Wednesday,21 November, 2018
Current issue | Issue 1378, (25 -31 January 2018)
Wednesday,21 November, 2018
Issue 1378, (25 -31 January 2018)

Ahram Weekly

الولايات المتحدة في سوريا.. استراتيجية جديدة أم تكرار لسياسة فاشلة؟

أعلنت الولايات المتحدة عن استراتيجية جديدة في سوريا، لكن السوريين تعاملوا معها بحذر لأن لديهم تجارب سابقة غير مشجعة ولا تحظى بمصداقية مع الولايات المتحدة الأمريكية، رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

في 14 كانون الثاني/ يناير 2018، أعلن التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة أنه يعمل، مع فصائل سورية حليفة له، على تشكيل قوة عسكرية في سوريا قوامها 30 ألف مقاتل، أكثر من نصفهم من الأكراد، من ميليشيات (قوات سورية الديمقراطية - قسد)، لتنتشر على طول الشريط الحدودي مع تركيا شمالاً، وعلى الحدود العراقية إلى الجهة الشرقية الجنوبية وبموازاة نهر الفرات، وأشار إلى أن عملية تطويع وتجنيد النصف الآخر قائمة على قدم وساق.

بعد ثلاثة أيام، وتحديدًا في 17 كانون الثاني/ يناير 2018، أدلى وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون بتصريح جاء بمثابة إعلان واضح ومباشر للاستراتيجية الأمريكية فيما يخص سوريا والمنطقة خلال المرحلة المقبلة، وطرح جملة من القضايا التي لم تكن الولايات المتحدة قد أعلنت موقفًا صريًحا منها في أي وقت سابق، وغيّرت هذه التصريحات والمواقف توقعات ما سيحمله عام 2018 لسوريا خصوصًا ولمنطقة الشرق الأوسط عمومًا.

في معرض تصريحاته، قال تيلرسون إن القوات الأمريكية ستبقى في سوريا لمواجهة (داعش) ونظام الأسد وإيران، وأنها لن ترتكب "خطأ 2011 العراقي" الذي خرجت بموجبه القوات الأمريكية من العراق فاسحة المجال للهيمنة الإيرانية وتوسّع تنظيم القاعدة، واعتبر ذلك "مصلحة وطنية"، وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي تُصرّح فيها واشنطن بأن هناك مصالح أمريكية كبرى في سوريا وأنها مستعدة للدفاع عنها.

كما تحدث الوزير الأمريكي عن قوات لبلاده قوامها ألفي مستشار عسكري، ستبقى في الأراضي السورية شرق الفرات، إلى أن يختار السوريون حكومة جديدة تحوز على مصداقية دولية، وقال إن "الانسحاب التام" للأمريكيين من سوريا في هذه المرحلة "سيساعد الأسد على مواصلة تعذيب شعبه".

واعتبر في خطابه عن السياسة الأمريكية حيال الأزمة السورية الذي ألقاه في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، أن "رحيل" الأسد في إطار عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة "سيخلق الظروف لسلام دائم"، ورغم أنه لم يقل إن الولايات المتحدة ستطيح به، إلا أنه شدد على أن انتخابات حرة وشفافة بمشاركة جميع الذين فروا من النزاع السوري ستؤدي تلقائيًا إلى رحيله وعائلته من السلطة نهائياً، بعد أن اتهمه بتحويل سوريا إلى دولة تابعة لإيران، كما شدد على أنه "لن يُسمح لإيران بالاقتراب من هدفها الكبير وهو السيطرة على المنطقة".

أتت كلمة تيلرسون إثر ضغوط من الكونجرس على إدارة ترامب، لتوضيح أبعاد استراتيجيتها السورية، فأصبح هذا الخطاب أول وثيقة رسمية شاملة عن السياسة الأمريكية، وتبدو تصريحات تيلرسون تحولاً في الاستراتيجية الأمريكية في سوريا، وهي تستند أساساً إلى خمسة أسس، وتُقدّم ثلاثة رسائل.

أما الأسس التي تحكم الاستراتيجية الأمريكية في المرحلة المقبلة -وفق رأس الدبلوماسية الأمريكية- فهي أولاً قرار الولايات المتحدة البقاء في سوريا عسكريًا للقضاء على (داعش) والجماعات المتطرفة الأخرى، وثانيًا الرفض الكامل للتواجد الإيراني على كامل الأرض السورية، وثالثًا تحقيق انتقال سياسي حقيقي وكامل بدون رأس النظام السوري وعائلته، ورابعًا عدم امتلاك سورية مستقبلًا لأسلحة دمار شامل، وأخيرًا عودة النازحين إلى سوريا بشكل طوعي وآمن.

أما الرسائل فهي لروسيا ولإيران وللمجتمع الدولي، تُخبر فيها روسيا بشكل لا لبس فيه أن موسكو ليست سيدة الساحة السورية رغم تواجدها العسكري الكثيف على الأرض، وليست صاحبة القرار الفصل، كما تُخبر إيران بأن واشنطن ستكون لها بالمرصاد ولن تسمح لها بالهيمنة على سوريا بأي شكل، وأخيرًا، تُخبر المجتمع الدولي بأن الإعمار لن يبدأ في سوريا إلا بعد أن يجري التغير الشامل في سوريا ويتغير النظام السياسي.

تحتاج الاستراتيجية الأمريكية الجديدة -إن كان ما أعلنه تيلرسون والبنتاغون جدّيًا- إلى خطط استراتيجية وخطوات عملية في غاية التعقيد، وتحتاج إلى مجموعة من المقدمات التي يجب أن تُفرض على الأطراف كمدخل، وتمهّد لإمكانية تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية الأمريكية المرتقبة. كما أنها تحتاج للمزيد من التوضيح بشأن كيفية فرض واشنطن العملية السياسية على نظام الأسد ليقبل بتسوية سياسية تؤدي إلى توفير مناخ آمن ومحايد يؤدي إلى انتقال سياسي من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وفي الغالب لن تُقدّم الولايات المتحدة توضيحات إضافية حول كل ذلك باعتبارها غير مُلزمة بتقديم تقرير مسبق عن أي خطوة مستقبلية لها.

طرح كلام تيلرسون تساؤلات أكثر مما قدّم أجوبة، وحمل في طيّاته انعكاسًا للسياسة الأمريكية الغامضة والمترددة في سوريا، والتي سادت خلال السبع سنوات الماضية، ولم تُسفر عن أي تغيير في موازين القوى، ولم تمنح الفرصة لأي حل سياسي أو عسكري بالتقدّم، كما يعكس الرغبة الأمريكية في عدم التورط العسكري في سوريا، واستمرار الرهان على توريط الأطراف الأخرى، والمراهنة على إدارة التوازنات الإقليمية والدولية دون حسمها بالقوة أو الضغط المباشر.

بالنسبة إلى السوريين، ليس واضحًا بعد ما هي طبيعة السياسة الأمريكية الجديدة، وتبقى ضمن مسار التخمينات والترجيحات، خاصة وأن لديهم تجربة غير مُشجّعة مع الولايات المتحدة، والتي اتسمت طوال سبع سنوات بالتردد والغموض وعدم الحسم، والتصريحات الفضفاضة غير الجازمة، والنظر للقضية السرية من منظور المصالح الأمريكية فقط بعيدًا عن مصالح السوريين الذين ثاروا ضد النظام الشمولي وقدّموا ما يُعتقد أنه لامس المليون من القتلى من أجل ذلك.

يقول المعارض السوري مشعل العدوي: "تعتبر هذه التصريحات بمثابة اندفاعة أمريكية قوية في لحظة مهمة، وهي استعداد موسكو لعقد مؤتمر سوتشي ليُعلن بوتين نصره في سوريا، والموقف الأمريكي المستجد هذا سيتبعه بطبيعة الحال مواقف دولية وإقليمية كانت قد يئست من أن يكون لأمريكا أي دور في إيجاد حل أو مخرج للكارثة التي تعصف بالسوريين منذ سنوات سبع".

وأضاف: "أعتقد أن هذه فرصة مناسبة على المعارضة السياسية والعسكرية السورية اغتنامها وفهم الجهود الأمريكية المستجدة والانخراط بها لأنها تعيد التوازن السياسي على أقل تقدير في الميدان السوري بعد انكفاء أمريكي طويل".

لكن المعارض السوري سعيد مقبل لا يوافق ذلك ويقول "سبق للولايات المتحدة قبل ست سنوات أن أعلنت أن الأسد غير شرعي، وأنه لا يمكن أن يستمر في حكم سوريا، وأن إيران مصدر الإرهاب في المنطقة، لكنها لم تتصرف أي تصرف واحد جدي يؤذي النظام السوري ويُسهّل انكساره، وصمتت على كل الممارسات الروسية الداعمة له ولإيران، كما أظهرت عدم اكتراث وهي تراقب السوريين يموتون كل شهر بالآلاف، ورفضت تسليح المعارضة السورية، بل وعاقبتها في بعض الحالات، وبالنهاية تعد بعد ست سنوات لتعيد نفس الاسطوانة ونفس الحديث، فما الذي اختلف ليصدقها السوريون هذه المرة!".

الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لم تُعجب الحليف السابق لها تركيا، فهي تعتبر أن الولايات المتحدة ستقوم بإنشاء "جيش إرهابي" بمحاذاة الحدود التركية - السورية، سيلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه لعلاقات تركيا مع الولايات المتحدة، على اعتبار أن نواة القوة العسكرية التي تنوي الولايات المتحدة تشكيلها هم من حزب الاتحاد الديمقراطي، الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه تركيا منظمة إرهابية.

سرعان ما أبعد الأمريكيون المخاوف التركية حين سمحوا لهم أن يهدموا على مدينة عفرين السورية، أكبر معقل للميليشيات الكردية، وغضّوا الطرف عن الهجوم التركي رغم التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة وهذه الميليشيات، كما صرّح الوزير تيلرسون بأن فكرة تشكيل قوة حدودية من 30 ألف مقاتل "أسيء طرحها وأسيء تفسيرها وكانت غير دقيقة"، كما سارعت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لنفي ما أُعلن، موضحة أن قوات الأمن المحلية التي تقوم واشنطن بتدريبها "لا تمثل جيشًا جديدًا، أو قوات حرس حدود تقليدية، بل الهدف منها تعزيز أمن وسلامة اللاجئين ومنع عودة تنظيم الدولة الإسلامية"، وكل هذا يؤكد على أن التحالف القديم بين البلدين يمكن أن يعود بشكل سريع إلى سابق عهده، وسيكون بالطبع على حساب تراجع العلاقة التركية الروسية.

توحي تصريحات الوزير الأمريكي أن الأسد صار بضاعة منتهية الصلاحية، وأنها مصدر فوضى، وجسر لإيران نحو المنطقة، وأن الولايات المتحدة ستقضي على الطرفين بنهاية الأمر، ثم، وهو الأهم أنه ربط بين استمرار التواجد الأمريكي في سوريا، وحماية الأمن الداخلي للولايات المتحدة، وهي معادلة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، الذي أعلن أنه سيحارب الإرهاب في الخارج الأمريكي قبل أن ينتقل إلى الداخل، وتمّ تطبيق ذلك عبر غزو أفغانستان عام 2001، ثم غزو العراق عام 2003، لكن هذه المعادلة ألقت موجات جديدة من التنظيمات الإرهابية، على عكس المُنتظر منها، وتسبب الخطأ الذي ارتكبته الولايات المتحدة بالخروج من العراق بدخول إيران وسيرتها على العراق سياسة وعسكرة واقتصادًا، وفسح المجال للتفكير بجدّية اكبر لإكمال هلالها الاحتلالي ذي البوس الطائفي، عبر سوريا وصولاً إلى لبنان فالمتوسط.

كذلك لابد من الأخذ بعين لاعتبار أن الوزير الأمريكي لم يذكر أن على الأسد التنحّي كشرط مسبق لبداية أو نهاية التفاوض، بل اكتفى بالتلميح إلى أن "المرحلة الانتقالية لا يمكنها أن تكون ناجحة من دون رحيله"، وهذا بالنسبة للسوريين كلام فضفاض خبروه قبل ذلك، ثم أنه دعا المعارضة السورية إلى "الصبر في هذه المسألة التي ستحصل من خلال عملية تدريجية للإصلاح الدستوري"، ما يوحي أن واشنطن بدورها ليست بعجلة من أمرها لإيجاد حل يُنهي المقتلة السورية، وهذا يدعو للتشكيك بالاستراتيجية الأمريكية، واعتبارها "صوتية" لا "فعلية".

لكن، في نفس الوقت، يمكن اعتبار السياسة الأمريكية الجديدة في سوريا تشمل تعزيز وسائل التفاوض مع روسيا، وتطرح حلاً شاملاً يجنّب التوصل إلى "سلام زائف" على الطريقة الروسية، وانخراطاً فعلياً في العملية السياسية، واعتبار سوريا المسرح الرئيس لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما يعني بداية فرض مسار أمريكي جديد قد تظهر أولى بوادره العملية خلال أشهر.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on