Monday,24 September, 2018
Current issue | Issue 1376, (11-17 January 2018)
Monday,24 September, 2018
Issue 1376, (11-17 January 2018)

Ahram Weekly

ممر التنمية الشرقي

محمد حجازي يكتب: التعاون، وليس الصراع، هو السبيل لتحويل سد النهضة الإثيوبي الكبير من تهديد إلى فرصة 

طرحت دوما في محاضرات ومقالات رؤيتي لـ"ممر التنمية الشرقي"، كإطار تعاوني شامل للنيل الأزرق بين مصر والسودان وإثيوبيا، والذي إن أحكمنا صياغة أسسه وتبنيه كاستراتيجية موثقة من الدولة والجهات الفنية، فمن شأنة أن يتعامل بأسلوب أشمل مع قضية أزمة سد النهضة بأسلوب يحقق مصلحة الدول الثلاث بحيث يتم التنسيق المائي بين سدود الدول الثلاث وفقا لمعدل تخزين وأمد زمني متفق عليه لسد النهضة بما لا يضر بمصالح مصر المائية، كما يضم المقترح مشاريع مصاحبة من ربط بطريق بري، وسكك حديدية، وربط كهربائي بين البلدان الثلاث.

وسيحقق المشروع مكاسب اقتصادية هامة، وتوافق سياسي وتهدئة حدة التوتر ومخاطر المواجهة والخلاف بين البلدان الثلاث، إضافة لمكسب جغرافي هو أن دولة حبيسة جغرافيا مثل إثيوبيا ستجد لنفسها منفذا عبر مواني البحر المتوسط المصرية، وبحيث يصبح التعاون جاذبا لإثيوبيا بالذات وللسودان، ومحققا لمصالح الأطراف الثلاثة.

فمن خلال منظومة التعاون تلك سوف تتحول المياة لجزء من منظومة تعاون متعدد الجوانب، بحيث يصبح مشروع ممر التنميه الشرقي شاملا لمجالات تعاون عديدة منها الكهرباء والنقل البري والبحري وانتقال الأفراد والسلع والبضائع، ضمن نطاق أشمل قائم على الربح المتبادل وعلى التعاون بدلا من الفرقة والانقسام.

فالثابت علميا أن أحواض الأنهار هي نظم ووحدات متكاملة، فنهر النيل نظام متكامل لابد وأن يتم التعامل معه كوحدة جغرافية وطبيعية وبيئية واحدة، يجب أن تدار موارده المائية بشكل جماعي متناسق وكذلك تنمية موارده الزراعية والصناعية بل والاجتماعية والبشرية والثقافية.

فالتنمية المتكاملة لأحواض الأنهار الدولية باتت من ضروريات الحفاظ على موارد النهر وحماية بيئته وتهيئة الأجواء من أجل عملية تنمية يتحول فيها النهر لأداة ربط وتعاون، لا أداة توتر ومواجهه، وتتحول المياه كجزء من خطة تنمية شاملة تتم بشكل متناسق بين دول الحوض بما يحفظ لكل طرف حقوقه وكي يستفيد الجميع من مزايا التنمية المستدامة والاستفادة من الدعم الدولي الذي أصبح أميل لتمويل مشروعات تخدم عدة دول بدلا من واحدة ومشروعات متعددة الأغراض وليس غرضا واحدا، والواقع أن استراتيجية إدارة الموارد المائية فى ظل تخطيط متكامل وشامل هو وحده الكفيل بحفظ النظام الطبيعي للنهر، ويحقق مصالح كافة دول الحوض ويحول دون الصراع والمواجهة.

والرؤية المتكاملة تلك لتنمية ولإدارة حوض النيل الشرقي متفقة فى أهدافها ومضمونها مع توجهات وآليات عمل مبادرة حوض النيل والتي اختصت دول حوض النيل الشرقي بآلية تنسيقية خاصة بالنيل الأزرق  ENTRO -Easter Nile Technical Office.

ولاحقا وضمن رؤية التعاون الإقليمي الشامل تلك يكون من بين أهداف التعاون مع جنوب السودان هو الانخراط فى مشروعات تقليل فواقد مياه النيل وإقامة مشروعات تنموية فى الجنوب، وأخذا فى الاعتبار ما يمكن تنفيذه هناك فى إطار مبادرة حوض النيل الأشمل.

وتتفق رؤية التعاون الإقليمي المقترحة فى إطار مشروع تكاملي يجمع دول شرق النهر مع إعلان المبادئ الهام الذي وقعه الرؤساء المصري عبد الفتاح السيسي، والسودان عمر البشير، ورئيس وزراء إثيوبيا هابلى ماريان ديسالين خلال قمتهم فى الخرطوم في 23/3/2016 وتضمنت وثيقة إعلان المبادئ تلك لسد النهضة التي قال عنها وقتها إنها تؤكد على توافر الإدارة الطيبة للأطراف الثلاثة للتغلب على العقبات، وأكد البشير أن التعاون هو السبيل للتفاهم بين شعوبنا وأنه بدون التعاون ستفوت الفرصة فى حياة كريمة، وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي أن سد النهضة لن يضر مصالح مصر، ويرى وزير الخارجية أن هذه المبادئ تعد بداية لمزيد من التعاون بين الدول الثلاث في المسار السياسي والفني، وأكد الوزير الإثيوبي أن الاتفاق يفتح فصلاً جديداً بين الدول الثلاث وسنلتزم به.

ويتفق ما نطرحه بشأن التعاون الإقليمي مع دول حوض النيل الشرقى ودول حوض النيل عموماً مع التوجه الدولى لتمويل مشروعات متعددة الأغراض وكذلك التى تخدم أكثر من دولة، ويترقب المانحون منذ إعلان مبادرة حوض النيل لتوافق دول المبادرة وهو ما لم يكتمل حيث أصرت دول المنابع على التوقيع منفردة على اتفاقية عنتيبي، مما أبقى الاتفاق الذي كان منشوداً أن يتحول لاتفاق إقليمي شامل لدول المنابع والمصب معاً لمجرد اتفاق حاليا ممكن وصفه بأنه بات شبه إقليمي للتنسيق فقط بين دول المنابع مما جعله قاصراً عن جذب استثمارات دولية ودعم كان مرتقباً من الشركاء. 

والمعروف أن الظروف الطبيعية تقسم المصالح المختلفة لدول النهر في تنمية واستخدام موارده، ففي حين تهتم مصر والسودان بالري أساسا حيث تقل نسبة الأمطار، تهتم أثيوبيا وأوغندا بشكل رئيسي بتنمية الطاقة المائية الكهربائية، بينما يعد النقل من أكثر اهتماماتها ايضا مع باقي دول وسط القارة لأن أغلبها دول حبيسة مثل أوغندا وبوروندي وروندا وأثيوبيا ذاتها.

وأمامنا  في هذه المرحلة من عمر النهر وتاريخه المجيد منعطف تاريخي هام في علاقة مصر والسودان بدول المنابع، وأثيوبيا على وجه الخصوص، وما يجب تأكيده هنا أن لإثيوبيا الحق كاملا في التنمية، ولكن لمصر كل الحق في الحياة.

 فالنهر بالنسبة لمصر ضرورة وجودية قبل أن يكون رافداً تنموياً؛ لذا فعلينا في هذه المرحلة أن تتكاتف جهودنا الدبلوماسية والبرلمانية وقدراتنا القانونية والفنية لصياغة موقف مصري مستقر وثابت، يأخذ في حسبانه ايجاد الصيغة الأمثل للتعامل مع سد النهضة من خلال قيام الدول الثلاث معا وبمساندة من باقي دول الحوض كلة لصياغة معادلة مرضية تسمح برؤية متكاملة للتنمية العادلة تضع مصالح الأطراف الثلاثة في الحسبان، ووفقاً للقواعد القانونية الراسخة، وبما يسمح بتنمية النيل الأزرق لصالح دوله، ويكون واضحاً أن مصر لا تقف ضد أي مشروع تنموي ما دام لا يضر بمصالحها، وعليه يتم السعي  لتذليل الأزمة التي تعتري حاليا المسار الفني المتمثل في اعتراض إثيوبيا والسودان على التقرير الاستهلالي، الذي سيسمح بمتابعة دراسة الشركتين الفرنسيين للآثار البيئية والإضرار التي يمكن أن يسببها السد لدولتي المصب، وتحديد معدلات التخزين المثلى والمدة الزمنية المطلوبة بحيث لا يضر لا حجم تخزين ولا معدلة بشكل مجحف بدولتي المصب، وكذلك معدلات التصريف المثلى والتي تراعى مصلحة البلدين وتسمح لأثيوبيا بمعدل تخزين يسمح بتوليد الكهرباء الممكنة وفقاً للتدفق الطبيعي للنيل الأزرق حالياً.

وبقدر الإمكان نفس معدل التصريف خلف سد الرصيرص بالسودان، وقبل تلاقى النيلين عند الخرطوم، كما يلزم ايضا قياس موازى لمعدل التدفق الحالي خلف آخر السدود السودانية قبل الحدود المصرية "سد مروى"، قبل وصول النيل عند أسوان ضماناً أيضاً لالتزام السودان باتفاقية 1959 واستمرار معدل التصريف الحالي، وهو مايجب أن تقوم به بعثات فنية ثلاثية مقيمة بمواقع السدود تدير وتشرف علي تطبيق نظام تشغيل متناسق ومتفق عليه للسدود في البلدان الثلاث وفقا لاتفاق قانوني وفني ملزم، يحدد ويقنن أسلوب الإدارة والتشغيل، ويدير مشروعات التعاون المقترحة من كل جوانبها، ويمكن صياغة إطار قانوني ثلاثي على غرار اتفاق 1959 بين مصر والسودان يكون موسعا.

يمكن أيضاً ومن خلال المشاورات الثلاثية وفى تداولنا مع الشركتين الفرنسيين؛ الإيعاز بإمكانية البناء والتشغيل والتخزين على فترتين زمنيين حتى لو تم الانتهاء من البنيان الخرسانى، الأولى الآن وتشمل معدل تخزين ملائم وليكن كما كان مخططاً لسد الحدود Border في حدود 14 مليار متر مكعب تدير المرحلة الأولى، وهي المواصفات التي وضعها مكتب الاستصلاح الأمريكي عام 1964 لمشروع سد (الحدود) الأثيوبي من حيث سعة التخزين، مما يسهل السيطرة على إثارة عند الضرورة ، ومايسمح باستيعاب الأطراف للآثار الناجمة والتعايش المتدرج مع آثار السد واحتواء أثار مائية أو بيئيه له، والمرحلة الثانية قد تكون بعد عدة سنوات، وذلك بالقياس على عملية بناء سد أوين في أوغندا والذي بني بين أعوام 1949 – 1953 بتعاون وتمويل مصري مشترك (سددت مصر انذاك 10 مليون استرلينى) ، ثم تمت التعلية عام 1991 بموافقة وتشاور واتفاق مع مصر، حيث تم تبادل مذكرات رسميه بين وزارتي الخارجية في البلدين وهو نموذج يمكن تكراره.

ويجب على مصر أن تسعى من أجل أن يكون خيار التعاون جاذباً للجانب الأثيوبي وللسودان من خلال التقدم بمشروع للتعاون الإقليمي أو "ممر التنمية الشرقي"، فما أردنا تأكيده انه إذا ما تم الاستقرار على مقاييس بناء وتخرين وفقاً لنطاق زمني مناسب ودون الإضرار بالمنشآت الهندسية والسدود في السودان ومصر، وفقاً لنظام محاكاة مائي على الكمبيوتر يحقق التوازن ويحدد نسب التخزين ومدتها الزمنية، التي لا تضر وتتكامل بين السدود في البلدان الثلاث.

مما سيفتح المجال واسعا للاتفاق على اقامة مشروع تنمية تكاملي يهدف لربط البلدان الثلاث نسميه "ممر التنمية الشرقي" ويبدأً من سد النهضة والمتفق علي التنسيق بينه وسدود السودان ومصر والتعاون في ادارته بمقاييس ومعدلات متفق عليها، بشبكة ربط كهربائي بين البلدان الثلاث، وستكون ذات عائداً للسودان ولمصر يسمح باستخدام طاقة نظيفة وتوظيفها في صناعاتهما أو تصديرها، وإنشاء طريق بري وخط للسكك الحديدية عابراً للحدود حتى الخرطوم ثم لأسوان في حدود 940 كيلو متر (40 كيلو متر من موقع سد النهضة – 900 كم حتى أسوان مارا بالخرطوم) مما يسمح لأثيوبيا كدولة حبيسة بتصدير سلعها وباقي الأنحاء وعبر مواني الأحمر والمتوسط،  بل ونطرح هنا امكانية استخدام المنطقة الاقتصادية الخالصة في قناة السويس كمنطقة تخزين وتصدير لوجستيه من قبل أثيوبيا والسودان بل وباقي دول الكوميسا، كنافذة لصادرات تلك الدول من لحوم ومنتجات زراعية وصناعية أخرى للاسواق العربية والاوربية والامريكية وغيرها.

ما يشجع على هذا الطرح أيضاً أن حديثاً عملياً وجدياً بات اليوم يشمل إنشاء طريق نقل بحري عبر بحيرة فيكتوريا للمتوسط وتدرس مصر مع بيوت خبرة عالمية هذا الملف، مما يجعل ربط النيل الازرق بهذا المشروع أقصد أثيوبيا حيث سيمر المشروع القادم من فيكتوريا بالسودان لتستقبل أيضاً "ممر التنمية الشرقي" المقترح ، أي المشروع القادم من أثيوبيا وعليه تكون الخرطوم نقطة التلاقي، للمشروعين الإقليمين، ممر التنمية الشرقي القادم من الأراضي الأثيوبية ومشروع ربط بحيرة فيكتوريا بناقل بحري للمتوسط خاصة مع ماابدتة اثيوبيا من اهتمام بمشروع فيكتوريا- المتوسط.

ومن الضروري، إذا ما تم التوافق بعد عمل الشركات الفرنسية على أسلوب إدارة وتشغيل والبناء بمعايير ومقاييس متوافقة وهو ما نأمله، يتم صياغة اتفاق قانوني جامع وملزم للأطراف الثلاثة في النيل الشرقي، على غرار اتفاقية 1959 بين مصر والسودان إن يكن ممكناً توسيع نطاقها لتشمل أثيوبيا مع إجراء التعديلات القانونية اللازمة بحيث يحكم العلاقة بين الأطراف الواقعة على النيل الشرقي (الأزرق) اتفاقية قانونية ملزمة وهذا هو شأن الاتفاق على الموارد المائية بالذات، كما قد تنشأ حتماً الحاجة كما ذكرنا لإيفاد بعثات متابعة مشتركة لأسلوب إدارة سد النهضة، وفقاً للمعايير المتفق عليها وكذا الحال بالنسبة لباقي سدود السودان لضمان التزام الأطراف.

والمؤكد أنه يمكن لسلطة مياه النيل التي سيتم تشكيلها لإدارة حوض النيل الأزرق أن تحقق مكاسب عدة في محيط النهر، بنفس القدر الذي حققت فيه تجارب مشابهه للتعاون بين دول متشاطئة حول أنهار دولية إنجازات عدة منها ما حققته سلطة نهر الميكونج في جنوب شرق آسيا من مشاريع تنموية لدول (كمبوديا-لاوس-فيتنام-تايلاند- الصين- ميانمار) بما يفوق قيمته نحو 22 مليار دولار لخدمة خطط تنمية كافة دول النهر، والذي أضحى رابطا للتعاون وليس سببا للخلاف والتوتر، فالمكسب للجميع فتحسنت اقتصاديات دول الميكونج وتحسنت بيئة النهر ذاته.

إذا فالحل يكمن في الموائمة بين المصالح كي يتحول النهر بكل روافدة لواحة للخير والنماء بدلا من ان يكون ساحة للصراع ومع بعض الإصرار والمثابرة بمكن تحقيق أمل ممر التنمية الشرقي ويبقى النهر باعثا للحياة والنمو للجميع.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on