Saturday,20 January, 2018
Current issue | Issue 1373, (14 - 20 December 2017)
Saturday,20 January, 2018
Issue 1373, (14 - 20 December 2017)

Ahram Weekly

بين "سوتشي" روسي و"جنيف" أمريكي

مرّت جولة ثامنة جديدة من مؤتمر جنيف المخصص لحل الأزمة السورية دون جدوى، ويتمنى الروس والنظام السوري أن يفشل كليًا لينتقلوا إلى مؤتمر سوتشي الذي سيعزز سيطرة روسيا على الملف السوري برمته، رسالة دمشق ـ باسل العودات

كما كان متوقعاً، لم يحدث خلال الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف المتعلق بالأزمة السورية أي اختراق، ولم يلتق وفدا النظام والمعارضة حتى في ممرات مبنى الأمم المتحدة، ولم ينتج عنها أي مؤشر يمكن أن يُستدل منه أن الطرفين قابلين للحوار أو المفاوضات، وأبدى وفد النظام السوري الكثير من اللامسوؤلية، حيث ترك المؤتمر بمنتصف وغادر إلى دمشق ولم يعد لجنيف مرة ثانية إلا بعد جهد وتردد.

خلال الجولة الثامنة لمفاوضات جنيف، اهتم المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا بالهوامش واللجان الاستشارية أكثر من اهتمامه بوفدي النظام والمعارضة، وجمع عددًا كبيرًا من السوريين في ورشات عمل ليست من صلب مفاوضات جنيف، لجان قانونية ودستورية ونسائية وأهلية وغيرها، ولم يُبد أي جدّية برغبته أن يجتمع وفدا المعارضة والنظام بشكل مباشر، ربما لقناعته بأن الأوان لم يحن بعد لجمعهما على طاولة مفاوضات مباشرة، فراح يهتم بالشكليات أكثر من اهتمامه بأساس المشكلة.

قدّم المبعوث الأممي لوفدي النظام والمعارضة "وثيقة مبادئ للحل السياسي في سوريا"، تضم 12 مبدأ، تضمنت تصوّره لمستقبل سورية بموجب القرار 2254، أكّدت على الوصول إلى "دولة لا طائفية" و"جيش وطني" وأجهزة الأمن تعمل بموجب الدستور، ومبدأ اللامركزية، والالتزام الكامل بالسيادة والاستقلال، وأهمية الوسائل الديمقراطية وصناديق الاقتراع، وحق السوريين باختيار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الخاص بهم من دون الضغوط أو التدخلات الخارجية، وسيادة القانون وفصل السلطات والحوكمة الشفافة ومكافحة الإرهاب، وزيادة تمثيل النساء.

بالمقابل قدّمت المعارضة السورية ورقة تتقاطع كثيراً مع ورقة دي مستورا، لكنها تُشير إلى أن تطبيق هذه البنود لا يمكن أن يتم بوجود الرئيس بشار الأسد، وطالبت بإعادة هيكلة وتشكيل المؤسسات الأمنية.

بالمقابل، اتّهم بشار الجعفري، رئيس وفد النظام السوري، المبعوث الدولي بـ "تجاوز ولايته" بسبب تقديمه ورقة المبادئ السياسية دون استشارة مسبقة، ثم سلّم وفد النظام ورقة للمبعوث الأممي، ركزت على مكافحة الإرهاب، ومؤازرة الجيش والقوات المسلحة، ووقف تمويل الفصائل المعارضة، ورفع العقوبات، وعقد مؤتمر لإعمار سوريا من دون شروط.

تجاهل الجميع الانتقال السياسي، بمن فيهم المعارضة، وصار لدى الأمم المتحدة ثلاث وثائق متضاربة، تعكس الرؤى المتناقضة للأطراف، لكنها لا تحوي جديدأً، وخمس سنوات من مؤتمرات جنيف لم تستطع تقريب وجهات نظر الأطراف، ولا حتى على توافقهم على أسس ومرجعيات الحل، فالنظام السوري مازال متمسكأً ببنود لم تتغير منذ انطلاق الثورة، تُختصر بأن ما جرى "مؤامرة" يجب أن تنتهي كلّيأً، يليها بحث إمكانية إشراك المعارضة السورية بالحكومة (لا بالسلطة)، عبر "حكومة وحدة وطنية"، مع بقاء النظام ورموزه على حالهم، وشجّع النظام السوري على التمسك بهذا الموقف الدعم الإيراني بداية، ثم الروسي تاليأً، كما سّهل عليه المضي دون تغيير عدم اكتراث الولايات المتحدة وعجز الغرب.

تحاول كل الأطراف الضغط على المعارضة السورية، بشكل مباشر وغير مباشر، فالروس ضغطوا عليها لتقبل بضم (منصة موسكو) إلى الهيئة العليا للتفاوض ونجحوا، ويضغطون بكل الوسائل من أجل إقناع المعارضة السورية سحب بند رحيل الأسد من أدبياتها، أو على الأقل تجميده، ويضغطون كذلك لتليين موقف المعارضة السورية الرافض من لمؤتمر سوتشي الذي تريد روسيا عقده العام المقبل، وتسعى من أجل أن يكون بديلأً عن كل المؤتمرات السابقة بما فيها جنيف.

كذلك تضغط الدول الحليفة للمعارضة السورية عليها بشكل غير مباشر، من خلال تمرير بعض المطالب الروسية، أو تخفيف الدعم العسكري والمادي والسياسي، كما أن عدم اكتراث الولايات المتحدة بالمعارضة السورية ومطالبها وأهدافها هو نوع آخر من أنواع الضغوط على المعارضة السورية، وحتى الدول الأوربية بدأت تدعو المعارضة السورية لبعض البراغماتية والتراخي الجزئي باسم الواقعية السياسية.

تعترف الأمم المتحدة أن القضية السورية قضية معقدة وصعبة، وأن حلّها يجب أن يستند إلى توافق محلي وإقليمي ودولي، وتشدد كل مرة على ضرورة حصول اختراق في جنيف، اختراق يكسر الركود والتكرار واللا واقعية، لكنها لا تتخذ أي قرارات من شأنها دفع العملية قدمأً نحو الأمام، ذلك أن الأمر يعتمد على مجلس الأمن، وهذا الأخير محكوم -بما يخص القضية السورية- منذ سبع سنوات بالفيتو الروسي المتكرر، الذي استخدمته روسيا عشر مرات خلال سبع سنوات لتُعطّل أي قرار يُمكن أن يُسهّل حل القضية السورية أو إيقاف المأساة في هذا البلد.

خلال ثماني جولات من مؤتمر جنيف ومحاولات التسوية، وما بينها من جولات أخرى لمؤتمرات أخرى، في بروكسل وموسكو وأستانا وغيرها، لم يكن النظام السوري مستعداً لتقديم تنازلات تسمح بتوسيع المشاركة السياسية حتى ضمن حدودها الدنيا، وبقي متشبثأً بالحل العسكري، متعاملأً مع المعارضة السورية، سواء المنتفضين المدنيين أو المعارضة السياسية أم الفصائل العسكرية كإرهابيين، لا يعترف بوجودهم ولا بأي شيء من مطالبهم، وأصرّ على القضاء على "المؤامرة الكونية" وفق تعبيره، فأفشل كل جولات جنيف الماضية، وأغرق المعارضة والمبعوث الأممي المُشرف على هذه المفاوضات بالتفاصيل، وماطل، وحاول تغيير أولويات التفاوض، وتفريغ جنيف من محتواه عبر إدراج مسألة الحرب على الإرهاب كبند وحيد فيه.

كان يُعتقد أن دي مستورا يُراهن على تدخّل موسكو وعواصم غربية أخرى لإنقاذ المفاوضات، وللدخول في جوهر المفاوضات المباشرة وبحث مبادئ الحل السياسي والانتقال لبحث ملفي الدستور والانتخابات، لكن شيئأً من هذا لم يحدث، وبقيت المفاوضات تراوح مكانها، وسط عدم اكتراث من وفد النظام، وتقطّع في الحضور، وغياب أخّر كثيرأً الجلسات التفاوضية.

لكن يبدو أن موسكو ليست جادّة بما تقول، وأن تصريحات مسؤوليها ذر للرماد في العيون، وأنها أيضًا تراهن على مؤتمر سوتشي "للحوار الوطني" المرتقب انعقاده بدايات عام 2018، كما راهنت سابقأً على مؤتمر أستانا، بتطويع المعارضة أكثر وأكثر، تحت إشراف روسي - إيراني - تركي، مع أملها أن يحل هذا المسار مكان كل المسارات السابقة وعلى رأسها مسار مؤتمر جنيف.

يقول المعارض السوري مشعل العدوي: "لقد تغيّب النظام عن غالبية الجولة الثامنة من مؤتمر جنيف، مُحتجًا على شرط رحيل رأس السلطة، علماً بأن ذات الشرط كان موجودًا وبصيغةٍ أقوى في أدبيات الهيئة العليا السابقة، وفاوض وفد النظام طوال سبع جولات بوجود هذا الشرط، فلماذا يرفض هذا الشرط اليوم؟".

ويضيف: "لقد أتى الرفض لمجرد تخريب عملية جنيف التفاوضية من أجل إجبار المعارضة السورية والمجتمع الدولي على الذهاب إلى سوتشي كي تستكمل روسيا عمليتها بفرض رؤيتها للحل بعيدًا عن القرارات الأممية وبعيداً عن مقر الأمم المتحدة، الذي تخطط روسيا للعودة إلية بعد انتهاء مؤتمر سوتشي ليكون مقر الأمم المتحدة مكاناً لتوقيع ما سيتم فرضه في سوتشي كصيغة حل، أي تزوير إرادة السوريين وإخضاعهم لدستور يجعل من سورية شيشان ثانيه تتبع الفلك الروسي".

ضمن هذه الظروف، يبدو أنه على المعارضة السورية، وخاصة الوفد التفاوضي التابع للهيئة التفاوضية العليا، أن يستمر بالتمسك بثوابت لابد منها، ولا يمكن إيجاد حل عادل للقضية السورية دونها، وهي مبادئ مقبولة في نفس الوقت من المجتمع الدولي، وتشمن الانتقال السياسي السلس في سورية من نظام شمولي عسكري طائفي إلى نظام ديمقراطي تشاركي مدني تعددي، وعلى رأسها التمسك ببيان جنيف واحد لعام 2012، الذي أعلنته القوى الكبرى، وباركته القوى الإقليمية الأهم، والتمسك بتشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية ذات الصلاحيات التنفيذية الكاملة، وفق ما نص عليه بيان جنيف 1.

يبدو مؤتمر جنيف للمراقب كساحة المناكفة الروسية - الأمريكية، فروسيا تسعى لتهميش هذا المؤتمر الذي أنتج قبل خمس سنوات بياناً متوافق عليه دولياً، يؤدي إلى نهاية حتمية للنظام السوري فيما لو طُبّق، بينما تريد الولايات المتحدة استمراره دون أن ينجح في الوقت الراهن، ذلك لأنها لا تستعجل الحل، وتُفضّل أن يبقى الملف السوري مفتوحاً، لكن هذه الساحة المفتوحة تمنع وضع حد للمأساة السورية، التي أنتجت مشكلات إقليمية ودولية متعددة الأشكال والخطورة، ليس اولها تنظيم الدولة الإسلامية، وانتشار وتكاثر الميليشيات الطائفية المدعومة من إيران، ولا مشكلات اللجوء والنزوح، ولا الإرهاب العابر للحدود من وإلى سوريا، واستمرار هذه الساحة مفتوحة للمناكفات سيولد مخاطر أخرى في المدى القريب والمتوسط.

من واجب الدول الكبرى أن تحترم مبادئها والتزاماتها ودساتيرها، وخاصة لجهة حقوق الإنسان ومصالح الشعوب ومصائرهم، واحترام الاتفاقيات والعهود، والعمل على الحد من انتشار إرهاب الدولة والأنظمة، والابتعاد عن استخدام أراضي الغير كساحات مبارزة دولية، واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرهم، ومنع الدول المارقة ذات المشاريع القومية والدينية والاحتلالية من التدخل بشؤون الغير، ودون ذلك فإن هذه الدول الكبرى تُساهم في تدمير الشرق الأوسط حاضرًا ومستقبلاً.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on