Wednesday,26 September, 2018
Current issue | Issue 1374, (21 December 2017 - 3 January 2018)
Wednesday,26 September, 2018
Issue 1374, (21 December 2017 - 3 January 2018)

Ahram Weekly

سوريا..معارضة تعترف بالخطأ ونظام يولد العنف

يعترف المعارضون السوريون بوجود أخطاء في مسيرة الثورة، ويحاول الناشطون الكشف عنها بهدف تصحيحها، لكنهم جميعًا متفقون على أن عنف النظام السوري هو الذي ولّد جميع هذه الأخطاء.. رسالة دمشق يكتبها  باسل العودات

مرت الثورة السورية بمراحل عديدة، ربما أكثرها دقة وحرجاً المرحلة الراهنة، فالخلاف حول وسائلها ونتائجها ليس بين الأطراف المؤيدة للنظام والمؤيدة للثورة فقط، بل وأيضًا بين الأطراف المؤيدة للثورة وداخل صفوف المعارضة ذاتها، كما أن المجتمع العربي والدولي غير متفق في الموقف تجاهها، فضلاً عن صراع القوى الكبرى حول مصالحها عبر بوابة الثورة السورية.

رغم أن المعارضة السورية تؤكد على أهمية الثورة وضرورة وحتمية انتصارها، إلا أنها لا تجد حرجًا من انتقاد أخطاء الثورة علنًا ومن كافة الزوايا، ويدعو المحتجون والمعارضون إلى ضرورة تجاوز هذه الأخطاء وتصحيح المسار للوصول إلى النتائج المرجوة بأسرع وأفضل الوسائل.

أخذت بعض أطراف المعارضة السورية والدولية مآخذ على تسليح الثورة وأسفت لأنها تخلت عن سلميتها، فيما انتقد آخرون أداء المعارضة السياسية في سوريا وانقساماتها وتشتتها وكثرة تياراتها وأحياناً فسادها، واعتماد بعضها على التدخل العسكري الخارجي كحل وحيد لإنهاء الصراع، ورأى آخرون أن أحد أخطاء الثورة الرئيسية هو عدم وجود تنسيق واضح ومُقنِع مع المجتمع الدولي، وارتهان بعض قوى المعارضة لدول خارجية وهيمنة هذه الدول على قرار هذه القوى المعارضة، فيما رأت قوى معارضة سلمية أن رفض التفاوض مع النظام، أقلّه على طريقة التحول السياسي وانتقال السلطة، هو خطأ يجب الانتباه إليه.

لكن في نفس الوقت، تُلقي المعارضة السورية المسؤولية عن تحوّل الثورة من سلمية إلى مسلّحة على النظام لأنه استخدم الحل الأمني والعسكري ثم الأسلحة الثقيلة في محاولته قمع الثورة، كما ترى أن تشتت وانقسام المعارضة هو نتيجة من نتائج التضييق والقمع الذي كان ينتهجه النظام السوري طوال أربعة عقود، وأن عدم اتفاق المجتمع الدولي ناتج عن اختلاف مصالحه وليس عن سوء أداء الثورة، أما التفاوض مع النظام فهو برأي الشارع خيانة عظمى للثورة.

لاشك أن انتقاد الثورة السورية بهدف تصحيح مسارها هو نقطة إيجابية لصالح المعارضة، خاصة وأن الطرف الآخر، النظام، لم يعترف بالثورة أو بالانتفاضة في أي يوم منذ بدايتها قبل عشرين شهراً، واستمر بأسلوبه الإقصائي للآخر، واعتبر الثورة "مؤامرة كونية" تتشارك فيها إسرائيل والولايات المتحدة والغرب وبعض الدول العربية كقطر والسعودية بالإضافة إلى تركيا وغيرها، كما أنه لم يعترف بالمعارضة السورية إلا بتلك التي وافقت على إجراء إصلاحات تحت سقف النظام وبإشرافه، ورفض الاعتراف بالمعارضة التي ترفض الحوار مع النظام أو تلك التي توافق على تسليح الجيش السوري الحر المناوئ للنظام والذي تشكّل بعد أشهر من بدء الثورة نتيجة تبني النظام الحل العسكري، وبقي النظام السوري متمسكاً بموقفه الرافض للتغيير إلا ضمن حدود تضمن بقاءه، محتمياً بالعلاقات الاستراتيجية التي تربطه بروسيا وإيران بشكل خاص.

حول رؤيتها لأخطاء الثورة، قالت الناشطة السياسية سندس سليمان، عضو المجلس السياسي لحزب الحداثة والديمقراطية المعارض، لـ "الأهرام ويكلي": "فشل الثوار، بعفويتهم في التعاطي مع التنوع المذهبي والعرقي في سوريا، فالنظام السوري عمل خلال أربعة عقود على تحويل المجتمع السوري المتنوع مذهبيًا وقوميًا إلى مجموعات متناقضة متضادة المصالح بهدف الاستفادة من هذا التناقض وتحويله إلى ورقة يستخدمها في أوقات الأزمات من أجل بقائه واستمرار وجوده"، وأضافت: "كان من واجب المعارضة السياسية تبنّي خطاباً واضحًا إلى أبناء الأقليات مدعومًا بسياسة عملية لقطع الطريق على النظام وهو ما لم يحصل إلا بحدود ضيقة جدًا"، وختمت "ربما تأخر الوقت لكنه لم يفت، فالثورة السورية، وإن كانت الثقة بانتصارها كاملة، إلا أنها ما تزال مستمرة".

أطلق جيل الشباب في سوريا الثورة على النظام الشمولي الذي حكم سوريا نحو خمسين عامًا، ونجحوا فيما أخفقت به كل قوى المعارضة خلال عقود بسبب قمعها ومنع نشاطها طوال تلك  العقود، ولم يستطع مخضرمو المعارضة مجاراة إنجازات وطموح الشباب، بل كانوا أحيانًا عائقًا أطال عمر النظام.

مروان حبش، الوزير والقيادي البعثي السابق والمعارض حاليًا، قال لـ "الأهرام ويكلي": "لقد قام الشباب بالثورة للتخلص من الاستبداد وإفرازاته، أما المعارضة السياسية التاريخية التي قدمت تضحيات كبيرة وقضى رموزها عقودًا في المعتقلات فقد بقيت تعاني خلافات إيديولوجية أبعدتها عن قيادة انتفاضة الشباب، وعن إدارة أزمة بهذا الحجم تعصف بالبلد، وبعض من برز لقيادة المعارضة في الخارج غير ملم بالعمل السياسي، وعمل بعضهم بدوافع انتهازية شعبية، وبذلك أوقعوا الشباب المنتفض بإرباكات كبيرة وصلت حد الإحباط".

بعض قوى المعارضة السورية راهنت على التدخل العسكري الخارجي لإنهاء حكم الأسد، وكان رهانها خاسرًا، فلا المجتمع الدولي راغب بالتدخل العسكري ولا الوضع السوري يسمح بذلك بسهولة، كما أن روسيا والصين وقفتا بالمرصاد لأي تحرك دولي بهذا الاتجاه.

الكاتب والناشط السياسي السوري المعارض حازم نهار قال لـ "الأهرام ويكلي": "طريقة تعامل بعض قوى المعارضة السورية مع مسألة التدخل الخارجي دليل على طفولة سياسية وسذاجة"، وتابع: "كان عليها أن تُناقش تفاصيل هذا التدخل، هل هو مطروح فعلاً وممكن، أم أنه مستبعد (كما أثبتت الأيام)، ولم تفكّر هذه القوى بآلياته أو مراحله ووسائله وأطرافه ومدته وتأثيراته ونقاطه الإيجابية والسلبية من زاوية المصلحة الوطنية العليا"، وأضاف: "لم يع هؤلاء أن الخارج ليس رهن إشارة أحد، ولا أحد يستطيع أن يمنعه أو يحرضه، وإن تدخَّل فإنما يتدخل انطلاقًا من رؤيته واستراتيجيته ومصالحه فقط"، وتابع: "لكن يجب أن نتذكر أن الذي دفع للتدخل الخارجي هو سياسات النظام الحمقاء منذ اليوم الأول للثورة".

لم يحمل الثوار في سوريا السلاح خلال الستة أشهر الأولى للثورة، رغم القمع والعنف المفرط الذي قام به النظام، وبعد أن تجاوز عدد القتلى خمسة آلاف قتيل بدأت عملية التسلح للدفاع عن النفس، ثم تطورت لحركة ثورية مسلحة تسعى لإسقاط النظام بقوة السلاح.

هيثم مناع، رئيس هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي المعارضة في المهجر، انتقد حمل السلاح في صفوف المحتجين والمعارضين، وأعتبرها واحدة من الأخطاء القاتلة، وقال: "بغض النظر عن الأسباب والدوافع، فإن العنف ليس بديلاً عقلانيًا لسياسة قادرة على إسقاط النظام"، وأضاف: "إن غياب الاستراتيجية العسكرية ـ السياسية لمجموعات مقاتلة لا يشك أحد بجرأتها وتضحياتها أدى إلى خسائر كبيرة في الكوادر المتقدمة، كما أن بعضهم نسي القانون الدولي الإنساني وقوانين حقوق الإنسان، ومن يصمت عن انتهاكات تحدث في صفوف المقاتلين لن نتوقع منه إلا دولة مخابراتية جديدة"، وتابع: "لقد هزم السوريون الدكتاتورية سياسياً ولكن بجعلهم العنف البوصلة الناظمة لنضالهم، قد يفشلوا في ترجمة النصر السياسي إلى نصر عملي برحيل النظام".

حاول النظام السوري منذ انطلاق الثورة اللعب على ورقة الأقليات، وادّعى من الأيام الأولى للثورة بأن هناك إرهابيين وتكفيريين وقاعدة وأنه وحده "حامي الأقليات"، واتهمته المعارضة بأنه يسعى لإخافة الأقليات لدفعها للوقوف إلى جانبه، إلا أن بعض العناصر الجهادية دخلت بالفعل في كتائب المعارضة المسلحة، ما أثار كثيرًا من التحفظات.

سليمان يوسف، الباحث الآشوري المهتم بقضايا الأقليات، قال لـ "الأهرام ويكلي":"ما أنجزته الثورة السورية على الصعيد السياسي والميداني والمعنوي ليس بالقليل، لقد ضعضعت أركان النظام ودكت معاقله السياسية والعسكرية، لكن المؤلم أن كلفة هذه الانجازات كانت باهظة جدًا، في الأرواح والممتلكات والجروح الوطنية"، وأضاف "ثمة أخطاء ارتكبتها المعارضات السياسية والعسكرية أثّرت سلباً على الأداء السياسي والميداني للثورة وعلى رصيدها الشعبي والجماهيري في المجتمع من أبرزها تساهل المعارضة المسلحة، التي سيطرت على الكثير من المعابر الحدودية مع دول الجوار، مع دخول وتسلل مجموعات ومنظمات إسلامية مسلحة جهادية وسلفية متطرفة إلى سوريا لها أجندات خاصة تتنافى مع أهداف الثورة، وأثار ذلك المخاوف لدى الكثير من السوريين وقد تشكّل خطراً حقيقياً على مستقبل الثورة، فضلاً عن أنها عززت مخاوف الأقليات على وجودها ومصيرها".

منذ السنة الأولى للثورة، دعا النظام السوري المعارضة للحوار، لكنه وضع شروطًا لهذا الحوار، أن يكون برعاية النظام وتخرج بمطالب إصلاحية، ورفض كل اقتراحات التهدئة الأمنية وتهيئة الجو لبدء حوار حقيقي وزج بأعداد متزايدة من الأمن والجيش في المدن الثائرة، فيما وصلت المعارضة السورية إلى قناعة بأن النظام متمسك بالسلطة ولن يتركها مهما كلفه الأمر ويقوم بخداع العالم بحجة الحوار، وأكّدت بدورها أن شرطها الوحيد لبدء أي حوار هو تنحى الرئيس ورجالاته عن السلطة.

فراس قصاص، المعارض السوري العلماني المقيم في ألمانيا، قال لـ "الأهرام ويكلي": "من الخطأ استبعاد الحوار كأحد الخيارات المترافقة مع باقي الخيارات من تظاهر سلمي وعمل عسكري وعمل إعلامي وغيره، فألد الأعداء في التاريخ جلسوا في النهاية برغم بحار الدماء على طاولة حوار، على الأقل لصياغة بنود الحل النهائي، حتى ولو كان من يضع بنود هذا الحل هو الطرف المنتصر، ودون التفاوض على انتقال السلطة ستذهب سوريا لصراع طويل يستنزفها ويؤدي إلى انهيار الدولة وتفكك المجتمع".

تعترف المعارضة السورية والمحتجون بوجود أخطاء عديدة خلال مسيرة الثورة، ويسعون لكشفها ونقدها من أجل تصحيحها، ويؤيد المحتجون السوريون الجيش السوري الحر الذي يسعى لإسقاط النظام وبنفس الوقت ينتقدون أداءه ويطالبونه بالالتزام بالقوانين الدولية، لكنهم، في نفس الوقت يؤكدون على أنه مهما كانت أخطاء الثورة كثيرة فإن ذلك لن يعني بأي حال من الأحوال التوقف عن المطالبة بإسقاط النظام لأنه أسوأ من أي خيار آخر وفق رأي المحتجين.

المعارض السياسي حازم نهار، الذي غادر سوريا بعد أن اعتقلته القوات الأمنية السورية لأسابيع خلال الثورة، قال: "لا يتحدَّد الموقف من النظام بالموقف من أخطاء الثورة، بل بالموقف من المآسي التي فعلها النظام طوال نصف قرن، على مستوى الحرية والوحدة العربية والاشتراكية وتحرير الأرض وكرامة السوري واحترام معتقدات الناس والتنمية والفساد والأخلاق التي أنتجها ومستوى التعليم والصحة والهوية الوطنية وحقوق الطفل ودور الجيش وممارسات الأجهزة الأمنية ومستوى الاطمئنان النفسي للمواطن والسعادة الشخصية والفرح وحتى الحب... وعندها ببساطة ستكون النتيجة المنطقية أن هذا النظام لا يستحق العيش، ودون أن نصل إلى هذه القناعة والبديهية فإنه لا معنى لأي حديث عن أخطاء الثورة".


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on