Friday,25 May, 2018
Current issue | Issue 1380, (8 - 14 February 2018)
Friday,25 May, 2018
Issue 1380, (8 - 14 February 2018)

Ahram Weekly

هل تسقط الرهانات

جلال نصار يكتب عن أصداء مقاطعة الانتخابات التى يتبناها اليساريين والليبراليين، ويستمتع بالحانها جماعة الاخوان المسلمين الارهابية

قمت بزيارة إلى مؤسسة راند الأمريكية RAND عام 1994 فى إطار عدد من الزيارات واللقاءات مع بعض الأساتذة المتخصصين في الشرق الأوسط وفي ما كان مصطلحا جديدا على الساحة حينذاك "الإسلام السياسى"؛ ومؤسسة "راند" لمن لا يعرف هي أحد مؤسسات العقل الإستراتيجى الأمريكى وتستطيع فى العديد من المناسبات فرض رؤيتها على مؤسسات الإدارة الأمريكية التى تكلفها بالأساس بمهام عملها البحثية.

من خلال المناقشات مع الخبراء في المؤسسة كان رهانا واضحا لديهم بأن المستقبل في منطقة الشرق الأوسط لما أطلقوا عليه "الإسلام الليبرالي" مع إصرار على الصياغة ودلالاتها التي ترغب في تمريرها كي تؤكد أن الإسلام المعتدل ليس مناقضا للديموقراطية والليبرالية حيث كانت المؤسسة تعمل في هذا الوقت المبكر على برنامج تأهيل كوادر من شباب التيار الإسلامي كي يصبحوا طليعة مؤمنة بمفهوم "الإسلام الليبرالي" المتصالح مع الأفكار الغربية بالتزامن مع خطة شاملة للتوسع في هذا البرنامج وحددت المؤسسة خيارها الرئيسى باختيار جماعة الإخوان المسلمين ممثلا لهذا التيار على أن يتم التسويق لتيار الإسلام السياسي ومنظريه في الشرق والغرب على أنهم معتدلون وهم البديل القادر على الحفاظ على القيم والمصالح الأمريكية مع وجود آليات واضحة لممارسة الضغط على أنظمة الحكم القائمة لقبول هذا التيار كفصيل ضمن فصائل القوى السياسية الشرعية القائمة وأن يسمح له بحرية خوض الانتخابات وتشكيل الأحزاب والحكومات مع حريات واضحة في التحرك بين الجموع وفي الجامعات والمجتمع المدني.

وأدرك الباحثون في مؤسسة راند وغيرها من مؤسسات الفكر والقرار الأمريكي أن هذا الأمر لا يكتمل ولن يكتب له النجاح ما لم يتم تأهيل كوادر من بقية التيارات المدنية التي ستقبل بتيار الإسلام السيياسي وتعمل كحاضنة سياسية له في مراحل النمو والسيطرة فدفعوا واشنطن للضغط على نظام الرئيس حسني مبارك قبل ثورة 25 يناير 2011 للتغاضي عن وجود برامج تمويل وتدريب لعشرات من كوادر مؤسسات المجتمع المدني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وعن طريق مؤسسات وشخصيات أمريكية أو ممن يحملون جنسيات وعناوين أخرى كي يتم قبولها حتى أصبح الأمر مقبولا ومستصاغا حتى لدى أعتى أقطاب اليسار المصرى المعادين تاريخيا للتوجهات الأمريكية وأصبح تيار الإسلام السياسى وليد مؤسسات الفكر والأمن الأمريكي في كفالة وحماية التيارات المدنية وخاصة بعض أهم رموز تيار اليسار واليسار الوسط وبالطبع الليبراليين الذين يؤمنون بالتوجهات الأمريكية عملا وقولا والديموقراطية على الطريقة الأمريكية.

هذا التوجه الأمريكى وديناميكيته تلاقت مع جهود الأب المؤسس والراعى  الدائم للجماعات الإسلامية "بريطانيا" صاحبة الخبرة التي حصلت عليها من سنوات احتلال عدد كبير من دول المنطقة وفي مقدمتهم مصر وتمتلك في تركيبة أجهزتها الأمنية والسياسية كوادر وأطقم كاملة على إلمام تام بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية داخل تلك الدول لأنها كانت حريصة قبل أن تعلن نهاية احتلالها واستقلال تلك الدول على ترك مفاتيح للتحكم في معادلة الحكم ومسيرة العمل السياسي والاقتصادي حيث ترى لندن رغم نهاية الاحتلال أنها صاحبة الولاية والسيادة على مصير الدول التي كانت تحتلها وصاحبة القول الفصل في مستقبلها حفاظا على مصالح بريطانيا ومن أجل هذا تجند لهذا الأمر قنواتها التليفزيونية والإذاعية ووكالات الأنباء التابعة لها وتوف الدعم السياسي والقانوني واللوجيستي لعناصر تيار "الإسلام السياسي" في أماكن تواجدهم وكذلك في لندن عاصمة هذا التيار في العالم أجمع.

كما تنسق لندن مع عواصم حليفة وحاضنة لهذا التيار وتعمل بالتنسيق مع واشنطن ولندن وهي قطر وتركيا فى محاولة لتمكين هذا التيار واستغلت في هذا موجة الربيع العربى التي أطاحت بنظم الحكم القديمة في المنطقة وحلت محلها عبر الصندوق وبالتنسيق مع التيار المدني والقوى الانتقالية لتمكين هذا التيار بالصندوق وخاصة في مصر وتونس وبالسلاح ليبيا وسوريا إلا أن ثورة 30 يونيو 2013 في مصر وما سبقها بشهور من حراك في الشارع المصري دمر هذا المخطط لتمكين هذا التيار ودمر معه خططًا وسياسات واستراتيجيات كاملة وهذا ما يسفر عدم رضا واشنطن ولندن الدائم عن ما حدث ويحدث فى مصر سواء كان الأمر مهما أو على الهامش وممارسة كل الضغوط في الكواليس لإعادة هذا التيار للمشهد استثمارا لسنوات التجهيز والتدريب والتأهيل والضغط بالتوازي مع خطة عقاب للشعب المصري وقائد جيشه الذي استجاب لرغبة الشارع وأطاحوا سويا بحكم جماعة الإخوان المسلمين ومرشدهم ومندوبهم في قصر الحكم.

الأمر الغريب هو استمرار رموز التيار المدني المصري في الارتماء في أحضان هذا التيار بتنويعاته الظاهرية والتنسيق  معه من أجل الإطاحة بنظام الحكم الحالي من خلال الاستجابة لدعوات وقف العمل بالدستور واستحقاقاته الانتخابية والقانونية وتكرار الدعوات معه للنزول للشارع مجددًا وإعلان مقاطعة كل الفعاليات بزعم أن المناخ السياسي لم يعد يسمح بممارسة العمل السياسي السلمي وأن نظام حكم عبد الفتاح السيسي يدمر الدولة المصرية والمضحك أن بياناتهم تذيل بألقاب وصفات عن استحقاقات انتخابية لم يشاركوا فيها أو قاطعوها أو لم يعترفوا بنتائجها ويكتفون بالظهور الموسمي وعزلة تامة عن الشعب وقضاياه.

أقولها وأرددها في كل كتاباتى إن الاختلاف مع أي نظام حكم على أرضية وطنية ومن داخل النظام وعلى قضايا سياسية أو فساد أو عدم تطبيق لقانون أو دستور أو بطش هو المتعارف عليه من شئون السياسة وكفاح المعارضة في كل بلاد العالم، ولكن الاختلاف مع نظام الحكم والدولة على أساس الدين وأسس الدولة الوطنية ومفاهيم السيادة باحتضان والتحالف مع تيار تابع لتنظيم دولي وعواصم غربية وإقليمية لا تريد الخير لمصر أمر غير مقبول ويرقى إلى مستوى التأمر ولا أحب أن أقولها: "الخيانة" ببساطة لأن المعادلة صفرية بين الدولة بمفهومها وبين أتباع ذلك التيار الفاشى ووستسقط رهاناتهم وستكون تلك المعارضة المدنية الهشة أول ضحاياها.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on