Friday,21 September, 2018
Current issue | Issue 1377, ( 18 - 24 January 2018)
Friday,21 September, 2018
Issue 1377, ( 18 - 24 January 2018)

Ahram Weekly

معارضو الأسد تحت تهديد موسكو

هدد وزير الخارجية الروسي بأنه "سيُربي" المعارضة السورية التي مازالت تُطالب برحيل الأسد، وهذا الأمر كشف دون مواربة، أن روسيا لا تقف على الحياد في سوريا رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

في العاشر من يناير الجاري، وخلال حديثه عن مؤتمر الحوار السوري الذي تنوي روسيا عقده في منتجع سوتشي، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن هذا المؤتمر من شأنه أن يُسهم في تحقيق نجاح حقيقي بالمفاوضات السورية في جنيف، وربط نجاح المؤتمر بـ "تربية المعارضة السورية" التي ما زالت تطالب برحيل الأسد.

جاء هذا التهديد المباشر للمعارضة السورية خلال استقبال لافروف نظيره وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف، وهما حليفان للأسد، ورافضان للصورة ضد نظامه، وطرفان راغبان بأن تندحر المعارضة السورية العسكرية والسياسية. لكن هذا التصريح هو التهديد المباشر الأول بهذه الطريقة الذي يصدر عن مسؤول روسي كبير، إذ لطالما حاولت روسيا أن توحي بأنها الوسيط المعتدل بين النظام السوري والمعارضة، وفرضت نفسها ضامنة لاتفاقيات وقف إطلاق نار بين الطرفين، وعقدت مؤتمرات في موسكو وفي أستانا هدف جمع أطراف الصراع في سورية مُدّعية أنها على مسافة واحدة منها، وأن هدفها الأساس هو أن لا تتفكك سوريا وتتحول إلى دولة فاشلة.

يأتي هذا التهديد بعد إعلان أطراف في المعارضة السورية رفضها المشاركة في مؤتمر سوتشي، ومن بينها فصائل عسكرية، وتيارات سياسية، وهو على ما يبدو الأمر الذي أزعج الروس، لأن الرئيس بوتين شخصياً مهتم بعقد هذا المؤتمر، ولهذا تبنّت وزارة الدفاع الروسية المؤتمر وأخذت على عاتقها أيضاً مسؤولية إنجاحه، وقام ضباط روسي بتوجيه الدعوات الرسمية للسوريين لحضور المؤتمر وليس وزارة الخارجية.

يؤكد هذا التهديد على أهمية مؤتمر سوتشي بالنسبة لموسكو على أعلى المستويات، فهو في الغالب نصرًا  يريد بوتين توجيهه للداخل الروسي قبيل الانتخابات الرئاسية الروسية المقبلة، للترويج لنجاحاته في حل المشكلات الدولية المُعقّدة، خاصة وأن الداخل الروسي يُعاني من الكثير من المشاكل الاقتصادية التي لم يجد لها بوتين حلاً خلال تربعه على سدّة الحكم.

هذه التهديدات موجّهة في واقع الأمر إلى فصائل عسكرية معارضة معتدلة بالمفهوم الروسي والأمريكي، أعلنت رفضها لحضور سوتشي، كما أنها موجّهة لقوى منية أهلية ليس لها أي طابع عسكري، ومعتدلة وتُدير شؤون السوريين في الداخل والخارج، كنقابات المحامين والقضاة والكتّاب والصحفيين والمؤسسات النسائية وغيرها، أعلنت بدورها رفضها سوتشي بالمطلق، ووجهت رسائل لكل من سيحضره بأنها ستقدمه لمحاكم مدنية عادلة باعتباره يقوم بفعل معادي للثورة السورية، فضلاً عن أن هذا التهديد موجّهة لقوى سياسية رئيسية مُعترف بها دولياً كائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية الذي أعلن في بيان رسمي أنه ضد هذا المؤتمر.

للمعارضة السورية حججها في رفض مؤتمر سوتشي، والتي قد تبدو مقنعة للكثيرين، وعلى رأسها قناعتها بأن روسيا تسعى لخلق مسار جديد للمفاوضات يحل محل مؤتمرات جنيف التي باركتها ووافقت عليها الدول الكبرى، وتضمن حصول الانتقال السياسي في سوريا، كما أن المعارضة السورية ترى أن موسكو تبذل كل جهدها لعقد مؤتمر بحضور 1500 شخصية سورية، لا يعرف أحدهم الآخر، ثلثيهم من النظام، والثلث الأخير من تركيبة غير متجانسة وغير متوافقة من كل أطياف الشعب السوري، دون أن يكون هناك أي برنامج واضح أو جدول أعمال أو ضامن لنتائج المؤتمر، وهذا يعني أن حوارات المؤتمر ستكون عشوائية وبلا جدوى، ولن تصب النتائج إلا في مصلحة بقاء الأسد وترسيخ وجوده ومنحه شرعية من هؤلاء المجتمعين باسم المعارضة السورية.

ليست فقط المعارضة السورية هي التي رفضت مؤتمر سوتشي، بل حتى دول غربية رئيسية رأت أنه بلا معنى، وخطوة لا يمكن الاعتداد بها، كفرنسا والولايات المتحدة، وكذلك رفضه المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا الذي قال إنه يجب على روسيا أن تقنع الحكومة السورية بضرورة التوصل إلى اتفاق سلام لإنهاء الحرب المستمرة منذ عام 2011، و"عدم تضييع الوقت"، وشدد على أن تحقيق السلام في سوريا "يتطلب دفع النظام السوري للقبول بوجود دستور جديد وانتخابات جديدة تحت إشراف الأمم المتحدة"، أي أنّه شدد على أن مؤتمر جنيف الذي ترعاه الأمم المتحدة هو الأساس، وأن ما تقوم به روسيا "مضيعة للوقت".

من حسن الحظ أن لافروف هدد المعارضة السورية فقط بأنه سيقوم "بتربيتها"، ولم يقل إن كل من يُطالب برحيل الأسد سيكون ضمن هذا التهديد، لأنه بهذه الحالة كان سيضطر لـ "تربية" دول إقليمية وكبرى والأمم المتحدة معها.

من الواضح أن روسيا تحاول بشتى الوسائل تركيب حلٍ في سوريا يتناسب مع حساباتها، حتى لو كان بالتهديد والقوة، بالتدمير والقتل، فمنذ اليوم الأول لتدخلها العسكري المباشر في سوريا إلى جانب النظام السوري في سبتمبر 2015، اعتمدت أسلوب استخدام الطاقة القصوى لسلاح الطيران، والصواريخ طويلة المدى، والكثير من الأسلحة المحرمة دولياً كالانشطارية والرجاجة والفوسفورية، بهدف إجبار السوريين المعارضين للنظام على الاستسلام، ولم تلتزم روسيا حتى بقوانين الحروب، فقصفت (وفق مراصد توثيقية سورية ودولية) المخابز والمدارس، ودمّرت 119 منشأة طبية، وقصفت قوافل مساعدات وأحياء سكنية، وارتكبت 251 مجزرة، ومدّت النظام السوري بالأسلحة، وغطّته سياسياً باستخدام حق النقض (الفيتو) عشر مرات لصالحه.

وبالمقابل، فقد قدّم رأس النظام السوري للروس تنازلات لم يكن ليحلم بها الروس من أي نظام آخر في المنطقة، تنازلات كبيرة وخطيرة، مقابل حمايته وإبقائه على رأس السلطة، وعدم تعريض نظامه لخطر الانهيار والسقوط أو الهزيمة.

يقول المعارض السوري عبد الباسط سيدا، عضو ائتلاف المعارضة السورية، والرئيس الأسبق للمجلس الوطني السوري "يضغط الروس من أجل عقد لقاء سوتشي، وستُشجّع الدول الإقليمية الملتزمة معهم المعارضة بمختلف أجنحتها على المشاركة. هذا في حين أن الأمريكيين والأوربيين يلتزمون الصمت، وما يريده الروس هو استغلال المعطيات، وإخراج حل مبني على ما استثمروا فيه لسنوات. وكل ما يفكرون في إنجازه عبر سوتشي هو تشكيل لجنة دستورية لكتابة دستور شكلي في ظل نظام مخابراتي - عسكري، ستكون له الكلمة الأولى والأخيرة، وفق تصورهم، في ترتيبات الوضع الجديد. وإلى جانب اللجنة الدستورية هذه، ستكون هناك لجنة خاصة بالانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، ومنذ الآن يُمهد لشرعنة بشار الأسد، مكافأة له على كل القتل والتدمير والتهجير الذي كان".

ليست خجلة روسيا بتهديداتها اللفظية المباشرة للمعارضة السورية، فهي قبل ذلك لم تكن خجلة حين أعلنت، وحتى على لسان بوتين ذاته، الذي قال "إن العملية الروسية في سوريا ساعدت في الكشف عن عدد من العيوب في الأنواع الجديدة من الأسلحة الروسية"، وأوضح أن "ممثلين عن بعض المصانع الحربية الروسية زاروا سوريا لإزالة العيوب"، مؤكداً ما قاله وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، بأن الجيش الروسي يُجرّب أنواع جديدة من الأسلحة في ظل ظروف حرب حقيقية، وما أشار له نائب رئيس شركة (أوبورون إكسبرت) سيرغي غوريسلافسكي إلى ارتفاع الاهتمام العالمي بالأسلحة الروسية بفضل العملية العسكرية في سوريا، وما قاله رئيس اللجنة العلمية العسكرية التابعة للقوات المسلحة الروسية الجنرال إيغور ماكوشييف بأن الخبراء العسكريين الروس أجروا اختبارات على استخدام أكثر من 200 نموذج من الأسلحة في سوريا، وبفضل ذلك جرى تعديل خطط تطوير هذه الأسلحة.

إذاً، التهديدات الروسية ليست جديدة، فالهجوم العسكري الروسي على المعارضة السورية لم يتوقف منذ أن تدخلت روسيا عسكرياً بشكل مباشر في سوريا نهاية عام 2015، وقصفها مستمر لمواقع المعارضة، وللمدن والبلدات الحاضنة لقوى المعارضة، وتديرها لمناطق المعارضة لم يتوقف، لكنّها كانت دائماً تدّعي استهدافها للإرهاب المتمثل بتنظيم الدولة الإسلامية، وتنفي استهدافها للمعارضة السورية، لكن التهديد اللفظي هذه المرة أكّد عكس ما كانت تدّعيه موسكو، وأثبت أنها باتت طرفاً في الحرب الجارية في سوريا، طرفًا مندمجًا بشكل كامل مع النظام السوري وقواته العسكرية، ويتحمل المسؤولية ذاتها، ويعادي المعارضة السورية بشكل فج، ولا يمكن أن يكون في يوم من الأيام وسيطًا حياديًا أو ربع حيادي، كما تقول المعارضة السورية دائمًا.

لكن هذه التهديدات لم تلق اهتمامًا كبيرًا من المعارضة السورية، رغم أنها أثّرت على الهيئة العليا للتفاوض، ودفعتها للإعلان عن "وجود احتمال لتغيير الرأي" حول المشاركة في مؤتمر سوتشي، لكن أكثر من 40 فصيلاً عسكريًا أعلنوها مقاطعة نهائية، وهددوا من يُشارك بأنه سيُحسب معاديًا للثورة، كذلك فإن كثير من القوى والتيارات والمنظمات الأهلية والمدنية التي ترى خطرًا كبيرًا من سوتشي، أعلنت أيضًا مقاطعتها النهائية، واتّخذ كل هؤلاء معًا موقفًا موحدًا صلبًا ينص على مقاطعة سوتشي، وهذه هي من المرات النادرة جداً التي تتفق وتتوحد فيها تيارات وقوى المعارضة السورية، وربما سيكون هذا الموقف الموحّد - إن استمر - أقوى من تهديدات لافروف، وسيجعل الاجتماع الروسي حول سوريا في سوتشي دون أي معني، وسيكون أشبه باجتماعات القوى المؤيدة للنظام السوري، وللحليف الروسي والآخر الإيراني، وستكون اجتماعات الصوت الواحد والموقف الواحد، لكها لن تُلزم المعارضة السورية ولا حلفائها بشيء، وستكون فشلاً لسياسة العصا التي تستخدمها روسيا كل يوم ضد المعارضة السورية، وستضطرها للتغيير نحو سياسة أكثر عقلانية وأكثر منطقًا، سياسة تفرض حلولاً سياسية للقضية السورية قابلة للتحقيق، وتضمن التغيير السياسي التدريجي، حلولاً تُقدّم ضمانات أممية دولية لا ضمانات روسية فقط، فالموقف الروسي بات أكثر صعوبة خاصة بعد أن باتت المعارضة السورية بغالبيتها العظمى تعتبرها عدوًا وشريكًا لنظام الأسد في جرائمه ضد الإنسانية.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on