Sunday,17 December, 2017
Current issue | Issue 1371, (30 November - 6 December 2017)
Sunday,17 December, 2017
Issue 1371, (30 November - 6 December 2017)

Ahram Weekly

بين سوتشي وجنيف.. إلى أين تمضي المعارضة السورية؟

أسفر مؤتمر (لرياض 2) عن تشكيل وفد معارضة سورية تفاوضي جديد، مُطعّم بمعارضين رخوين، موالين لموسكو، ومنسجمين مع النظام، وتأمل موسكو التي دفعت باتجاه إنجاحه أن يؤدي لاختراق جديد يزيح الأنظار عن مؤتمر جنيف الأممي لصالح مؤتمر سوتشي الروسي.رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

انتهت اجتماعات المعارضة السورية في الرياض بتشكيل هيئة تفاوضية جديدة، وبتحديد استراتيجية سياسية لمرحلة التفاوض مع النظام، لكن نتائج المؤتمر لم تُعجب السوريين المناوئين للنظام، لأنها تخفض سقف المطالب وتتخلى عن شرط عدم مشاركة الرئيس السوري بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، وتقبل البد بمفاوضات دون شروط مسبقة، حتى تلك التي أقرتها القرارات الدولية والمتفق عليها بين الدول الكبرى والمتعلقة بالأزمة السورية.

لجهة الشكل، قبلت المعارضة السورية ضم منصة موسكو، وهم مجموعة من الشخصيات السورية التي تقول إنها معارضة، لكنها في واقع الأمر قريبة جداً من موسكو، وطروحاتها تنسجم مع طروحات النظام السوري، وتُصرّ على عدم تداول مصير الأسد وكبار رموز نظامه في أي مفاوضات بين المعارضة والنظام، وهذا القبول بهذه المنصة تسبب بشرخ بين السوريين المعارضين للنظام، فالغالبية العظمى لم تقبل به واعتبرته تنازل واختراق للوفد التفاوضي سيؤثر على مستقبل المفاوضات وقد يُدمّرها.

أما من ناحية المضمون، فقد أكد المجتمعون في مؤتمر الرياض 2، وفي ختامه، على أن المفاوضات المباشرة يجب أن تكون غير مشروطة، وأن جميع المواضيع قابلة للطرح والنقاش، ولا يحق لأي طرف وضع شروط، بما فيها شكل الحكم ونظامه وصلاحيات سلطاته ومسؤوليته وموقع رئيس الجمهورية والحكومة، وقالوا في النهاية إن تشكيل هيئة حاكمة انتقالية تسير في ظلها العملية الانتقالية، لن يحدث دون مغادرة بشار الأسد وزمرته ومنظومة القمع والاستبداد عند بدء المرحلة الانتقالية، ولم يضعوا ذلك شرطاً كما كانوا يضعونه في السابق، وكذلك الأمر، اعتبر المعارضون السوريون ذلك تنازلاً جديداً، سيسمح للأسد ورجال نظامه بالاستمرار حتى خلال المرحلة الانتقالية.

تشكّلت هيئة التفاوض الجديدة بإلحاح وضغط روسي، وتجاوب من المملكة العربية السعودية، وقبول من بعض التيارات السياسية والعسكرية السورية المعارضة التي باتت تشعر بأنها غير قادرة على فعل شيء أمام القوة الروسية التي وقفت إلى جانب الأسد في حربه، وأمام السلبية الأمريكية التي لم تقبل يوماً بدعم المعارضة السورية كما كان متأملاً.

تشكّل الوفد التفاوضي الجديد، قبيل أيام من انعقاد مؤتمر جنيف بنسخته الثامنة (28 نوفمبر)، والذي قال الروس إنه جب أن يكون بداية لمفاوضات مباشرة ويجب أن يبحث الدستور والانتخابات المبكرة والمرحلة الانتقالية.

من جهتها، فهمت دمشق الرغبة الروسية، ولأنها لا تستطيع عملياً رفض طلب روسي، أو إغضاب "الدب" الروسي الذي حمى النظام من السقوط، وأعلنت مباشرة عن موافقتها على بحث ملفي الدستور والانتخابات، وإقرار المبادئ السياسية للحل السوري في الجولة المقبلة من مفاوضات جنيف. لكن موافقة النظام السوري هذه لا تعني أن هذه القضايا يمكن أن يتم التوافق عليها بطريقة ما، أو على جزء منها حتى، ذلك لأن النظام السوري مازال مصرّاً على أن أنه يمكن أن يعدّل قليلاً في الدستور الحالي الذي وضعه بشار الأسد عام 2012، والذي يمنحه صلاحيات مُطلقة لا تُمنح لحاكم، تنفيذية وتشريعية وقضائية كاملة. كذلك لا يقبل النظام السوري أي مناقشة لتغيير سياسي جذري، بل أقصى ما وصل إليه سقفه هو الموافقة على ضم المعارضة السورية إلى الحكومة، ومنح المعارضة بضع مقاعد برلمانية وعدة وزارات، فيما أسماه حكومة ائتلافية، وهذه المؤسسات، الوزارات والبرلمان، هي مؤسسات مشلولة في سورية في ظل وجود الأجهزة الأمنية التي تُسيطر على الحياة في سورية بكل مفاصلها.

إذاً، هناك قناعة لدى السوريين بأن الجولة الثامنة من مفوضات جنيف ستسير، لكن لا شيء جدّي وحاسم سيسير معها، بل سيبقى النظام السوري يدور في المكان، و"يُغرق البشر بالتفاصيل"، كما قال وزير الخارجية السوري قبل ست سنوات، ونفّذ النظام السوري ذلك بحذافيره حتى اليوم.

يعتقد النظام السوري أنه انتصر، وزال الخطر عنه نهائياً، وأن روسيا وإيران حمتاه بشكل نهائي، ولا يُفكّر حالياً إلا بالمراهنة على طهران وبكين للبدء بإعادة الإعمار، والاستمرار في محاربة الإرهاب بدعم روسي، وإلغاء التسوية السياسية الشاملة، أو بأضعف الأحوال تأجيلها لأنه ليس مُرغماً عليها بعد انتصاره. لكن النظام السوري يقع بخطأين، الأول مراهنته على أن روسيا متمسكة به وحده إلى النهاية، وهذا غير صحيح، بدليل أن معاون وزير الخارجية الروسي قال نهاية الأسبوع الماضي حين التقى بالمبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي مستورا في موسكو إن روسيا "تبحث الآن إمكانية مناقشة مصير الرئيس السوري". والخطأ الثاني أن النظام السوري يعتقد أن إعادة الأعمار أمر هيّن ووسيلة لتنشيط الاقتصاد للخروج من حالة اقتصاد الحرب، بينما الواقع يؤكد استحالة بدء الإعمار طالما أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أكّدوا جميعاً على أنهم لن يوافقا على البدء بعملية إعادة الإعمار ما لم يتم ترسيخ حل سياسي عادل للأزمة السورية.

لا يختلف الموقف الروسي اختلافاً كبيراً عن موقف النظام السوري، فروسيا تعتبر أن مؤتمرات جنيف تضييع للوقت، وتسعى دائماً لإفراغها من مضمونها، وابتدعت من أجل ذلك سلسلة اجتماعات أستانة، والآن ابتدعت اجتماعات سوتشي، وقد نجحت بشكل كبير عبر اجتماعات أستانة في تغيير مرجعية حل الأزمة السورية من بيان جنيف 1 لعام 2012 الذي أقرته الدول الكبرى مجتمعة، والذي يقي بتشكيل هيئة حاكمة انتقالية ذات صلاحيات كاملة، إلى مرجعية أخرى تختلف عن بيان جنيف، ولا تتضمن بوضوح تشكيل هيئة حاكمة انتقالية ولا تتضمن سحب الصلاحيات من رئيس الجمهورية الحالي وأجهزته الأمنية، كما هو حال بيان جنيف 1.

من الواضح أن نتائج مؤتمر المعارضة السورية في الرياض تتطابق تماما مع ما يريده الروس، فقد تم تطعيم الوفد المفاوض بمعرضة رخوة، ستقبل بالمشاركة في مؤتمر سوتشي الذي ينوي الروس عقده بحضور النظام، من أجل "الحوار الوطني السوري"، دون أن يكون له هدف واضح أو نتيجة مرتقبة، سوى كسر الحواجز بين المعارضة والنظام، وتأهيل النظام من جديد، وقبول المعارضة ببقاء النظام والتغيير التدريجي، الذي لن يتحقق إلا بنسبة ضئيلة جداً لن تؤثر على الهيكلية الأساسية للنظام السوري القائم.

وافقت دمشق على اقتراحات موسكو، لكن العارفين بمفاصل النظام يعرفون أنه لن يتغير، فهو قد درج على إعطاء الوعود ونقضها، فالنظام مازال يرفض بحث الدستور "خارج الأطر الرسمية"، أي البرلمان الحالي، وهو برلمان مُعيّن تعيين من قبل الأجهزة الأمنية، كذلك يرفض النظام بحث التسوية السياسية "ما دام هناك إنش واحد خارج سيطرة الدولة" كما يقول كبار المسؤولين السوريين، وفي الغالب يعتقد النظام السوري أنه قادر على الاتكاء على إيران في مواجهة أية ضغوط روسية مقبلة في ملف المفاوضات، لكنّ - إن كان موجوداً - سيكون رهاناً ساذجاً ومُدمّراً للنظام نفسه.

لكن أحداً من القوى الدولية والإقليمية لا يريد الآن البحث في عملية التغيير السياسي في سورية، فالتفاهم بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترمب في 11 نوفمبر، تجاهل الحديث عن "الحكم" وركّز على ملفي الإصلاح الدستوري والانتخابات، كما أن البيان الختامي لقمة بوتين ونظيريه التركي رجب طيب إردوغان والإيراني حسن روحاني، تجاهل عملية جنيف ورعاية الأمم المتحدة للعملية السياسية، وركّز على عقد مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي.

وفي هذا الصدد، قال المعارض السوري سعيد مقبل لـ "الأهرام ويكلي": "يبدو أن الروس والأمريكيين متفقون على تقديم قرار مجلس الأمن رقم 2254 على بيان جنيف 1 في المرحلة الحالية، فالقرار الدولي هذا يتحدث عن ضرورة البدء بالإصلاح الدستوري وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة، وهي أمور وردت في صلب تفاهم الرئيسين دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، كخطوة أولى وسطية للبدء في حل الأزمة السورية، دون الحاجة لـ "كسر عظم" أي طرف. لكن النظام السوري سيسعى بكل الوسائل إلى تجنّب تحديد جدول زمني لهذه الاستحقاقات التي يحددها القرار 2254، وستدعمه روسيا بذلك، على أمل تمرير منهج تفاوضي جديد ومختلف في "مؤتمر الحوار الوطني السوري" في سوتشي الشهر المقبل، يفض على الأمريكيين معطيات جديدة يوافق عليها طرفا النزاع في سوريا، النظام والمعارضة".

يبدو نظرياً أن هناك سباقًا بين عملية جنيف التي تدعمها واشنطن، وعملية سوتشي التي تدعمها موسكو، وتحاول موسكو تحقيق أي خرق يجعلها في موقف أقوى من الموقف الأمريكي، لكن من الصعب تحقيق خرق في سوتشي، لأنه داعم لمسار أستانة الذي لا توافق المعارضة السورية عليه، والذي لا تُبدي واشنطن حماسة له، كذلك لأن هناك خلافات واسعة بين الهيئة العليا للتفاوض، وبين الكثير من قوى وتيارات المعارضة السياسية السورية حول مبدأ المشاركة في مؤتمر سوتشي، ومن الممكن جداً أن يحدث انفجار بين هذه القوى والتيارات فيما لو قررت الهيئة العليا للتفاوض أن تُشارك في سوتشي دون موافقة الأطراف المُكوِّنة لها، كما أنه يصعب الحصول على شرعنة لمسار سوتشي في مجلس الأمن، ولن يقبل الكبار في مجلس الأمن تحويل "الحوار السوري" في سوتشي من مؤتمر واحد هامشي إلى عملية سياسية منافسة لمفاوضات جنيف.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on