Friday,15 December, 2017
Current issue | Issue 1372, (7 - 13 December 2017)
Friday,15 December, 2017
Issue 1372, (7 - 13 December 2017)

Ahram Weekly

المعارضة السورية في مواجهة ضغوط المؤتمرات

تكثر المؤتمرات الباحثة عن حل للأزمة السورية، في أستانا والرياض وجنيف وسوتشي، لكن كل هذه الحركة الحثيثة لم تستطع تقديم أي حل ولم تخط خطوة واحدة نحو السلام, رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

واجهت المعارضة السورية خلال الأسبوع الماضي استحقاقين، الأول مؤتمر الرياض 2، الذي انتهى بتغيير الهيئة العليا للمفاوضات بهيئة جديدة، واستراتيجيات وسقوف جديدة، والثاني هو الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف، والذي كان من المفترض أن تنتهي أعماله مع نهاية الشهر لولا أن المبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي مستورا قرر تمديد أعماله، دون إيضاح سبب تمديد الأعمال خاصة وأن أي تقدّم لم يحصل خلال هذه الجولة من جنيف، حالها كحال الجولات السابقة من سلسلة مؤتمرات جنيف، التي يخشى السوريون أن لا يكون لها نهاية أبدًا.

انتهى مؤتمر الرياض 2 بإعلان المعارضة السورية عن هيئة تفاوضية جديدة، تضم منصة موسكو التي دأبت المعارضة السورية على رفض التحالف معها طوال سنوات بسبب موقفها الرخو والمتطابق في الكثير من جوانبه مع موقف النظام السوري. وفضلاً عن هذا التنازل، صدر عن المؤتمر بيان ختامي حدد سقفًا جديدًا للهيئة التفاوضية، ليس فيه ذر لمصير رئيس النظام السوري بشار الأسد، بعد ضغوط روسية.

كذلك أبدى أعضاء في الهيئة التفاوضية مرونة تجاه المشاركة في مؤتمر سوتشي الذي دعت إليه روسيا، وأجّلته حتى فبراير 2018، واعتبر الكثير من المعارضين السوريين هذه المرونة تنازلاً إضافيًا للهيئة التفاوضية.

وفيما يتعلق بمؤتمر جنيف، فقد كانت بداياته غير مُبشّرة، وتحمل دلائل مسبقة على فشله، فالنظام السوري تردد في المشاركة، واضطر لها تحت ضغوط روسية، فيما لم تجر أي مفاوضات مباشرة، وظلّت رهينة الوسيط الدولي الذي ظلّ يتنقل من قاعة إلى أخرى حاملاً اقتراحات لم يوافق عليها بشكل جاد أي من الطرفين، المعارضة والنظام، وما يدلّ على انخفاض أهمية المؤتمر أن تركيز المبعوث الأممي خلال المؤتمر كان على الهوامش وليس على الأصل، فقد دعا عدد كبير من السوريين ليشاركوا في ورشات عمل ولجان قانونية ودستورية ونسائية وأهلية وغيرها، بعضهم يكتب الدستور، وبعضهم يضع قوانين للتفاوض وللمرحلة الانتقالية، وبعضهم يضع الوسائل الناجعة لزيادة المشاركة النسائية، وغير ذلك/ بينما من المفترض، وفق كل القرارات الدولية، بدءًا من بيان جنيف 1 لعام 2012، أن تكون هذه المهام من وظيفة هيئة حاكمة انتقالية يتم تشكيلها في بداية المرحلة الانتقالية، وهي التي تعمل لاختيار اللجان المشتركة التي ستكتب الدستور وقوانينه المًكملة.

في جنيف، انتقد كثير من المعارضين السوريين ورقة الحل التي تقدّم بها الوفد المفاوض المعارض في المؤتمر، ووصفوها بأنها "لا علاقة لها بالثورة وثوابتها"، وفيها تنازل والتفاف على المرحلة الانتقالية بأكملها، وطالبوا الوفد المفاوض بالمزيد من الشفافية والتمسك بمطالب المعارضة.

طرحت الهيئة التفاوضية العليا التابعة للمعارضة السورية ورقة حل تتضمن 12 بندًا، مقابل ورقة تقدّم بها المبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي مستورا، قالت الهيئة إن منصة موسكو والقاهرة متفقة بشأنها ضمن الهيئة.

تنص الورقة (الوثيقة) على الالتزام بسيادة سوريا واستقلالها وسلامتها الإقليمية ووحدتها أرضًا وشعبًا، ويقرر الشعب السوري وحده مستقبل بلده بالوسائل الديمقراطية من طريق صندوق الاقتراع، ويكون له الحق في اختيار نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي من دون أي ضغط أو تدخل خارجي طبقاً لميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن.

كما تنص على أن سوريا ديمقراطية غير طائفية، دولة المواطنة المتساوية، والتعددية السياسية وسيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والمساواة الكاملة والتنوع الثقافي وحماية الحريات العامة وحرية المعتقدات، مع ضرورة اتخاذ تدابير فعالة لمكافحة الفساد وسوء الإدارة، وهي جزء من العالم العربي، وتلتزم باللامركزية الإدارية، ويكفل دستورها إصلاح الجيش السوري على أسس وطنية ملتزماً الحياد السياسي ومهمته حماية الحدود الوطنية ومكافحة الإرهاب، ويكفل إعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات الأمنية بحيث تكون مهمتها الحصرية صيانة الأمن الوطني وأمن المواطن وتخضع للقانون.

كما تنص على أن الدولة تلتزم بعدم التمييز والمساواة في الحقوق والفرص بغض النظر عن العرق أو الدين أو الإثنية أو الهوية الثقافية أو اللغوية أو الجنس، وتضمن تمثيل النساء في المؤسسات ودوائر صنع القرار بما لا يقل عن 30 في المائة وصولاً إلى المناصفة.

ويضمن دستورها الحقوق القومية للمكونات، ولغاتهم لغات وثقافات وطنية، واعتبار القضية الكردية جزءاً من القضية السورية، وإلغاء السياسات التمييزية التي مورست بحق الأكراد، وإعادة الجنسية للمجردين ومكتومي القيد. وأخيرًا يؤكد على مبدأ المساءلة والمحاسبة على ما ارتكب ويرتكب من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين بموجب القانون الجنائي الدولي.

واعتبر كثيرون أن الورقة تعترف وتُشرّع النظام السوري، ولو بشكل جزئي، وتتخلى عن شرط تنحيه، كما تتخلى عن شرط وجوده في سورية المستقبل، وتقبل ضمنياً بمشاركة النظام وأركانه في المرحلة المقبلة، بغض النظر عن جرائم الحب التي ارتُكبت بأيديهم.

تراهن موسكو على بحث ملفي الدستور والانتخابات وإقرار المبادئ السياسية للحل السوري بين المعارضة والنظام، وتبذل جهدها لترتيب الأرضية لعقد مؤتمر باسم "مؤتمر الحوار الوطني السوري" في سوتشي في فبراير المقبل، بغطاء إقليمي، يبحث كل ما سبق ويُشرعنه، بينما يراهن النظام السوري على طهران وبكين لنقل التركيز إلى إعادة الإعمار والاستمرار في محاربة الإرهاب وتأجيل التسوية السياسية.

تكثر المؤتمرات المتعلقة بالقضية السورية، وتنتقل من عاصمة إلى أخرى، ومن مدينة إلى أخرى، ويشارك فيها لاعبون محليون وإقليميون ودوليون، وتكثر الاقتراحات والوثائق والطروحات، وترتفع المناورات الدبلوماسية والرهانات المتنـاقضة، وتسود موجة من التفاؤل في كل مرة ينعقد فيها مؤتمر، لكن أياً من عشرات المؤتمرات التي عُقدت لم يصدر عنه أي قرار عملي تنفيذي، أو نتيجة إيجابية ملموسة، والجميع يُركز على مكافحة الإرهاب، وينسى جوهر المأساة السورية، وأولوية تغيير النظام السياسي وفق ما اتّفقت عليه الدول الكبرى عام 2012 في  جنيف، ضمن ما يُعرف باسم (بيان جنيف 1)، وتبقى الحلقة مُغرفة ودون نتيجة، ويعمل الجميع على تركيب حلول تجميلية ترقيعية مؤقتة، وحتى هذه لا ينجحون بها بشكل جيد.

 

خلال سبع سنوات من الجهود الدولية لحل الأزمة السورية، وعشرات المؤتمرات والاجتماعات الدولية، لم يكن النظام السوري مستعدًا لتقديم تنازلات تسمح بتوسيع المشاركة السياسية حتى ضمن حدودها الدنيا، ودفع لفشل الفواضت كل مرة، ووجد في إيران داعمًا له، كما وجد في روسيا حاميًا له، وصارت القوى الواقفة إلى طرف النظام تُماطل وتُعرقل أي تسويات ممكنة، وسط عدم اكتراث أمريكي بنجاح أي من هذه المؤتمرات والاجتماعات، وأغرق النظام السوري هذه المؤتمرات بالتفاصيل، وحرفها عن هدفها الأساس، وأفرغها من محتواها، وصار يضع جداول أعمال لا علاقة لها بالتغيير والانتقال السياسي، كما صارت أولوية الدول الكبرى والإقليمية محاربة الإرهاب، وتُركت المعرضة السورية تُعارك النظام وحدها دون أي داعم أو حليف.

ومن المرجح أن تستمر المؤتمرات، سواء جنيف أم استانا أم سوتشي عبثية ودون جدوى، طالما استمر النظام على موقفه، والروس على ثباتهم إلى جانبه ودفاعهم عنه، ولن يحصل أي اختراق بطرف النظام، ولن تنتقل المفاوضات إلى مستوى المفاوضات الجدية، وستستمر الضغوط على المعارضة وحدها، ضغوط تدفعها للتنازل وخفض سقف المطالب والتساهل، وهو ما يحصل.

قد تقبل قوى المعارضة السورية التنازل، وقد تقبل رموز المعارضة وشخصياتها هذا التنازال أيضًا بحجة أنه أفضل من لا شيء، لكن بالتأكيد، لن يقبل به نحو مليون طفل يتيتم، ومثل عددهم من الأرامل، و12 مليون من المهجّرين والنازحين الذين خسروا تقريبًا كل شيء بسبب حرب النظام ورفضه للتغيير.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on