Tuesday,21 August, 2018
Current issue | Issue 1376, (11-17 January 2018)
Tuesday,21 August, 2018
Issue 1376, (11-17 January 2018)

Ahram Weekly

عندما ترك السودان لمصيره

جلال نصار يكتب كيف إن مصر تدعم الشعب السوداني دائما، ولكن النظام في الخرطوم تحت حكم البشير لديه خطط أخرى!

تتميز السياسة الخارجية المصرية تجاه دولة السودان بالأحتواء وعدم الاستجابة لاى استفزازات يقدم عليها من يعتلى الحكم فى الجارة الشقيقة وعدم السماح لاى مساحة اختلاف بين البلدين لأن تتسع لتتسبب فى توتر العلاقة بين الشعبين؛ كما تقوم على الفصل التام بين أفعال وتوجهات وتحالفات من يحكم السودان وبين مصالح الشعبين وعلاقات حسن الجوار والتاريخ والمصير المشترك بينهما منذ أن كانا شعبا وارضا واحدة قبل أن يقرر الإقليم الجنوبى الإنفصال وتحديد مصيره فى استفتاء باركته مصر ولم تعارضه ولم تخوض ضده أى نزاعات مسلحة وأرتضت أن يقرر شعب السودان مصيره وينفصل عام 1956 اتساقا مع جهود متواصلة لحكومات مصرية سابقة على جمال عبد الناصر والتى كانت لا تعتبر نفسها دولة احتلال للسودان  بل على النقيض سعت تلك الحكومات إلى تأهيل ومساعدة الشعب السودانى  للحكم وإدارة البلاد قبل ذلك بسنوات.

ووفق الوقائع التاريخية لتلك الحقبة فقد أقرت مصر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حق تقرير المصير للسودان عبر عدة حكومات على سبيل المثال موافقة رئيس الحكومة إسماعيل صدقي فى مشروع إتفاقية صدقي-بيفن على منح حق تقرير المصير للسودان بعد فترة حكم ذاتيى للسودانيين فى  25 أكتوبر 1946. 

وفي 22 أغسطس 1947 قال رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشي في إطار شكوى مصر أمام مجلس الأمن بنيويورك أن السودانيين سيتحدثون عن أنفسهم و مستقبل السودان سيقرر بالتشاور مع السودانيين و ان الشعب السوداني حر فى بلاده. وفى  إطار مباحثات خشبة- كامبل في حكومة النقراشي مايو 1948 وافق خشبة ضمنيا على حق تقرير المصير بناء على موافقته على إنشاء المجلس التنفيذي السوداني و الجمعية التشريعية بمشاركة مصرية-إنجليزية للمساهمة في إعداد السودانيين للحكم الذاتي و تقرير المصير.

وفى 26 اغسطس 1950 اقترح وزير خارجية حكومة الوفد محمد صلاح الدين اقامة فترة حكم انتقالية بالسودان الى 1953 لتأهيل السودانيين للحكم الذاتي و بعدها يكون لهم حق تقرير مصيرهم ضمن مفاوضات صلاح الدين بيفن.

وفى 7 ديسمبر 1950 أقر صلاح الدين مشروع “سودنة” السودان بتحويل كل الوظائف للسودانيين و سحب كل الموظفين المصريين من البلاد. وفي 16 نوفمبر 1951 بالامم المتحدة وافقت مصر على سحب كل موظفى و قوات مصر بشرط ترافقها مع سحب قوات و موظفي انجلترا و بعدها فترة انتقالية للسودنة ثم الحكم الذاتي و لاحقا حق تقرير المصير

و في 8 أكتوبر 1951 صدر مرسوم مصطفى النحاس باشا و أُقر يومي 16 و 17 أكتوبر بأن يكون للسودان دستور منفصل عن دستور مصر و تضعه جمعية منتخبة سودانية دون تدخل مصري في إشارة واضحة لكون السودان منفصل عن الادارة السياسية المصرية و قد كان الملك فؤاد يريد عام 1922 منح نفسه لقب ملك مصر و السودان لولا ان المندوب السامي اللنبي يوم 2 فبراير 1922 أعطاه إنذار بعدم كتابة هذا بالدستور لتعارضه مع المصالح البريطانية فأذعن لها و لم يضعها ضمن دستور عام 1923.

هنا نجد بوضوح إقرار لمسألة الحكم الذاتى و حق تقرير المصير من مصر الملكية عبر حكومات صدقي و النقراشي و بيفن ، و لئن كانت الحكومات تصر على إضافة عبارة “وحدة وادي النيل تحت التاج المصري” فهذا أيضاً توافق مع مذكرة اللواء محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة في 2 نوفمبر 1952 لإنجلترا والتي أقرت كل ما سبق ضمن وحدة وادي النيل و حق تقرير المصير وفترة حكم ذاتي ووقع على هذه المذكرة كل السياسيين السودانيين بلا استثناء.

وظلت العلاقة بين البلدين على هذا المنوال من التقارب والود إلى أن صعد لمنصة الحكم فى الخرطوم الرئيس الحالى عمر حسن البشير صباح 30 يونيو 1989 بعد إنقلاب عسكرى على الحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدى حيث سرعان ما ظهر الوجه الحقيقى لهذا النظام بتوجهاته الراديكالية وتحالفاته مع كل تنظيمات وجماعات الإرهاب المسلحة من خلال الدعم اللوجيستى وتوفير الايواء لقياداتها ومعسكرات التدريب والممرات الأمنة للإنطلاق إلى مسارح العمليات المختلفة التى تستهدف العدو والصديق فكان السودان فى عهده مقرا لجماعة الجهاد والجماعة الإسلامية وجماعة الأخوان المسلمين وايضا القاعدة وهو الذى أحتضن أسامة بن لادن وايمن الظواهرى لسنوات. وهناك شواهد وأدلة من منظمات دولية تكشف تلك الممارسات ، فهي ليست من صنعنا. 

وقد توج هذا النظام كل هذا القدر من العداء تجاه مصر فى يونيو 1995 عندما دبر مساعدو البشير المقربين على عثمان محمد طه نائب الرئيس ونافع على نافع رئيس جهاز الأمن العام محاولة إغتيال رئيس مصر حينذاك حسنى مبارك فى أديس ابابا مقابل مليون دولار ودعم معلوماتى أمريكى لتنفيذ العملية بواسط عناصر من تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية.وتغاضت مصر  عما جري وقررت أحتواء الأمر مراعاة لاواصر العلاقة بين الشعبين وعدم رغبتها فى أن يضار منها 6 ملايين سودانى يعيشون على أرض مصر وملايين المصريين الذين يعتبرون السودان بلدهم الثانى والأقرب إلى قلوبهم إلا أن ممارسات حكومة البشير أكدت أن هذا النظام أخوانى وأن انتماءه الفكرى والعقائدى للتنظيم الدولى للأخوان المسلمين بما لا يدع مجالا  للشك، وأن الكثير من قراراته وسياساته ليست بالضرورة تراعى المصالح السودانية بل تخدم أهداف واستراتيجيات التنظيم الدولى وتوجهاته.

فكانت البداية بملف حلايب وشلاتين المحسوم قانونا وتاريخيا بمصريتهما، فقد تحالفت حكومة الخرطوم مع أعداء مصر ، أفرادا وجماعات، وأخرها إهداء الرئيس التركى، المنتمي لفكر جماعة الأخوان، جزيرة سواكن الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر وعلى بعد 200 كم من الحدود المصرية مهدده الأمن المصرى وحرية الملاحة فى البحر وبالتالى قناة السويس حال نشوب أى نزاع مسلح يترتب على الأطماع التركية فى المنطقة بغرض زعزعة الاستقرار فى مصر انتقاما منها لاطاحتها بتنظيم الأخوان المسلمين من الحكم فى ثورة شعبية فى 30 يونيو 2013م.

كما أن  الأخطر اليوم هو التحالف ضد المصالح المصرية فى ملف سد النهضة ومساندة الجانب الأثيوبى فى مطالبه وسياساته التى تضر بحق مصر التاريخى والقانونى فى الحصول على حصتها من مياه النيل نتيجة بناء سد النهضة بالمخالفة للاشتراطات الفنية المتفق عليها بين العواصم الثلاثة.

التاريخ ووحدة المصير والدم تؤكد على ضرورة الاستمرار فى سياسة الأحتواء وعدم الاستفزاز من أفعال هذا النظام الأخوانى والترفع عن صغائر اقواله وتصريحاته وسياساته وأن نترك لشعب السودان أن يحكم فى مصير هذا النظام اتساقا مع مواقفنا التاريخية وأن يعمل الشعب السودانى على وقف تدهور العلاقات والأوضاع وأن يوقف نزيف السودان وتمزيق وحدته والتفريط المستمر فى الأرض والسيادة كما كان الحال فى جنوب السودان وملف دارفور وإهداء سواكن وأن يكف شره عن أقرب الشعوب إلى قلب السودانيين.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on