Friday,15 December, 2017
Current issue | Issue 1372, (7 - 13 December 2017)
Friday,15 December, 2017
Issue 1372, (7 - 13 December 2017)

Ahram Weekly

قصة نهاية صالح

"تفاصيل الأيام الأخيرة لصراع صنعاء مغامرة "الزعيم" تقوده إلى الموت رسالة صنعاء يكتبها حسام رادمان

تكتيكات اللحظة الأخيرة أعادت "الزعيم" مجددا إلى واجهة الأحداث.. الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح أخذ قدره المعهود من النجومية ، واكتسح الإعلام الخليجي والعربي والعالمي زعيما لـ "انتفاضة صنعاء" ، لكنه في اليوم التالي تصدر العناوين "شهيداً" للجمهورية  والعروبية في وجه "حلفاء إيران".

ثلاثة أيام كانت الفترة الزمنية الفاصلة بين حدثي الزعامة والشهادة ، اجتهد فيها المحللون لتوقع سيناريوهات مستقبلية واصطفافات سياسية سيكون لصالح دور محوري في تشكيلها ،أكثرهم تشاؤما لم يكن يتوقع نهاية دامية وسريعة كهذه .. صحيح أن الألفية الثالثة حملت نهايات درامية لكثير من الزعماء العرب بين من عزل ومن سجن ومن أعدم ومن سحل ، لكن صالح ظل استثناءً سياسيًا نتيجة مرونته وواقعيته .

نجاته من الموت المحقق في "جامع النهدين" رفعته إلى مصاف "الأسطورة" في خيال العامة من أبناء الشعب اليمني، حتى أولئك الذين يكنون له ضغينة سياسية أو شخصية ظلوا يقرون له بالدهاء والفاعلية.

خبر مقتله مثل للسواد الأعظم من اليمنين صدمة حقيقية امتزجت ببعض من الحزن وكثير من الخوف ، مشاعر حسرة متناقضة مع ما تمنوه لسنوات . لا يتعلق الأمر بما لمسوه من عهد صالح الذي اقترن بالفساد والتسلط وبقدر محدود من الاستقرار، بل بما يرونه من مؤشرات معتمة تفيد بمستقبل سوداوي لا تفهم معالمه ولا يمكن التعويل على بدائله ..

لماذا صعد صالح؟!

في 2012 احترق جسد الرئيس اليمني بصواريخ خصومه ، لكنه تجنب إحراق صنعاء انتقاما مما حدث له (بحسب مؤيده فإن شعوره الوطني هو مبعث تعقله، وبالنسبة لخصومه فإن توحد غرمائه وحالة السخط الشعبي جعلته يفضل الانحناء للعاصفة)، وعوضا عن التصعيد قرر صالح الانخراط في عملية سياسية تنازل بموجبها عن السلطة ، لكنه بالمقابل انتزع لحزبه حيثية سياسية وازنة شملت نصف الحكومة والسلطة.

 حينها تحدث صالح بوضوح إلى جميع فرقائه الموقعين على المبادرة الخليجية : "المهم ليس الاتفاق، المهم حسن النوايا".

لم يثق أحد بنوايا صالح ، الذي ظل من موقعه كرئيس لأكبر حزب يمني ، يدير متناقضات المشهد السياسي ويدفع خصومه إلى مزيد من التوريط الذي انتهى بتصفية من أحرقوه (حزب الإصلاح وبيت الاحمر وعلي محسن) وتسليم الدولة لمن قتلوه لاحقا (الحوثيين).

بعد حصار هادي وإصدار الحوثيين لإعلانهم الثوري،  بدا صالح مستهدفا بشكل مباشر من تحركات الحوثيين وجاءته توجيهات صريحة من الرياض بالتحالف مع الإصلاح لمواجهة الحوثي ، لكنه رفض ذلك وفضل إدارة التوازنات بالطريقة السياسية المعهودة وتجنب الصدام. و مع انطلاق عاصفة الحزم وجد صالح نفسه مرغما على التحالف مع الحوثيين في وجه ما وصفوه "بالعدوان" ، وقد حاول الطرفان تطوير تحالف الضرورة من خلال إعلان المجلس السياسي لكن الخلافات ظلت تتنامى حتى تدحرجت إلى الشارع في أغسطس الماضي ، ومن ثم احتكمت إلى البارود في نهاية نوفمبر.

تفضيلات صالح السياسة وموازين القوى العسكري في العاصمة، رجح بتجنب الرجل لخيارات التصعيد ، فهو لن يقوى على تحقيق اهدافه من خلالها ، لكن التطور الدرامتيكي للأحداث ألح مجددا بالسؤال القديم : هل قرر صالح المواجهة بملئ إرادته ، أم أن تدافع الأحداث هو ما أجبره على اتخاذ هذا القرار؟

ذكاء الرجل وخبرته السياسية تقولان إنه لن يسئ التقدير عسكريا وسياسيا على هذا النحو الكارثي ، والراجح أنه رسم مساره الأخير بمنطق رد الفعل .. أو هذا ما يمكن استنتاجه من تسلسل الأحداث التي بدأت مع مناوشات جامع الصالح ومحاولات الحوثيين  اقتحام منزل طارق محمد عبدالله صالح الرجل العسكري الأول في المؤتمر وابن شقيق رئيس الحزب.

المعلومات أفادت عن وجود لقاءات مكثفة جمعت الحوثيين بالجانب السعودي ، وأن محمد عبدالسلام الناطق باسم الجماعة ، وجه للرياض تطمينات حقيقة بخصوص علاقتهم بإيران ، وقد مثلت هذه اللقاءات توطئة لاستئناف الحوار السري بين الطرفين عبر قناة ظهران الجنوب والتي انقطعت بمجرد صعود ولي العهد الجديد الذي أظهر انحيازا سياسيا لمصلحة الرئيس السابق.

ولعلها لم تكن صدفة أن تتقاطع تحركات الحوثيين لاستهداف منزل طارق ومنزل ياسر العواضي القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام ، مع تصريحات خالد الجبير التي قال فيها إن من حق الحوثيين الاشتراك في العملية السياسية باليمن. وبأثر رجعي يمكن الوقوف عند مسار المواجهات ومصير صالح الذي انتهى بالقتل للتأكيد على أن تصعيده لم يكن مبيتاً بل جاء كرد فعل جذري على تدافع الأحداث المؤدية بالضرورة إلى محاصرته أو تهميشه .

موقع صالح المعارض للحوثيين والمعادي للرياض لم يكن ليضمن له قوة دفع ذاتية كاملة ، لذا فإن اندفاعته الأخيرة اقترنت باستدارة سياسية أمنت له بعضا من التفوق التكتيكي بإدخال عنصري التحالف والقبيلة إلى معادلة الصراع ، لكن هذه الاستدارة جعلته مكشوف الظهر بعد أن هزت مصداقيته كشريك في "مواجهة العدوان".

كيف أدار صالح الصراع؟!

في الثلاثين من نوفمبر تحولت فعالية "المولد النبوي" للحوثيين إلى مقدمة لعمليات أمنية استهدفت مناطق نفوذ صالح وبعض قيادات الصف الأول في حزبه وفي منظومته الأمنية والعسكرية ، تلك التحركات مثلت أمراً اعتياديا في قواعد الاشتباك بين حليفي صنعاء وهي تتطور عادة إلى اشتباكات أمنية محدودة يجري ضبطها فوقيا من قيادات الطرفين.

لكن تصعيد الحوثيين أشعل شرارة انفجرت في مساء الأول من ديسمبر حيث لم يكتف صالح بامتصاص الصدمة الأمنية والرد شعبيا بل تطور الإمر إلى مواجهات واسعة تراجعت على أثرها قوات الحوثيين ، وفي المساء أصدر حزب المؤتمر الشعبي العام بيانًا يطالب فيه القيادات العسكرية والأمنية بعدم الانصياع لأوامر الحوثيين، وجرى توسيع المعارك ليستعيد صالح على أثرها مواقع ومعسكرات حيوية جنوب العاصمة ، مثل معسكر السواد ومعسكر 48 ومبنى الأمن القومي ومعسكر الحرس، بالإضافة إلى انتشاره العسكري في شوارع وأحياء جنوب العاصمة التي تمثل مناطق نفوذ جغرافي له ولقيادات في حزبه .

تحركات الحرس الجمهوري وبيان المؤتمر، وسخط الناس في الشارع ، أهل صالح حينها لإعادة ترسيم الجغرافيا العسكرية بالعاصمة، بحيث يتمركز في جنوبها بينما الحوثيون يتمركزون في شمالها، وعلى هذا الأساس كان الراجح ان يستثمر صالح هذه الضربة العسكرية سياسيا من خلال فرض أصول شراكة جديدة على الحوثيين ، لكن الرجل ذهب أبعد من ذلك بكثير.

لم تكن تقديرات صالح ترى إمكانية للتحاور مع الحوثيين ، كما أن تقديراته العسكرية تقول إن قوته لا تخوله لإعلان "انقلاب على الانقلاب" وفي الأخير فإن التوازن الذي رسمه في الجمعة لا تخدمه حقائق القوة ، لذا فإن صالح أطل تلفزيونيا في الثاني من ديسمبر ، ليدعو الناس إلى "انتفاضة شعبية " بوجه الحوثيين ، والأهم من ذلك أشار ضمنا إلى استعداده للحوار مع الرياض وفتح صفحة جديدة . أراد صالح إدخال التحالف العربي في الصراع كعنصر قوة له ولحزب،  واستغلال حالة الغليان الشعبي والقبلي ضد الحوثين لرفد قواته.

على الفور تبدلت الاصطفافات قنوات الخليج حولت الرئيس المخلوع إلى رئيس سابق ، والتحالف بارك انتفاضة صنعاء، والشرعية أبدت استعداها للتصالح مع ما مضى ، وباشر الطيران مساءً قصف مواقع للحوثين بما بدا وأنه تنسيق عملياتي ، أما دور القبائل فلم يتطور باتجاه العاصمة لكنه عمل على تأخير واعتراض التعزيزات الحوثية على تخوم صنعاء.

صالح كسب نسبيا الجولة الثانية . وفي اليوم التالي وبينما كان زخمه الإعلامي يتصاعد فإن مواقعه الميدانية كانت تتهاوى،  وبعد أن تقسمت العاصمة إلى شطرين ، جاهد مقاتلو صالح للاحتفاظ بمربعاتهم الأمنية في شارع الجزائر وفي الحي السياسي والذي سقطت لاحقا بعد وصول التعزيزات الحوثية وقصف الأحياء بالدبابات .

يوم الأحد مثل نكسة حقيقة للمؤتمرين، وشهد الحزب حالة انقسام حاد بين من وصف اندفاعة صالح بالانتحار السياسي ورأى ضرورة العدول عن قرار المواجهة والاستجابة لخطاب عبدالملك الذي فتح هامشا للتحاور، وبين من أيد صالح حتى النهاية ورأى ضرورة الانخراط مع التحالف الداعم الشرعية لأنه الوحيد القادر على تعديل التوازنات ودعم المواجهة. "صالح لم يحظر الاجتماع وقد له من السبت محد داري اينه!" علق أحد القيادات المقربة من صالح.

عصرًا، أصدر المؤتمر الشعبي العام بياناً يدعو فيه إلى الحوار ويقول إن كلمة صالح فهمت على نحو خاطئ . و بعد ساعات ظهر من يقول إن موقع المؤتمر الإلكتروني اخترق ونشر فيه هذا البيان ، في حين أكدت مصادر مطلعة أن التيار المهادن هو من فعلها قبل أن يضغط تيار التصعيد لنفي ما جاء بالبيان. ومع منتصف ليل الاثنين نشر صالح كلمة مقتضبة على موقعه في فيسبوك أكد فيها على خيار التصعيد والمواجهة ، وغير من حججه السياسية حيث ربط موقفه التصعيدي بمتغيرات المنطقة وأصبحت التبعية لإيران هي مسوغ العداء ضد الحوثيين ، هذه الخطابة بدت أانها استكمال للاستدارة السياسية باتجاه العداء المطلق للحوثي والتقارب المتنامي مع الرياض ، كما أنها خطوة ضرورية للحفاظ على وحدة المؤتمر الشعبي .

عمليًا، بدأ صالح بالتحضير للخطة "ب" ، صحيح أن مؤشرات تقاربه مع الرياض صارت واضحة لكن ملامح تحالفهم مازالت مبهمة فهي وليدة تحركات تكتيكية وليست مبنية على تفاهمات سابقة ، كما أن مواجهته للحوثين باتت أمرًا محسوما ، لكن كيفية المواجهة وشكل المعركة مازال ينتظره مزيد من الأعداد.

 كان صالح بأمس الحاجة لإعادة تموضعه العسكري والسياسي وذلك بالخروج من العاصمة بعد أن خسر الجولة الثالثة من صراعه، غير أن رصاصة قناص حوثي وعلى تخوم صنعاء ، أنهت مسيرة سياسية حافلة بالتحولات والتناقضات.. مسيرة قائد بنى مجده السياسي باعتباره مؤسس الجمهورية اليمنية .. ومات وهو يحرض مؤيديه على استعادتها من الحوثيين.

صارح  صالح الجميع في آخر كلمة له: "ساعة الصفر قادمة " ، ثم إذ بصاحبها يرحل.

 


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on