Thursday,22 February, 2018
Current issue | Issue 1377, ( 18 - 24 January 2018)
Thursday,22 February, 2018
Issue 1377, ( 18 - 24 January 2018)

Ahram Weekly

الانتخابات الرئاسية والواقع السياسي

جلال نصار يكتب: سؤال يجب أن تجيب عليه النخبة

انقسم المصريون حول الواقع السياسي المصري مع بداية عملية الانتخابات الرئاسية التي أعلن عنها الأسبوع الماضي والمقرر لها أن تجري في النصف الثاني من شهر مارس المقبل داخل مصر وخارجها.

الانقسام أسفر عن موقفين؛ الأول: راض عن ما وصلنا إليه ويرى أن الحياة السياسية في مصر في ظل التحديات الاقتصادية ومعركة الإرهاب المفروضة علينا بعد إزاحة حكم الإخوان في يونيو 2013م توجب على المصريين الاتحاد وأن ممارسة السياسة بمفهوم الأحزاب والقوى السياسية والبرامج والأفكار تهدد الاستقرار والوحدة وتسمح "لأجندات خارجية" بالتوغل في الحياة السياسية وفرض سيناريوهات هم في غنى عنها بعد تجربة الفوضى الأمنية والسياسية والاقتصادية التي سادت البلاد في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 وهذا الفريق يرى أن إعادة ترشيح عبد الفتاح السيسي ضرورة وأن الرجل نجح ولديه مشروع نهضوي ومشروعات كبرى ويحق له أن يستكمل ما بدأه بتكليف شعبي ودون حتى انتخابات تنافسية مع وجود حملات منظمة من ذلك الفريق للهجوم على أي مرشح محتمل أو حتى يفكر في الترشح.

الفريق الثاني: يرى هؤلاء أن السياسة فى مصر قد ماتت وأن المناخ والأجواء المصاحبة والإجراءات المعلنة لا تسمح بانتخابات حرة نزيهة وأن المسالة محسومة للسيسي وأن العملية الانتخابية غير جادة وخالية من الضمانات وأن الشعب يعيش تحت ضغوط إقتصادية ومناخ أمني ضاغط يقايض حرية وقرار المواطن في مقابل استقرار وهمي؛ وهذا الفريق موقفه المعلن حتى الآن المقاطعة لكل العملية الانتخابية وهو ما تكرر في استحقاقات انتخابية سابقة لأسباب مماثلة أو هروبًا من مواجهة غير متكافئة.

أمام هذا المشهد لابد أن نلجأ إلى العلم والبحث العلمى كي نلتزم الحياد في التحليل وهنا يطل علينا سؤال محوري: هل توجد حياة سياسية في مصر؟ وهل حقا لدينا قوى سياسية حاولت أن تغير هذا الواقع وفشلت؟ هل هناك أزمة في بنية الكيانات الحزبية والسياسية تعوقها عن العمل أم أن البيئة والآفق السياسي تعوقها وجعلت منها كيانات هشة؟.

في تقرير حالة عن الأحزاب السياسية المصرية، صدر عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام في أغسطس 2017 رصد الإشكاليات والفرص من خلال نقد ذاتي داخل التكتلات الحزبية والسياسية حيث وجد التقرير أن بعد ثورة 25 يناير  وفي الوقت الذى استوجب فيه إعادة النظر والأفكار والمرجعيات الأيدلوجية للتيارات السياسية على الساحة المصرية بما يتلائم مع طبيعة المرحلة الحرجة منذ تنحى رأس النظام في 11 فبراير 2011 ، وجد الباحثون أن تلك الحركات والأحزاب لم تبرح مكانها وحتى الأحزاب الجديدة التي نشأت بعد الحراك الثوري لم تقدم مقاربة مختلفة تتوائم مع متطلبات المرحلة الانتقالية، مما أدى إلى تعثرها ككيانات سياسية وعرقلة المسار الديموقراطي برمته للدرجة أن الأسلوب الأمثل لتلك التيارات هو التنصل من المسئولية السياسية لتبرئة الذات الفردية والتنظيمية، والاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين سواء كانوا أفرادًا أم حركات أم مؤسسات حكومية وغير حكومية، وهو ما أدى إلى زيادة الاستقطاب في المجال السياسي وتوقف الحوارات البناءة بين تلك التيارات المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

ورصد الباحثون تفتيتًا واضحًا للقوى الحزبية المصرية لأكثر من مائة حزب سياسى قائم ومرخص، إضافة إلى عدد آخر من الأحزاب تحت التأسيس وهو أحد مظاهر ضعفها وتخوخها وعدم قدرتها على الدفع ببديل في كل الاستحقاقات الانتخابية مثلما هو الحال في الانتخابات الرئاسية الحالية وربما القادمة، فقد كان الوضع قبل يناير 2011 أن تلك الأحزاب تكبلها نفس إشكاليات المال السياسي والصراعات الداخلية؛ أو تحد من قدرتها على المنافسة مفاهيم كالأسقف المنخفضة للمعارضة انطلاقا من عدم الجاهزية للمواجهة، وهي مفاهيم نشأت وتشكلت نتيجة احتكاك مستمر بالسلطة ولد هذا الاعتقاد واعتنقته كثير من الأحزاب، فلا هي تهادن السلطة ولا هي تعارضها، ولكنها تلعب في المنطقة المسموح بها من قبل النظام السياسي للدولة، وتصدر خطابًا وطنيًا في صورة الدفاع عن كيان الدولة الذي يجيز غفران أخطاء السلطة الحاكمة، أما بالنسبة للأحزاب الحديثة التي نشأت بعد ثورة 25 يناير فإما أنها زالت فعليا من الوجود كحزب العدل وحزب التيار المصري، أو أنها اختارت دور مراكز الأبحاث والتدريب التي تنكفىء على أعضائها - المتقلصين عددا- دون السعي نحو الاحتكاك الجماهيري - الظهير الشعبي - أو الاحتكاك التنافسي الحقيقي مع السلطة كحزب مصر الحرية، أو أنها على حافة الإنهيار كحزب المصريين والأحرار وحزب الدستور الذى انقسم بين رئيسين يتنازعان شرعية الحزب وعرض أمره على لجنة شئون الأحزاب.

إذًا، فإننا أمام واقع يقول إننا ليس لدينا حياة سياسية أو قوى حزبية ذات تأثير أو ظهير شعبي أو تيارات سياسية وفكرية تتنافس أو تتناقش أو تطرح أفكار وبدائل تقود المشهد إلى مكانة أو مكان ما؛ نحن أمام واقع تقوده الظروف ومؤسسات حكم تعلن أنها تقرر وتحكم وتقرر بحكم الضرورة والموقف الداخلي والإقليمي المفروض عليها وأنها فى حرب حقيقية وعلى الجميع أن يقدر ذلك.

هذا الواقع لن يطرح بدائل فكرية أو سياسية على المدى القريب وبغض النظر عن شخص الرئيس السيسى إلا أن الانتخابات شبه محسومة وهذا ليس مصادرة على قانون ودستور وإجراءات وعملية انتخابية وإرادة الناخب بل إفراز طبيعي لهذا الواقع الذي من المرشح أن نعيشه لفترة طويلة من الزمن لا ترتبط بالفترة الرئاسية الثانية للسيسى بل بفترات طويلة من الزمن لن نشهد فيها تغييرًا لهذا المشهد قبل أن ينطلق مشروع سياسي فكري حقيقي نابع من تربة ومناخ ملائم، متى وكيف؟ هذا السؤال يجب أن تجيب عليه النخبة قبل الشروع في أي عملية سياسية.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on