Wednesday,19 December, 2018
Current issue | Issue 1377, ( 18 - 24 January 2018)
Wednesday,19 December, 2018
Issue 1377, ( 18 - 24 January 2018)

Ahram Weekly

تونس.. عودة الاحتجاجات على وقع إصلاح اقتصادي عسير

لقد توجهت الأنظار إلى الاحتجاجات الحالية ضد ظروف المعيشة السيئة في تونس، التي غالبا ما ينظر إليها على أنها نموذج للتغيير في المنطقة، تقرير يكتبه كامل عبد الله

تشهد تونس في الذكرى السابعة لحركة الانتفاضة الواسعة التي أطاحت بحكم رئيسها الأسبق زين العابدين بن علي مطلع العام 2011، فيما عرف حينها بثورة الياسمين التي قادت ما اصطلح على تسميته في الإعلام الغربي بالربيع العربي، عودة قوية لحركة احتجاجات شعبية واسعة النطاق للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية المتدهورة والتي تأتي على وقع إصلاح اقتصادي عسير يهدف إلى الحد من التدهور الذي يعانيه الاقتصاد التونسي بالتزامن مع انقسام سياسي ملحوظ.

واندلعت الاحتجاجات الشعبية يوم الاثنين الثاني من يناير الجاري في أكثر من 12 مدينة بمختلف أنحاء تونس ردا على الزيادة التي قررتها حكومة رئيس الوزراء يوسف الشاهد في أسعار الوقود والمنتجات وغيرها من السلع في أعقاب تنفيذ ميزانية العام 2018 التي بدأ العمل بها مطلع العام الجاري. وتطورت الاحتجاجات إلى اشتباكات عنيفة مع الشرطة ما أسفر عن مقتل أحد المتظاهرين وإصابة حوالي ثمانين من عناصر الأمن بجروح، كما ألقي القبض على نحو 850 متظاهرًا، وتعرضت مدرسة يهودية للتفجير، مما تسبب في إلحاق أضرار للممتلكات ولكن لم تقع إصابات. ما دفع الرئيس الباجي قائد السبسي إلى تكليف الجيش بالانتشار في المدن التي تشهد احتجاجات.

وبعد أسبوع من الاحتجاجات ضد إجراءات التقشف التي تخللها مواجهات، أعلنت الحكومة التونسية مطلع الأسبوع الجاري عن مجموعة من التدابير على أمل أن تساهم تلك الإجراءات في تهدئة غضب شرائح شعبية. تتضمن خطة عمل حكومة لمساعدة العائلات الفقيرة في الحصول على سكن اجتماعي فضلا عن أنها تتضمن إجراءات تهدف إلى تأمين تغطية صحية للجميع وزيادة منحة العائلات المعوزة.

وقال وزير الشؤون الاجتماعية التونسي محمد الطرابلسي في مؤتمر صحفي يوم السبت إن خطة العمل الحكومية سيستفيد منها أكثر من 120 ألف شخص وستكلّف خزينة الدولة ما يزيد على 70 مليون دينار (23,5 مليون يورو)، بحسب وكالة فرانس برس.

كما عقد الرئيس الباجي قائد السبسي اجتماعًا موسعًا مع الأحزاب الحاكمة وأهم منظمات المجتمع المدني الفاعلة في البلاد لبحث سبل الخروج من الأزمة بعد الاضطرابات الاجتماعية التي غذتها إجراءات التقشف الجديدة. وذلك بمشاركة حزب نداء تونس وحزب حركة النهضة الحاكمين.

وأقر السبسي بأن المناخ الاجتماعي والسياسي في تونس "غير جيد"، مؤكدا في المقابل أنه باستطاعة الحكومة السيطرة على المشاكل. لكنه لم ينس توجيه الاتهام إلى الصحافة ووسائل الإعلام الأجنبية وقوى المعارضة التي رأى أنها تحاول الاستفادة من السخط الشعبي في البلاد.

وتعيد حركة الاحتجاجات الواسعة النطاق في تونس إلى الأذهان ذكرى الانتفاضة الأولى في العام 2011، التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، والثانية التي جرت على وقع استقطاب سياسي حاد خلال عامي 2012 و2013 والتي انتهت إلى صياغة تسوية سياسية هشة بين أقطاب السياسة التونسية التي يتزعمها حزب حركة النهضة الإسلامية وحزب نداء تونس الذي يقوده الباجي قائد السبسي الذي فاز بالانتخابات التشريعية والرئاسية التي جرت خلال العام 2014، لكن سرعان ما انقسم حزب حركة النداء على نفسه ما منح الأولوية في المجلس التشريعي إلى حزب حركة النهضة الإسلامية الذي لا يزال متحالفًا مع حزب الرئيس الباجي قائد السبسي حتى اللحظة.

ويمثل تطور الاحتجاجات التونسية الأخيرة إلى حد استعمال العنف مؤشرًا خطيرًا على الوضعين السياسي والأمني بصورة خاصة فضلا عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ أن الأمن والسياسة في تونس هما في الوقت الراهن أهم مصادر عدم الاستقرار في البلاد التي لا يزال الكثيرين من راغبي التغيير في العالم العربي ينظرون إلى تونس باعتبارها نموذجًا يحتذى في حركة التغيير المفتوحة في منطقة الشرق وشمال أفريقيا. كما أن نجاح القادة السياسيين في تونس في الابتعاد عن حافة الهاوية التي وصلت إليها البلاد خلال العمين 2012 و2013 مثلت مصدر إغراء وأمل للكثيرين في دول عربية اعتبرت ما حدث في تونس إنجازًا سياسيًا كبيرًا انتشل البلاد من الهاوية.

لكن هذه التسوية التي قاد الوساطة فيها الرباعي النقابي والحقوقي الأكبر في البلاد بقيادة الاتحاد العام للشغل، رغم أنها نجحت في استعادة الاستقرار النسبي للبلاد ودفعت باتجاه تحالف سياسي بين الحركة العلمانية التي تزعمتها حركة النداء بقيادة الرئيس السبسي وحركة النهضة الإسلامية بقيادة راشد الغنوشي، وحصل على إثرها الراعي على جائزة نوبل للسلام، لكنها كانت تسوية على حساب العملية السياسية حيث توقفت أغلبت التشريعات في البرلمان على خلفية الجدل المستمر وغير المحسوم بين الطرفين والذي تسبب كذلك في تأجيل الانتخابات المحلية إلى أجل غير مسمى.

وبالرغم من ذلك لم تكن الاحتجاجات الأخيرة في البلاد مفاجأة. فخلال الأعوام الثلاثة الأخيرة لم تتوقف حركة الاحتجاجات في تونس على سوء الأحوال الاقتصادية والمعيشية التي أثارتها الإجراءات الإصلاحية التي تحاول الحكومة التونسية تنفيذها لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني، والتي على ما يبدو أنها فشلت في إقناع التونسيين بمدى نجاعة تلك الإصلاحات التي تترافق مع إجراءات مشابهة شهدتها دول عربية عديدة بما فيها دول الخليج التي بدأت السير في هذا الاتجاه اعتبارا من مطلع العام الجاري.

شهدت تونس خلال الربع الأول من العامين الماضيين احتجاجات مماثلة نتيجة الإحباط العام من الأداء الاقتصادي للحكومة وتدني الأوضاع المعيشية خاصة في المجتمعات المحلية سيما في مناطق وسط وجنوب تونس مثل قفصة والقصرين والتي عادة ما توصف بأنها مناطق مضطربة، لكن موجة الاحتجاجات هذا العام اتسع نطاقها في أغلب مناطق البلاد لتذكر بالانتفاضة الكبرة خلال العام 2011 التي أطاحت برأس النظام لكنها لم تنجح في الإطاحة بمركز القوى سيما الاقتصادية منها في البلاد التي ظلت محتفظة بنفوذها رغم التغييرات السياسية التي قادت لحركة تغيير أوسع امتدت خارج حدود الدولة.

كما تذكرت موجة العنف التي رافقت الاحتجاجات، بمدى التهديد الأمني المستمر الذي قد يتغذى ويستفيد من حالة السخط وارتفاع معدلات البطالة إلى أكثر من 15% على المستوى الوطني بحسب إحصائيات رسمية ودولية أغلبهم من الحاصلين على تعليم عالي. ما يعني ضرورة أخذ الحيطة والحذر من أن تشكل تلك الموجة من الاحتجاجات فرصة سانحة لزعزعة الاستقرار الأمني، خاصة أن تونس شهدت في العوام السابقة هجوما على السفارة الأمريكية، وحوادث اغتيالات سياسية، وهجومين إرهابيين تسببا بوقوع خسائر بشرية كبيرة، ومحاولة تمرد في بلدة بن قردان على الحدود الليبية، وجميع مرتكبيها كانوا على صلة بتنظيمات متطرفة. كما أن هناك اتهامات للحالة الاقتصادية السيئة بأنها أحد أبرز الأسباب التي تدفع بالشباب التونسي للاتجاه نحو التطرف إذ أشارت دراسات وتقارير إلى أن أغلب المنتمين إلى عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) العناصر الأجنبية يحملون الجنسية التونسية، وهو ما يعني أن احتمالات تعزيز الروابط بين الجماعات المتطرفة خارج الحدود وداخل البلاد لا تزال تحظى بمورد لا ينضب للبقاء على قيد الحياة.

ولا يمكن فصل ما يجري في تونس عن محيطها الإقليمي خاصة أن جوارها الشرقي حيث ليبيا لا تزال تشكل تهديدًا مستمرًا في ظل حالة الفوضى القائمة وغياب حكومة فاعلة وقادرة على السيطرة على البلاد التي مزقتها الحرب الأهلية المستمرة منذ العام 2011، كما أن جنوبها وغربها حيث الجزائر لا يزال المستقبل السياسي فيها غامضًا في ظل  عدم حسم الخلافة السياسية في الجزائر العاصمة.

وستحدد الأيام المقبلة على الأرجح ما إذا كانت هذه الاضطرابات تشكّل عثرة عابرةً في الطريق، أم نقطة تحوّل في المرحلة الانتقالية الهشة التي تمرّ بها تونس.  


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on