Saturday,20 January, 2018
Current issue | Issue 1375, (4-10 January 2018)
Saturday,20 January, 2018
Issue 1375, (4-10 January 2018)

Ahram Weekly

سوريا.. تزاحم مؤتمرات وحرب مستمرة

من جنيف إلى أستانة ثم سوتشي، احتار السوريون أن تُحل قضيتهم، وتبقى الحرب مستمرة حتى إشعار آخر, رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

تميّز الثلث الأخير من شهر ديسمبر 2017 بأنه شهر الرفض السوري لمؤتمر سوتشي الذي تعتزم روسيا عقده نهاية يناير 2018، ففي هذه الأيام العشر الأخيرة من العام، ارتفعت أصوات المعارضة السورية عالية رافضة مؤتمر سوتشي، ومشرّحة أهدافه وتوقيته ومخاطره، ومّحذّرة من انجرار المعارضة السورية خلف الرغبة الروسية، خوفاً من أن يكون هذا المؤتمر بمثابة توقيع صك استسلام من المعارضة السورية لروسيا من خلفها النظام السوري.

فقد دعا عدد كبير من السياسيين والمعارضين والناشطين السوريين ومعهم قوى وتيارات سياسية ومدنية معارضة، لمقاطعة مؤتمر سوتشي، وحذّروا من أنه يهدف إلى تخريج الحل الروسي وشق صفوف قوى الثورة والمعارضة، وشددوا على أنه سيفرض "دستورًا مُزيّفًا" يضمن بقاء الأسد، وينسف مرجعية جنيف، ويُشرّع التواجد العسكري الروسي والإيراني، وأكّدوا أن روسيا ليست وسيطًا محايدًا، وإنما شريكاً للأسد في كل الجرائم التي ارتكبها ضد السوريين.

عجّت وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإعلامية المعارضة بنداءات للسوريين برفض حضور المؤتمر، وقالت بمجملها إن روسيا ومنذ بداية الثورة وقفت موقف العداء لثورة الشعب السوري وتطلعاته إلى الكرامة والحرية، فعطلت مجلس الأمن، واستخدمت 11 مرة حق النقض (الفيتو) للدفاع عن نظام الأسد وتجنيبه المساءلة، وقدمت له المستشارين العسكريين وكل أنواع السلاح لمواجهة شعبه، ثم زجَّت بقواتها العسكرية إلى جانبه منذ سبتمبر 2015، وشاركته في تطبيق سياسة الأرض المحروقة، بالقصف الأعمى والكثيف لتدمير المدن الحاضنة للمعارضة المسلحة، ولتدمير المرافق العامة والمدارس والمشافي فيها، كما ساهمت بشكل كبير بعمليات التهجير القسري للسكان، وأحبطت كل محاولات محاسبته من قبل المنظمات الحقوقية الدولية عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك تبرئته من استخدام الأسلحة الكيميائية"، وأشاروا إلى أن موسكو عملت على تعطيل مفاوضات جنيف، واختلقت مفاوضات موازية في أستانة، ودعت أخيراً إلى مؤتمر سوتشي الذي سيضم نحو 1500 مدعو.

المؤتمر بصيغته الأولية المُعلنة، سوف يضم "جيشًا من السوريين، يتراوح -وفق التسريبات- بين 1000 و1500 مشارك، سيكون نحو ثلثيه من الداخل السوري، ما يعني بالضرورة أن يكونوا إما موالين للنظام أو من القاطنين داخل سوريا والخائفين منه ومن انتقامه عند عودتهم، كما سيضم نحو الثلث من خارج سوريا، من تركيبة متنوعة ومتداخلة ومتشابكة، يصعب من خلالها فرز المعارض عن الرمادي عن الموالي، ما يعني أن المعارة الحقيقية ضد النظام السوري ستكون الأقل حظًا في عد المشاركين، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ومع هذا الكم الهائل من البشر، والوقت المحدود للمؤتمر، سيكون -وفق خبثاء- لكل مشارك أقل من 15 ثانية للحديث والتعبير عن رأيه، ما يعني أن الآراء بمعظمها لن تكون مسموعة ولا ذات أهمية.

ترى المعارضة السورية أن المؤتمر يهدف إلى تخريج الحل الروسي وشق صفوف قوى الثورة والمعارضة، وفرض دستور يضمن بقاء "الاحتلالات" الأجنبية، بمساعدة انتخابات تجري تحت إشراف الأجهزة الأمنية وبقيادتها، والقادرة بطبيعة الحال على تعطيل أي مراقبة سورية أو أممية.

تعكف روسيا على وضع جدول أعمال المؤتمر وصوغ وثائقه وقائمة المشاركين فيه من دون أي شريك سوري أو غير سوري، وتستأثر بالعملية، وهذا يتعارض كليًا مع المفاوضات الجارية منذ ست سنوات في جنيف، ما يوحي بأن موسكو تسعى لإنهاء مؤتمر جنيف الذي يؤرقها بسبب فرضه ضرورة تشكيل هيئة حاكمة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة، وتحاول نسف قضية الانتقال السياسي نحو نظام ديمقراطي لحساب مفاوضات حول تقاسم السلطة وتوزيع المناصب والحصص بين وجهاء "الشعوب" التي يفترضها مؤتمر سوتشي، واستبدال الحل الدولي بالحل الروسي الذي لا يخفي إرادته بتثبيت حكم الأسد ونظامه.

لم يقتصر أمر رفض المؤتمر على السياسيين والناشطين، بل امتد ليطال العسكريين، فقد أعلنت أربعون مجموعة عسكرية سورية معارضة رفضها "المطلق" للمشاركة في مؤتمر سوتشي، واعتبروا روسيا دولة معادية، لأنها "ارتكبت جرائم حرب ضد السوريين، وساندت النظام عسكريًا، ودافعت عن سياساته"، ورأت الفصائل العسكرة المسلحة المعارضة أن روسيا لا تمارس ضغوطًا على النظام للتوصل إلى تسوية سياسية بينما تزعم أنها ضامنة لأي حل ترعاه.

إلى ذلك، قرر الائتلاف السوري المعارض بدء جولة على عواصم القرار الأوربي والعربي للتأكيد على رفضهم لسوتشي وتأثيراته السلبية على حاضر ومستقبل سوريا، كما سيلتقي بمسؤولين أتراك لإقناعهم بأن للائتلاف الحق في رفض هذا المؤتمر حتى لو كانت تركيا مشاركة بالتحضير له بشكل أو بآخر، لما يحمله من مخاطر على القضية السورية برمتها، وإن تم ذلك، سيكون أول موقف جدّي يتخذه الائتلاف تجاه توازن علاقته مع تركيا.

رغم أن موسكو تريد استقلالية مسار سوتشي عن مسار جنيف، إلا أنها ومن أجل منحه غطاءً شرعيًا، أعلنت أنها ستعقد المؤتمر بغطاء أممي، وقررت دعوة المبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي مستورا لحضوره، كما دعت ممثلين عن دول غربية عدةّ على رأسها الولايات المتحدة، لكن أياً من هذه الأطراف والدول لم تُعلن عن موقفها من هذا المؤتمر بشكل واضح وصريح، ومن المستبعد أن تحضره إلا بصفة مراقب حتى لا تتحمل مسؤولية الالتزام بقراراته.

المفاجئ بالموضوع أن وزارة الدفاع الروسية هي التي تقف وراء الدعوة إلى سوتشي، وليست وزارة الخارجية، لأنها ترى أنها أدت مهمة عسكرية في سوريا، وتريد قطف ثمار نجاحاتها سياسيًا، ويقوم ضباط روس بتوجيه الدعوات إلى السوريين، وسيُشرفون على نقلهم من داخل سوريا وخارجها إلى مدينة سوتشي مقر المؤتمر بطائرات عسكرية في الغالب.

تؤكد بعض الأطراف الروسية المعتدلة أن روسيا ستعمل كل ما بوسعها، وستستخدم كل نفوذها لعقد المؤتمر، حتى لو بمن حضر، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيًا أعلن عنه، ولأهميته قبل الانتخابات الرئاسية الروسية، حتى سيظهر بوتين بطلاً أمام الروس الذين يعانون من وضع اقتصادي ومعيشي سيء.

كما تشير إلى أن إيران خائفة من الموقف الروسي الذي قد يبيعها، خاصة وأن روسيا تطلب من الإيرانيين أن يؤثّروا على الموقف التركي الذي أصبح متشددًا تجاه الأسد في الأيام الأخيرة، حيث وصفه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من جديد بأنه "مجرم وليس له مكان في مستقبل سوريا"، ويسعى الروس لإرضائه حتى لو على حساب الإيرانيين كي لا يفشل مؤتمر سوتشي.

لو لم تحضر المعارضة السورية الحقيقية المُعترف بها دوليًا مثل هيئة التفاوض أو ائتلاف قوى الثورة مؤتمر سوتشي فإنه لن ينجح، رغم أن روسيا ستُروّج إعلامياً بأنه نجح، وبهذه الحالة يبقى قرار عدم الحضور ورقة قوة بيد المعارضة السورية من المفترض أن تستغلها، ولهذا تحاول بعض أطراف المعارضة السورية التأكيد على أن من سيُشارك في مؤتمر سوتشي فإنه سيُشارك بصفته الشخصية وليس بصفته عضواً في أي ائتلاف أو تنظيم، وأنه لم يُمثّل إلا نفسه، وهددت نقابات المحامين السورية التابعة للمعارضة ومجالس القضاء على أنها ستُحاكم كل من يُشارك في سوتشي فور عودته، على أمل أن يؤثر ذلك بالمعارضين ويدفعهم لرفض الحضور كليًا، باعتباره أخطر مؤتمر ضد الثورة السورية وسيؤدي للتخلي عن كل مطالب الثورة وتحويلها إلى مطلب المشاركة في حكومة تحت قيادة الأسد وتحت قبضة المخابرات السورية.

تُشدد المعارضة السورية على ضرورة أن تستمر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي والجامعة العربية ومجلس الأمن بمسيرتهم للحل السوري المعتمد على بيان جنيف 1 والقرار الأممي 2254، اللذان يضمنان تشكيل هيئة حاكمة انتقالية ذات صلاحيات كاملة، أي يضمنان الانتقال السياسي في سوريا، وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لفرض التزام روسيا وجميع الدول المعنية بالمواثيق والقرارات الدولية، لاعتبار مؤتمر جنيف وقرارات مجلس الأمن الإطار الوحيد الشرعي لإنجاز مفاوضات الحل السياسي في سوريا.

وتبقى كل النتائج محكومة بموقف المعارضة السورية، فإن رفضت المشاركة، فإن مؤتمر جنيف وقراراته ستبقى سيدة الموقف، وسيضطر الروس للعودة لهذه الساحة الأممية المتوافق عليها دوليًا، وإن وافقت على الحضور فإنها بالضرورة تتخلى عن هذا المؤتمر وكل ما صدر عنه، وسيصبح مؤتمر سوتشي هو المرجعية الجديدة للحل السوري، وهو مرجعية لن تحقق للسوريين أكثر من إصلاحات نظرية طفيفة في النظام، وستسمح للمعارضة بمشاركة جزئية هامشية غير مؤثرة، بعد حرب دامية خلّفت نحو مليون من الضحايا وأوشكت على دخول عامها الثامن.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on