Friday,25 May, 2018
Current issue | Issue 1378, (25 -31 January 2018)
Friday,25 May, 2018
Issue 1378, (25 -31 January 2018)

Ahram Weekly

المواطن المصري وحالة اليقظة

جلال نصار يكتب عن تركيبة الشخصية المصرية وأسرار الصمود

على هامش مؤتمر "حكاية وطن" جمعني حوار جاد مع مجموعة من أصدقائي الصحفيين عن شخصية المواطن المصري الذي كان محورًا للفيلم التسجيلي الذي عرض  في الجلسة الافتتاحية وكيف له أن يتحمل كل تلك المعاناة التي سبقت ثورة 25 يناير ثم تضاعفت أثناء حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تلت الثورة مرورًا بظروف أمنية واقتصادية قاسية كادت تعصف بهذا الوطن ومواطنيه مثلما عصفت بعدد من دول الإقليم التي مرت  عليها رياح الربيع العربي العاتية.

تلك التركيبة الغريبة التي تشكلت من مخزون حضاري ممتد عبر آلاف السنين وصهرته تجارب لم يمر بها شعب على وجه الكرة الأرضية؛ سنوات رخاء وبناء حضاري وتراث بشري رفيع تخللتها سنوات عصيبة من الصراع والغزوات والاحتلال والنهب والمجاعات؛ أديان ورسل وأنبياء وعبادات وفلاسفة وطقوس وجيوش تمر وتتصارع على أرضها وحدودها وفي القلب مواطن مصري يتفاعل ويختزن بداخله كل تجربة تتحول في نهايتها إلى وقود وزاد لمراحل  وتجارب قادمة.

أبناء جيلي الذين ولدوا مع بداية السبعينيات شاهدوا هؤلاء وهم يحتفلون بنصر أكتوبر عام 1973 بعد 6 سنوات من الهزيمة في يونيو 1967 تخللتها حرب استنزاف ونفض حقيقي لكل غبار النكسة التى لم تنل من عزيمة هذا المواطن وإصراره على استعادة الأرض والكرامة؛ سعادة النصر التي نالت منها قسوة سنوات الانفتاح الاقتصادي التى سرقت ابتسامة من حققوا النصر من البسطاء والجنود والضباط وصنعت طبقة جديدة من المنتفعين  الذين  تغذوا على أمنه واستقراراه  فخرج ثائرًا في 1977 في ما سمي بانتفاضة  الخبز؛ ليقفز المشهد لاحقا إلى مبادرات سلام تنهي سنوات الحرب التقليدية ووعود بالرخاء والدعم الأمريكي بعد أن تحولت دفة السياسة والاقتصاد صوب واشنطن بعد أن استقرت سنوات في فلك التحالف السوفيتي ومحاولات عدم الانحياز لأي من القطبين في عالم  الثنائية القطبية التي تركت ملامحها على المواطن المصرى داخليًا ومن فر منهم بحثًا عن مال ووفرة في الرزق في بلدان الخليج.

مرحلة السبعينيات التي شهدت إطلاق غول تيار الإسلام السياسي وجماعات العنف الديني على كل تيارات الفكر المخالف في الشارع السياسي المصري وسمح لها بالتوغل والحركة واعتلاء المنابر في الجامعات وخارجها وشهدت أحداث عنف مثل أحداث  الكلية الفنية ومشهد اغتيال الرئيس السادات؛ ولكنها لم ترحل وظلت تتوغل بد أن تم إسقاط كل التيارات الأخرى وحصارها داخل مقراتها وعقول من يؤمن بها وشهدنا مواطنًا مصريًا في صراع بين ما اختزنه خلال تاريخه العريض وبين تيار يحاول إزاحة وشطب كل هذا في عملية غسيل أدمغة بالغة الخطورة وقفت فيها الدولة على الحياد الذي وصل في كثير من الحالات إلى حد التواطىؤ والخوف من المواجهة.

سنوات طاحنة من الإصلاح الاقتصادى قادتها حكومة الدكتور عاطف صدقي في أواخر الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات عانى فيها هذا المواطن من قسوة  الحياة وهرب منهم البعض إلى وعود الآخرة التى تلقفها التيار السلفي والعائدون من سنوات الهجرة في الخليج بعد أن تشبعوا بأفكار تيارات أكثر تشددًا وانغلاقًا وصار شعار "الإسلام هو الحل" هو الأمل وطوق النجاة للهروب من الواقع بعد أن فشلت كل الحلول والأفكار الدنيوية وروج لهذا تيار الإسلام السياسي وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين والحاضنات السلفية والسلفية الجهادية إلى الدرجة التي عزلت شريحة من هذا الشعب خلف جدران اليأس من الدنيا لرجاء مؤجل في الآخرة وجعلت منه أكثر قبولا لرفض وتكفير الآخر المختلف معه في الفكر والعقيدة وحتى من اختلف معه من أتباع الدين الإسلامي.

حالة من الصراع الداخلي استمرت داخل وجدان هذا المواطن بين ميراث لحضارة انصهرت بداخلها كل الحضارات والثقافات ونموذج يسعى بكل ما أوتى من وسائل مشروعة وغير مشروعة لمحو هذا التراث وتكفيره ساعد في ذلك انغلاق النظام السياسي الذى عمد إلى إغلاق المجال العام السياسي والانفتاح الفكري الذي كان بمثابة طوق النجاة الوحيد للحفاظ على تلك الشخصية المصرية الوسطية وإدماجها مع محيط عصرها والحضارة البشرية ومفاهيم التقدم واكتفى بتجربة اقتصادية قادتها مجموعة حول جمال مبارك نجل الرئيس مبارك حققت بعض الإنجازات الرقمية الاقتصادية  لم تكن كافية لمواجهة حال النخر في قاع المجتمع فكريًا مع حالة فقدان عدالة اجتماعية في توزيع فوائض هذا النجاح الاقتصادى وغياب  لمنظومة العدالة ودولة القانون والمساواة.

تلك الثغرات في المجتمع وجدت لها طريقًا  لوجدان المواطن الذي التقط أفكار التغيير والثورة وكانت أحواله وحاله وقودًا  لخروج كبير في 25 يناير 2011 بعد كل سنوات الصراع الداخلي وحالة السقوط المجتمعي والقيمي والفكري؛ فرغم حالة الرقي التي سجلتها بعض مشاهد ميدان التحرير وأشاد بها العالم إلى أنه على أطراف الميدان قادت جماعات الفوضى بعضًا من مليشياتها وبعضًا ممن سقطوا خلال سنوات السقوط الفكري والاقتصادي في موجات تركيع للدولة المصرية استهدفت سقوط الدولة الوطنية لصالح فكرة الخلافة والمرشد والأمير عبر صراع مع ما تبقى من مؤسسات الدولة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.

ولكن سرعان ما استيقظ وجدان هذا المواطن وما بداخله من حضارة وحسم الصراع سريعًا لصالح منظومة من القيم والتراث والوسطية وأدرك أن كل هذا المخزون يضيع ويسرق منه لصالح مشروع غريب عنه وعن وجدانه وما تشكل عليه خلال آلاف السنين فخرج ثائرًا في نوفمبر 2012 على مندوب مكتب الإرشاد في قصر الحكم وهتف يسقط  حكم المرشد ويسقط الإخوان، وتوج هذا النضال الذي استمر شهورًا في 30 يونيو 2013 بثورة شعبية هي الأكبر في التاريخ  البشري.

وفي 2018 ونحن ننظر خلفنا لسنوات نرى كيف أن هذا المواطن يعيد بناء هذا الوطن ويستجمع كل قواه وذاكرته للتغلب على كل ما يعوق بناء مصر في قصة  وطن ومواطن من يدرك تفاصيلها يستطيع أن يقر بأن هذا المواطن يعيد بناء شخصيته وتراثه ومخزونه الحضاري الذي مازال مهددًا قبل أن ينسب له بناء مشروعات مادية كبرى؛ فقط يحتاج إلى من يرعى مشروعًا فكريًا ثقافيًا نهضويًا حقيقيًا للقضاء على هذا التهديد المستمر منذ سنوات وأن تكف الدولة عن حالة الصمت تجاه الفشل المتكرر لبعض مؤسساتها التى تساهم بسلبيتها وبعدم الفعل على إزكاء هذا التهديد وجعله بديلا محتمل في لحظة سقوط ليست بعيدة... نحتاج اليقظة.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on