Friday,16 November, 2018
Current issue | Issue 1375, (4-10 January 2018)
Friday,16 November, 2018
Issue 1375, (4-10 January 2018)

Ahram Weekly

توترات حول اتفاق سواكين

هيثم نوري يكتب: تسليم السودان لجزيرة سواكين البحر الأحمر إلى أنقرة أدى إلى مزيد من التوترات في المنطقة 

في أول زيارة لرئيس تركي للسودان، وافقت الخرطوم أن تمنح أنقرة شبه جزيرة سواكن على ساحل البحر الأحمر، ما أشعل مخاوف عربية رغم عدم صدور أي بيانات رسمية تعبر عن قلق دول الجوار السوداني.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد زار سواكن برفقة نظيره السوداني، وهي ميناء السودان الرئيسي خلال القرنين الثامن والتاسع عشر ومقر للأسطول العثماني المكلف بحماية المقدسات الإسلامية في الحجاز (مكة والمدينة).

وكان في سواكن مساجد للمذهبين الحنفي والشافعي إضافة إلى عدد من القصور والدواوين الحكومية والأسواق، كما كانت معبرا للحجاج الأفارقة إلى الحجاز.

وأعرب أردوغان خلال الزيارة عن رغبته في "إعادة بناء" الآثار العثمانية المهجورة في الميناء التاريخي المهمل منذ بناء مدينة ومرفأ بورتسودان على يد الاستعمار البريطاني ١٩٠٦.

وخلال مراسم توقيع اتفاقات التعاون بين البلدين في الخرطوم أعلن أردوغان أن الرئيس السوداني عمر البشير وافق على منح سواكن لتركيا "بصفة مؤقتة"، بهدف إعادة بناء الآثار العثمانية، إلى جانب ميناء لصيانة السفن التجارية والعسكرية.

وقال الرئيس التركي إن الحجاج الأتراك يمكن أن يتوقفوا في سواكن بهدف السياحة خلال توجههم إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة في رحلتي الحج والعمرة.  

لم ينكر رئيس الأركان التركي خلوصي هكار المرافق لأردوغان، أن التعاون مع السودان يمكن أن يتطور إلى مجال "الصناعات العسكرية" أو "نوع من التعاون العسكري"، بحسب ما نقلت رويترز.

وكانت وسائل إعلام تركية (تي آر تي وورلد) قد أفادت أن البشير وعد باستعادة سواكن فور انتهاء الأعمال التركية فيها، دون تحديد مدة هذه الإنشاءات.  

لكن المثير هو عدم وجود معلومات وافية حول صفقة سواكن، وهو ما علق عليه رئيس تحرير صحيفة حريات السودانية الحاج وراق بأنه "طبيعي، فهذا الاتفاق يبدأ بميناء لصيانة السفن، لكنه ضمنيا سيكون قاعدة عسكرية إذا أرادت أنقرة نقل قوات إلى الصومال، أو حتى تحويلها إلى قطر".

ولاحظ وراق أن تركيا والسودان شبه معزولين عن محيطهما، وقال "السودان يعاني توترًا مع أغلب جيرانه في علاقات تتراوح ما بين تبادل الاتهامات مع جنوب السودان وإريتريا، أو البرود مثل مصر وإفريقيا الوسطى، وقطع علاقات مع ليبيا، أو حتى انتهاء المصلحة المتبادلة مع أثيوبيا".

وأضاف: "أما تركيا، فهي في توتر واضح مع الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى أن التعاون المصري اليوناني القبرصي يزعجها، خاصة مع استبعادها من استخراج الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، كما أن الوضع في سوريا والعراق ليس في صالح أنقرة، إضافة للخلاف مع الإيرانيين حول بقاء بشار الأسد، والتوتر التاريخي مع أرمينيا".

"هذا الوضع هو ما يدفع البلدين للتحالف فكلاهما ينتمي للإسلام السياسي"، بحسب وراق.

من المعروف أن حزب المؤتمر الوطني السوداني الحاكم يتبنى أيديولوجية الإخوان المسلمين، وهو قريب في توجهات من حزب العدالة والتنمية التركي الذي يترأسه أردوغان.   

من ناحيته، اعتبر فايز السليك رئيس تحرير صحيفة التيار الموقوفة بأمر سلطات الأمن السودانية، أن الاتفاق التركي السوداني موجه ضد مصر، إذا قرأناه في سياق الجولة الإفريقية لأردوغان، والتي تشمل تشاد وتونس، وكلها ضمن دول الجوار الليبي.

من المعروف أن ليبيا تشهد حربا أهلية، بين الإسلاميين المدعومين من تركيا وقطر والسودان، وخصومهم الذين يتمتعون بمساندة مصر وحلفائها الخليجيين.

كما أن مصر والسودان دخلتا توترا علنيًا على خلفية مساندة السودان لقوات فجر ليبيا (إخوان مسلمين)، قطعت بعدها الخرطوم علاقاتها مع إسلاميي طرابلس.

وأضاف السليك: "صحيح أن سواكن قريبة جدا من السعودية، لكنها أقرب لمصر".

وتابع: "صدور تنديدات عربية، من الممكن أن يدفع المنطقة إلى حافة حرب لا يرغب بها أحد، لكن الوضع لن يبقى طويلا علي هذا الحال".

"القاعدة في سواكن تطور خطير على دول جوار السودان كلها، بل يمكن أن يتناسى الأثيوبيون والمصريون خلافاتهما حول سد النهضة ويتصلون لتسوية ليتفرغا لمواجهة حلف سيقوي حركات الإسلام السياسي التي تخشاها أديس أبابا، وتحاربها مصر"، بحسب السليك.    

لكن رغم عدم صدور أي تصريحات رسمية عربية تظهر تخوف دول الجوار السوداني من اتفاق سواكن، إلا أن الإعلام في الخليج العربي ومصر حفل بتعليقات متعددة حول الوضع.

في مصر تخوف من تحول سواكن لقاعدة عسكرية تركية "تهرب الإرهابيين لمصر بتمويل قطري".

أما في الخليج، فالحديث هو عن إمكانية استخدام سواكن من الإيرانيين لتهريب السلاح للحوثيين في اليمن، خاصة أن الميناء السوداني هو تقريبا وسط الخط الرابط بين شمال وجنوب البحر الأحمر.

أتى الاتفاق بين البلدين في إطار توقيعهما ١٣ اتفاقية بقيمة ٦٥٠ مليون دولار أهمها بناء مطار دولي جديد في العاصمة السودانية، ومسلخ للحوم، وصوامع غلال ومحطة توليد كهرباء، إضافة إلى مصنع للحديد وغيرها.

كانت تركيا قد استأجرت ٧٨٠ ألف كيلو متر مربع في السودان عام ٢٠١٤، لإقامة مشروع زراعي، لكنه لم يظهر للنور حتى الآن.

من المعروف أن التبادل التجاري بين البلدين في حدود ٥٠٠ مليون دولار، منها ٣٢٨ مليون صادرات تركية للسودان، و٧٨ مليون واردات أنقرة من الخرطوم.

وكان أردوغان قد أعلن خلال مراسم توقيع الاتفاقات، أن البلدين يرغبان في زيادة حجم التبادل ليصل إلى "مليار دولار، ثم ترفع تدريجيا حتى ١٠ مليارات دولار في وقت قصير".

لكن مقال لأحد المختصين الأتراك في الشئون الإفريقية في موقع التلفزيون التركي الدولي (شبكة حكومية تبث باللغات العربية والإنجليزية وغيرها)، قال إن رفع حجم التبادل إلى مليار لن يكون قبل "بضعة سنوات".

من المعروف أن السودان خارج لتوه من عقدين قاسيين من العقوبات الأمريكية، ويسعى لجذب ١٠ مليارات دولار استثمارات أجنبية بحسب وزير الدولة للاستثمار السوداني، بدلاً عن مليار سنويا وفق تقديرات الأمم المتحدة.

هذه العلاقات التي ينوي الأتراك تطويرها، تأتي في سياق تواجد قوي لتركيا في القارة السمراء.

فقبل ٣ أشهر فقط افتتح الأتراك قاعدة عسكرية في العاصمة الصومالية مقديشيو، بكلفة ٥٠ مليون دولار بها ثلاث مدارس عسكرية يعمل بها ٢٠٠ مستشار حربي تركي، وتستهدف تدريب ١٠ آلاف جندي صومالي.

من المعروف أن أردوغان زار الصومال مرتين منذ توليه الرئاسة في أواخر ٢٠١٤، ضمن سبع جولات شملت ١٨ دولة، ست في القرن الإفريقي وشرق القارة، وسبع في غرب إفريقيا، وثلاث في الجنوب، ودولتين في المغرب العربي، بحسب موقع الرئاسة التركية.

هذا بخلاف جولاته عندما كان رئيسا للوزراء (٢٠٠٣ – ٢٠١٤).

وخلال فترة حكم أردوغان ارتفع التبادل التجاري بين تركيا ودول جنوب الصحراء من ١.٧٥ مليار دولار سنويا في ٢٠٠٦، إلى حوالي ٤ مليارات في ٢٠١٥، لكن انخفض بصورة طفيفة خلال العامين الماضيين، بحسب هيئة الإحصاء التركية.

أما العلاقات التجارية مع شمال القارة، فقد كانت ٣ مليارات دولار سنويا، وصلت ذروتها في ٢٠١٣ بحجم بلغ ١٠ مليارات، قبل أن تنخفض إلى ما دون ٨ مليارات ٢٠١٧، بحسب هيئة الإحصاء التركية.

ويرجع البعض هذا الانخفاض إلى عزل الإخوان المسلمين عن السلطة في مصر، وغياب الدولة في ليبيا، ما دفع الأتراك نحو السودان، بحسب السليك.

ويضيف: "العلاقات القوية بين قطر وتركيا، ساهمت في إبعاد السعودية والإمارات عن أنقرة، وبالتالي تضييق فرصها في التعاون الاقتصادي مع الخليج".

ويخشى الخليجيون من تواجد تركي كبير في البحر الأحمر، مع سيطرة إيرانية على ميناء الحُديدة اليمني عبر حليفها جماعة الحوثي، رغم تواجد إماراتي في إريتيريا، واستعدادات سعودية لبناء قاعدة عسكرية في جيبوتي، في إطار المساندة في حرب التحالف العربي بقيادة الرياض في اليمن.

هذا كله يحول البحر الأحمر، إلى بحيرة للتنافس السياسي والعسكري، ما يضع أعباء إضافية على دول المنطقة المنهكة بعد سنوات من الاضطرابات.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English) 

add comment

  
 
 
  • follow us on