Friday,25 May, 2018
Current issue | Issue 1379, (1 -7 February 2018)
Friday,25 May, 2018
Issue 1379, (1 -7 February 2018)

Ahram Weekly

إدارة التنوع والاختلاف

جلال نصار يكتب عن الدولة القوية التى تدير وتمزج بين التنوع والاختلاف، في حين أن الدولة الضعيفة تكون ذو صوت وصدا منفردا

تعرف السياسة بأنها فن إدارة التنوع والإختلاف بين عناصر المعادلة السياسية؛ ذلك التنوع الذى يحمل بداخله صراع على مكاسب وربما مصلحة لشخص أو لحزب أو لتيار سياسى وفكرى ما؛ ويقاس نجاح المنظومة والنظام القائم بمدى قدرته على احتواء كل الفاعلين والوصول دائما بهذا الصراع السلمى إلى بر أمان يحفظ للمنظومة وللمجتمع أفرادا ومؤسسات قدر كاف من الاستقرار والأمن والتقدم الذى تصنعه تلك الأفكار والصراعات الإيجابية.

تلك المعادلة التى يحكمها دائما قواعد يتفق عليها الجميع واستقر عليها وتم تضمينها فى مفهوم الدولة الوطنية بما تعنيه من احترام كامل للسيادة والحدود ومقومات الدولة ومؤسساتها القائمة وهو الحد الفاصل بين قبول أفكار وجماعات تعمل ضمن هذا الأطار وبين غيرها تعمل ضدها وضد فكرة الدولة والحدود والسيادة وخارج الافكار الحديثة للاتحاد الاقتصادى والسياسى المتعارف عليها بين الدول الوطنية؛ لذلك يصنف فكر جماعة مثل الإخوان المسلمين كمناهض تماما لفكرة الدولة الوطنية ويدعو لنظام سياسى تحت راية  الخلافة كالتى يدعو لها أبو بكر البغدادى أو رجب طيب اردوغان أو مرشد الجماعة ومؤسسها حسن البنا ومن بعده مفكرهم سيد قطب؛ وهو المدخل الذى تم توظيف فكر الجماعة وادواتها وأفرادها فى تدمير المجتمعات التى ينتسبون لها وجعل منهم فى حالة صدام دائم مع كل ما هو قائم وما يمثله من مؤسسات.

عدا ذلك فأن الغياب الواضح لبقية التيارات الفكرية والسياسية التى تؤمن بأسس الدولة الوطنية وقواعد العمل السياسى فى المجتمعات المعاصرة عن الساحة هو فشل لمنظومة العمل السياسى والقائمين على الدولة لأن غياب تلك التيارات الوطنية يمنح مساحات فراغ لا محدودة لعمل جماعات خارج النظام والفكر والسياسة؛ ولعل المشهد  السياسى الذى تعيشه مصر حاليا خير نموذج لغياب السياسة والتيارات والأفكار والأحزاب مما سمح بوجود مساحات فراغ كبيرة للفكر الفوضوى بكافة تنويعاته من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وخلق أزمة واضحة لغياب الكوادر السياسية المؤهلة على الأشتباك مع الواقع السياسى واستحقاقاته سواء فى الانتخابات التشريعية أو الرئاسية والمحليات؛ أصبحنا نرى المرشحين دون ظهير سياسى أو شعبى أو فكرى وأبرزهم وكيلا لحزب تحت التأسيس أو زعيم لتيار بلا ملامح أو هيكل تنظيمى أو قواعد شعبية مع غياب واضح للقدرة على الحشد والنتيجة سقوط مدوى فى الصندوق وخارجه إما بالحصول على ترتيب متدنى فى الانتخابات أو فشل فى الحصول على التوقيعات والتوكيلات اللازمة لخوض العملية الانتخابية.

وفى الإعلام كما فى السياسة إذا غاب التنوع والاختلاف ماتت المهنة وغاب الإبداع وعدم قدرة القائمين على المنظومة على إدارة هذا التنوع والإصرار على التنميط والصوت الواحد خلق مناخا مهددا للحالة المهنية والسياسية على حد سواء وأفقد المنظومة المصداقية وسمح بمساحات فراغ كبيرة نجح العديد من خارج تلك المنظومة فى احتلالها والعمل على ملء الفراغ الحادث فى تدفق الأخبار والمعلومات والتحليل؛ وأرسى  وضعا شغلت فيه مساحات كبيرة من الفوضى وعدم المهنية والفبركة تحولت مع مرور الوقت إلى قواعد جديدة للمهنة فى غياب واضح للرؤية والقدرة على الفعل والتحمل.

فقبل نصف قرن تقريبا كان الرئيس ريتشارد نيكسون ينتقد وسائل الإعلام الأمريكية على أعتبار أنها كيان واحد يفتقد التنوع والتعدد والألوان حين كان هناك حفنة محدودة من قنوات التليفزيون والمجلات المصورة والصحف قبل أن يتغير الحال تماما منذ بداية الألفية الثالثة حيث أدرك المجتمع بعد أكتمل نضجه السياسى إلى أنه فى حاجة إلى ثلاثة أنواع من وسائل الإعلام تتوجه إلى كل عناصر وقوى المجتمع بكل تنوعاته وأهتماماته؛ الأولى: وسائل الإعلام القائمة على الجمع بين الترفيه والإعلام والموجهة إلى العامة والتى تشمل قنوات التليفزيون الوطنية الكبرى وشبكات الإذاعة الوطنية وشبكة الإعلام الأمريكى المستمر وفروعها المحلية التابعة لها.

الثانية: مجموعة القنوات ووسائل الإعلام والصحف التابعة للأحزاب مثل الشركة التليفزيونية التجارية FOX وشركة الإعلام المتواصل MSNB. الثالثة: إعلام وصحافة الجودة والنخبة وصانع القرار ورجال الأعمال والسياسة ويندرج تحتها صحف ومؤسسات مثل النيويورك تايمز وول ستريت جورنال وبولتيكو وزى اتلانتيك.

وقد نجح المجتمع والقائمين عليه هناك فى إدارة هذا التنوع والاختلاف والاحتياج على مدار العقود الماضية إلى أن وصلنا لإدارة الرئيس الحالى دونالد ترامب الذى يعيش حالة صدام دائم مع تلك الوسائل إلا القليل منها ولم يشفع له موقفها غير المهنى منه فى حالات كثيرة ووصل الأمر إلى حالة من الصدام أختلط فيها السياسى بالمهنى حتى أصبحا وجهان لعملة واحدة لا ينفصلان عند تحليل المشهد الحالى.

وفى مصرنا؛ غاب التنوع والاختلاف عن وسائل الإعلام والصحف المصرية فى مشهد نمطى يفتقر إلى قواعد العمل المهنى والسياسى وغاب الدور التنموى والترفيهى والإخبارى والتنويرى لتلك الوسائل حتى فقدت تأثيرها وأنصرف القارىء والمشاهد إلى مساحات أخرى وفضاءات أخرى باحثا عن هذا التنوع والأختلاف وإشباعا لإحتياجاته هروبا على وسائل التواصل الإجتماعى أو جالسا على مقاعد المتابع لفضائيات التحريض على الدولة والداعمة للإخوان التى تبث من الدوحة وأسطنبول.

غاب التنوع والاختلاف فغاب النقاش والنقد البناء وغابت الكوادر التى يعتبر الإعلام أهم مناصاتها لمخاطبة الرأى العام وتشكيل الوعى لأن هناك من يعتقد أن مجرد الإختلاف جريمة يعاقب صاحبها لأنه يشق الصف ويهدد الأمن والاستقرار فى لحظات يواجه فيها الوطن حربا شرسة من الإرهاب ويسقط فيها الشهداء وتقدم فيها التضحيات ولكن أصحاب هذا الفكر يفتقدون أبسط قواعد الوعى والإدراك والتمييز وهم سبب ما وصلنا إليه من تدهور فى العديد من الملفات.

إن الاختلاف والتنوع قيمة وضرورة لبناء المجتمعات وتحصينها من الإختراق لأنه يضمن الأرضية التى تتم عليها تلك الاختلافات وتحتوى كل التنوعات ولا تسمح بمساحات فراغ يحتلها من يترقب المشهد ويتنهز كل الفرص للإنقضاض على تلك المساحات فى العقول والوجدان وتشكل الوعى.

افتحوا النوافذ لكل مساحات الإختلاف والتنوع فى الفكر والسياسة والإعلام والثقافة لأنه ثراء وجدار منيع وحائط صد أمام كل المؤامرات والتهديدات التى من أجلها وضع من وضع كل تلك القيود وأوصلنا إلى هذا المشهد  السياسى والمهنى البائس واصبح كالدبة التى تقتل صاحبها ببساطة لأنه "جاهل".


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on