جزءًا بسيطًا جدًا من القوات التي سيطرت على المدينة، والتي قوامها الأساس من ميليشيات عراقية ولبنانية موالية لإيران تُساندها ميليشيات غير نظامية موالية للنظام السوري، ساندها الطيران الروسي وأحياناً طيران التحالف الدولي الذي تُشرف عليه الولايات المتحدة.

إذاً، انتهى تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي من مدينة دير الزور، واختفى معظم مقاتليه، ولم تُعرض أفلام لاستسلام المقاتلين والإرهابيين، الذين كان الروس والنظام السوري يقولون إنهم بالآلاف، تمامًا كما حصل في مدينة الرقة التي سيطرت عليها الميليشيات الكردية المدعومة أمريكيًا، والتي دمّرت المدينة للسيطرة عليها وإخراج مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الذي اختفوا فجأة من المدينة ولم يظهر لهم أثر.

سيطرة النظام السوري وحلفائه على دير الزور، رافقه تشريد عشرات آلاف المدنيين الذين فروا من المدينة، ممن هربوا من جحيم القصف الجوي والمعارك، وفروا من كلا الطرفين المتقاتلين، تنظيم الدولة والنظام وحلفائه، لكن هروبهم لم يُنجهم، إذ تحاصرهم أيضاً ميليشيات (قوات سوريا الديمقراطية) الكردية التي منعت ابتعادهم وأرغمتهم على البقاء ضمن دائرة خطر الموت.

في نفس الوقت، سيطرت القوات العراقية، والتي تُساندها ميليشيات الحشد الشعبي الموالية والتابعة لإيران، على آخر بلدة مهمة للدولة الإسلامية على الجانب العراقي من الحدود، وتقلصت مناطق سيطرة التنظيم إلى بلدة حدودية سورية وقرية على ضفة نهر الفرات في العراق وبعض البقاع في الصحراء.

سرعان ما انتقلت قوات النظام بدعم من الميليشيات التابعة لإيران، بدعم جوي روسي، إلى مدينة البوكمال الواقعة على الحدود السورية العراقية، وهي آخر معقل لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، ولو تم إخراج مقاتلي التنظيم منها، فإن سوريا ستخلو من التنظيم، وستّهزم نهائيًا "دولة الخلافة" التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية.

هذا الاختفاء السريع لعناصر التنظيم الإرهابي من الرقة ومن ثم دير الزور، أثار شكوكًا، لم تستطع تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري جيراسيموف، أن تبددها، والذي ألمح إلى أن الآلاف منهم قد قُتل حين أعلن أن 54 ألف مسلح من "التشكيلات غير القانونية" قُتلوا في سوريا، بينهم 2800 روسي، و1400 من الدول المجاورة لروسيا.

بعد خلو مدينتي الرقة ودير الزور من تنظيم الدولة الإسلامية، أعلن التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية الذي تقوده الولايات المتحدة أن عدد ضرباته الجوية على سوريا والعراق تراجع إلى نحو 70% في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن الأشهر التسعة التي سبقته، بسبب انحسار سيطرة تنظيم الدولة، لكن الولايات المتحدة لم تعلن عن خطوتها التالية بعد أن أوشك تنظيم الدولة الإٍسلامية على الاندثار، وهو السبب الذي تشكّلت قوات التحالف من أجل محاربته، ما لم يُعلن الروس بدورهم عن الخطوة التالية لهزيمة التنظيم، خاصة وأنها -كما الولايات المتحدة- تتخذ من محاربة التنظيم سبباً أساسيًا لوجودها العسكري في سوريا.

وحده النظام السوري قوي صوته بعد نهاية المعركة في دير الزور، فقال رأس النظام السوري بشار الأسد إن الجيش وحلفاءه سيواصلون القتال في سوريا، وسيتجه نحو الرقة لمحاربة القوات الكردية التي سيطرت عليها والمدعومة من واشنطن، لأنها تسعى لتقسيم الدولة وإضعافها.

الملاحظ بالأمر أن الوقائع العسكرية على الأرض في شرق سوريا تتناقض كليًا مع كل المساعي الأمريكية المُعلنة، والمساعي الروسية غير المُعلنة، والتي تهدف لتقليص نفوذ وقوة إيران في سوريا، ووضع حدٍ للنفوذ الإيراني المتفاقم، فبسيطرة قوات النظام الميليشيات التابعة لإيران والمرتبطة بها على مدينة دير الزور وعلى الحدود السورية - العراقية من الجهتين، بات ما يُدعى (الهلال الشيعي الإيراني) مُكتملاً، ومن السهولة وصول كل شيء بأمان ودون اعتراضات، من طهران وحتى المتوسط.

يراقب الأمريكيون استكمال (الهلال الإيراني) دون أي رد فعل، ويثير الموقف الأمريكي المتفرج على وصل طهران ببيروت الكثير من التساؤلات، خاصة مع معرفة أن الميليشيات الشيعية العراقية التقت مع نظيرتها الناشطة في سوريا، وحظيت بتغطية جوية من سلاح الجو العراقي، التابع للجيش المتحالف مع الولايات المتحدة، ويكتفي البيت الأبيض بعرض مكافآت مالية عن أية معلومات حول اثنان من "إرهابيي" حزب الله، الذي ترتفع نبرته التهديدية يومًا وراء يوم، ضد كل المناوئين له في المنطقة، ابتداءً من الولايات المتحدة وصولاً إلى إسرائيل، ومروراً بالسعودية والسوريين وغيرهما.

يُحاول البعض التفاؤل بالاعتقاد بأن شرق سوريا سيكون ساحة انطلاق لحرب شرسة ضد إيران وميليشياتها، تمتد ببطئ إلى دول الجوار، بينما يُعرب آخرون عن تشاؤمهم من موقف الولايات المتحدة السلبي، ويرون أن الحديث عن طبول الحرب هو مجرد تهويل، ويعتقدون أن الأمريكيين غير مستعدين للمخاطرة في شرق سوريا بصورة قد تدفعهم للتورط في مواجهة مباشرة مع الروس، بينما يقول بعض آخر إن الولايات المتحدة لا تريد أساسًا منع تحقيق حلم إيران القديم بالسيطرة على طرق الشرق الأوسط البرية والبحرية، من طهران مروراً بالعراق وسوريا ولبنان، ولهذا السبب أمّنت المد اللوجستي الذي يحتاجونه، سواء في البادية السورية أو عبر الحدود العراقية – السورية، وهناك محاولات عدّة لمحاولة فهم محدد للسياسة الأميركية في شرق سوريا.

يقول الكاتب إياد الجعفري إن هناك نظرية "تقدم قراءة مختلفة لكل ما سبق، والأمريكيون حسب هذه النظرية، يريدون توريط كل الأطراف في المنطقة، بالمزيد من الاستنزاف، ويريدون أن يبقى أوار الحرب مستعرًا، فإن انطفأ في سوريا، يجب أن يشتعل مرة أخرى، ولا مانع من أن يمتد إلى لبنان، وأن يُهدد الخليج، بما يخدم المزيد من الاستنزاف العسكري والمالي للإيرانيين والروس والأتراك وللخليجيين أيضاً عبر شراء المزيد من ترسانات السلاح، ودفع المزيد من الأموال لنيل الحماية الأمريكية... وفي سبيل تحقيق هذه الغاية، لا بد من إتاحة الهامش اللوجستي المناسب، لتدفق الدعم التسليحي والبشري، الآتي من طهران، عبر العراق، إلى سوريا ولبنان. لذا، يجب أن تكون البوكمال عقدة الوصل في ذلك، إنه فخ أمريكي للإيرانيين، فيما يعتبره الإيرانيون نصرًا".

وفي الوقت الذي مازالت ترتبك فيه كل الدول المتدخلة في الشأن السوري بحجّة محاربة تنظيم الدولة الإسلامية، ولا يبدو أنها تجد حجّة أخرى حتى الآن لاستمرار تدخلها، التقى الرئيس الروسي والأمريكي على هامش مؤتمر أعضاء (إبيك) في (دا نانغ) بفيتنام، واتفقا على أن الصراع في سوريا ليس له حل عسكري، وأكّدا أن التوصل إلى تسوية سياسية نهائية للصراع يجب أن تكون في إطار عملية جنيف وقرار مجلس الأمن رقم 2254. التي تضمن تغيير الدستور وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وناقشا المسائل الإنسانية والعسكرية والأمنية والميدانية، دون أن يتطرقا لما يشير إلى أنه سيكون لهما مواقف مختلفة بعد سحق التنظيم الإرهابي الذي دخلا سورية بسببه، ما يؤكد سلفاً على أنهما باقيتان في سورية إلى أجل غير محدد حتى لو انتهى التنظيم وأُعلن عن مقتل آخر مقاتل فيه.

من الممكن أن تعود كل الأطراف التي استفادت من "بعبع" تنظيم الدولة الإسلامية للاستفادة مرة أخرى من جديد من تراجع صلاحيات وقوة هذا التنظيم، وتحفيز تدخلات أخرى غير تدخلات التنظيم، كإيران أو الميليشيات العراقية أو اللبنانية، والعودة لاستثمار التدخلات لحشد الرأي العام الداخلي، سواء لجهة تضخيم خطر الانسحاب من سوريا وتركها ساحة خالية للمطامع الاستعمارية الإيرانية، أو لجهة تركها كساحة لتصفية حسابات وصراعات إقليمية بين السعودية وإيران وتركيا، أو لأن البقاء بها ضرورة لا يمكن التراجع عنها لأن سوريا باتت حاضنة لكل قوى الشر والعنف، وحاضنة لأطماع إقليمية ودولية لا حدود لها، وربما يوجد في هذا الافتراض الأخير الكثير من الصحة.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on