Tuesday,20 November, 2018
Current issue | Issue 1380, (8 - 14 February 2018)
Tuesday,20 November, 2018
Issue 1380, (8 - 14 February 2018)

Ahram Weekly

توابع أزمة التسريبات في لبنان.. كيف يدير حزب الله علاقته مع الحليفين المتنافرين ؟

اندلعت التوترات في لبنان بين حركة أمل الشيعية والحركة الوطنية الحرة المسيحية، مما أثار ذكريات غير مريحة للحرب الأهلية في البلاد، رسالة حسن القشاوي من بيروت

بعد أن كانت قد هدأت الصراعات الداخلية في لبنان خاصة بعد الالتفاف الواسع لمعظم التيارات السياسية في لبنان حول رئيس الوزراء سعد الحريري إبان أزمة استقالته من الرياض، انفجرت الأوضاع فجأة بين حركة أمل بزعامة نبيه بري والتيار الوطني الذي أسسه رئيس البلاد العماد ميشال عون ويترأسه حاليا جبران باسيل صهره ووزير خارجيته.

ووصلت الأزمة إلى درجة لم يشهدها الشارع اللبناني منذ سنوات بعد تحرك أنصار أمل وعناصرها في مظاهرات وتحركات بعضها مسلحة وشهدت إطلاق نار وعمليات إحراق وصلت لذروتها فيما يعرف باسم غزوة الحدث . 

التيار والحركة كلاهما حليف أكثر من مهم  لحزب الله  الأمر الذي دفع الأخير لسرعة التحرك لمحاولة تطويقها.

الأزمة جاءت بعد نشر تسريبات يتحدث خلال باسيل فيما يبدو أنه اجتماع لأنصاره عن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري بشكل غير ملائم قائلا إن الأخير هدد من سيشارك في مؤتمر الاغتراب اللبناني في أبيدجان بساحل العاج  بأنه سيكسر رأسه وأن هذا تصرف يصدر من بلطجي وليس رئيس مجلس نواب.

الأزمة جاءت امتداد لأزمة أخرى نشبت بسبب منح الرئيس اللبناني أقدمية عام لضباط يعرفون بضباط دورة عون .

وتعود حكاية هؤلاء الضباط إلى نهاية الثمانينيات، عندما طوّعت المدرسة الحربية التي كانت تحت سيطرة حكومة عون العسكرية دورتي ضباط عامي 1989 و1990. ولدى خروج عون من بعبدا في 13 أكتوبر 1990 إلى فرنسا بيد الجيش السوري الذي فرض اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية، وحسم المعركة لمصلحة القوات السورية وجيش الشرعية الذي كان يقوده العماد إميل لحّود، لم يسرّحوا من الجيش ولم يتابعوا دوراتهم، واستمروا في تلقي الرواتب من الجيش.

وفي بداية يناير  1993، جرى ضمّ الدورتين بمبادرة من لحّود لإعادة لمّ شمل الجيش واحتضان الضباط العونيين (كان عون قائدا للجيش في الفصل الأخير للحرب الأهلية وَقّاد الجزء المسيحي منه)، وأعيد هؤلاء لمتابعة الدراسة في المدرسة الحربية في السنة الثانية، ويقدّر عددهم بـ 190 ضابطاً «فئة أولى» (من المسيحيين، بحسب تسمية الجهات العسكرية)، و15 ضابطاً «فئة ثانية» (أي من المسلمين).

وتخرّج طلاب «دورة عون» في أول ابريل 1994، وبذلك يكون هؤلاء قد أمضوا في المدرسة الحربية حوالى 14 شهرًا، أي أقل من سنتين دراسيتين في الكلية الحربية (السنة الدراسية 11 شهرًا)، بينما تخرّجت الدورة التالية في أول أغسطس 1995. وبذلك يكون ضباط «دورة عون»، قد حصلوا تلقائيًا على أقدمية ستّة أشهر بالترقيات على زملائهم .

وتقول المصادر التي تعترض على الترقية إن المرسوم سيثير بلبلة داخل المؤسسة العسكرية، «إذ يشعر 346 ضابطًا بالظلم نتيجة نيل زملاء لهم أقدمية لا يستحقونها، تؤهّلهم للحصول على ترقيات إلى رتبة عميد في غضون سنتين، بينما يحتاج العقداء الآخرون إلى أربع سنوات للوصول إلى الرتبة نفسها. وبسبب غلبة المسيحيين على ضباط «دورة عون»، فإن هذا المرسوم سيحدث خللاً في بنية الجيش الطائفية في العامين المقبلين، وبذلك سيكون الجيش بعد عامين أمام مئات العمداء من المسيحيين، في مقابل عدد قليل من العمداء المسلمين، مع ما تعنيه رتبة عميد من أهمية داخل المؤسسة العسكرية.

و استغربت مصادر مقربة من رئيس مجلس النواب نبيه بري توقيع رئيس الوزراء سعد الحريري (السني ) على المرسوم، فيما قالت مصادر معنيّة إن حزب الله معارض لهذه الخطوة، وهو يقف خلف موقف بري، من دون أن يتدخل  لحل الأزمة. كما أكّدت مصادر عين التينة أن موقف الزعيم الدرزي وليد جنبلاط حاسم إلى جانب برّي. 

ولكن ما أغضب بري أكثر أن المرسوم صدر بتوقيعي رئيس الجمهورية المسيحي الماروني ورئيس الوزراء السني دون توقيع وزير المالية الشيعي الذي يعتبر أعلى ممثل للطائفة الشيعية في السلطة التنفيذية ويفترض أن توقيعه ضروري لهذا السبب.

 الأزمة تطورت لتراشق إعلامي بين التيار العوني وحركة أمل انعكس على التحضيرات  لمؤتمر الاغتراب اللبناني الذي يقف وراءه وزير الخارجية جبران باسيل صهر عون ورئيس التيار الوطني الحر (تيار عون) بعد أن خشي الأخير عدم حضور أعضاء الطائفة الشيعية الذين يمثلون أغلبية المهاجرين اللبنانيين في إفريقيا للمؤتمر فخرجت عنه هذه التسريبات التي تسئ لبري وتتهمه بأنه بلطجي بدعوى أنه هدد من يحضر المؤتمر وقوله إن الحل معه بكسر رأسه، لتدخل الأزمة مرحلة خطيرة خاصة بعدما نسب لباسيل اعترافه بصحة الكلام دون اعتذار لبري.

قوبلت التسريبات بغضب من قيادات أمل وأنصارها الذين هاجموا باسيل بل حتى الرئيس اللبناني العماد ميشال عون .

وبعد ساعات على التسريبات ، قطع أنصار "أمل" عددًا من الطرق احتجاجًا على هذا الكلام.

وأقدم عدد من الشبان على إحراق الإطارات أمام مكاتب التيار الوطني الحر احتجاجا على كلام باسيل، ووصلت الأمور لذروتها بدخول عدد كبير من الشبان المناصرين لأمل بلدة الحدث المسيحية، فيما وصف بغزوة الحدث، في سيارات ودرجات نارية ويحملون رايات وأعلام حركة أمل، وحدث إطلاق نار ، وقد تجمّع في المقابل عشرات الشبّان من أبناء البلدة المسيحية في شوارعها، وما لبث أن تدخل الجيش اللبناني على الفور ووضع حداً لحالة التوتر والفوضى، وأعاد الأمور إلى نصابها، فارضًا حالة الأمن من جديد.

و قالت مواقع لبنانية إن شبانًا من حركة "أمل" أطلقوا النار في منطقة الحدث، وعلى الأثر نزل شبان من "التيار الوطني الحر" إلى الشارع وهم يحملون السلاح، ثم تدخل الجيش وفصل بين الشبان منعا لحصول أي اشتباك مسلح.

التيار الوطني الحر بدوره صدرت من أعضائه تصريحات تهدد باللجوء لتحركات من الشارع ردا على ماحدث الأمر الذي دفع حزب الله حليف الجانبين للتدخل للمرة الأولى بشكل حاسم بعد أن انتقد تصريحات باسيل ليتحرك بسرعة لتهدئة الموقف فعقد لقاء بحضور ممثليه وممثلي التيار العوني وحركة أمل في بلدة الحدث تم التأكيد فيه على طَي الصفحة والتمسك بتفاهم عون وحزب الله التاريخي  (تفاهم ما مارمخايل الذي أبرمه التيار الوطني الحر مع حزب الله في فبراير عام 2006 ).

كما نسق حزب الله عملية إجراء الرئيس عون لاتصال هاتفي برئيس مجلس النواب بذريعة بحث التهديدات الإسرائيلية في حقول النفط والغاز اللبنانيين بهدف تهدئة الأمور دون كسر رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

تصريحات باسيل قوبلت بانتقادات من قبل معظم الأطياف اللبنانية ولكن تصرفات أنصار أمل التي شملت عمليات إطلاق نار وإحراق واستعراضات شبه عسكرية قوبلت بانتقادات حادة حتى من المسلمين السنة الذين ليسوا طرفا في الخلاف ولكن شوارع أحيائهم (يعيشون بشكل مختلط مع الشيعة بمعظم أحياء بيروت) هي التي تحملت أعباء الأزمة الأمر الذي أعاد للأذهان عصر الميلشيات وفوضى السلاح التي كانت أمل طرفا أساسيا فيها خلال الحرب الأهلية. 

و سلطت الأحداث الضوء كذلك على ضعف الدولة اللبنانية وحقيقة انفراد الشيعة بالسلاح المنظم الميليشيوي الذي يحتكره حزب الله وحركة أمل الأمر الذي وضع الجيش اللبناني والقوى الأمنية في موقف محرج.

كما سلطت الأزمة الضوء على مايعرفه اللبنانيون مسبقا من توتر للعلاقة بين عون وبري وهي العلاقة التي توصف لبنانيا بأنها علاقة حليف الحليف أي أن كلاهما حليف لحزب الله دون أن يكونا هما أنفسهما حليفين وهو الأمر الذي ظهر في امتناع كتلة بري عن التصويت لعون خلال جلسة انتخاب الرئيس عكس معظم القوى الرئيسيّة الأخرى.

 ولكن التساؤل الذي تثيره الأزمة هو لماذا ترك حزب الله الأمور تستفحل بين حليفيه ومن سيختار الحزب لو وصل لنقطة تلزمه باختيار أحد الحليفين أمل الشقيق الشيعي والتيار العوني الصديق الماروني.

بالنسبة للكثيرين فإن إجابة السؤال الأخير تكاد تكون محسومة لصالح أمل ولكن من يعلم بواطن الواقع اللبناني يدرك أن الحزب لن يسمح لنفسه أن يصل لإجابة هذا السؤال فعون الذي يمتلك أكبر كتلة مسيحية في البرلمان والثانية بعد تيار المستقبل بالنسبة لحزب الله هو شريك استراتيجي يوفر له غطاء مسيحيا كبيرا من دونه يتحول الحلف الذي يقوده الحزب لمحور شيعي بلا شرعية وطنية عابرة للطوائف ودون كتلة برلمانية  وازنة، الأمر الذي سيفقده دوره شبه المهيمن على الساحة السياسية خاصة بعد أن أوصل الحزب عون للرئاسة.

وفي الوقت ذاته لايمكن للحزب التخلي عن بري شريكه في الهيمنة المطلقة على الطائفة الشيعية وفي السيطرة الميدانية على الشارع اللبناني عبر ميليشيات أمل الأكثر انتشارا في المدن والمناطق السكنية خاصة تلك المختلطة بين الشيعة والسنة، والأهم هو سيطرة أمل على المناصب الشيعية في الدولة ناهيك عن دور أمل في توفير ظهير ذي وجه شبه علماني له علاقات عربية ودولية معقولة  للحزب الأصولي الذي يتبع عقيدة الولي الفقيه ويعاني من عزلة عربية ودولية.

أما السؤال الأول ؟ : لماذا ترك الحزب الأزمة تستفحل فإجابته تبدو أصعب وترتبط بتكتيكات الحزب وطبيعة علاقته مع الطرفين أمل والتيار الوطني وطبيعة الطرفين ذاتهما.

فرغم أن حزب الله هو المهيمن الفعلي على السياسة والدولة اللبنانية، فإن تكتيكاته تميل إلى عدم التدخل في التفاصيل تاركًا الساسة اللبنانيين يتصارعون على المناصب والمكاسب بشكل يبدو فيه أنه مترفعًا عن هذه الصغائر نائيا بنفسه بالتالي عن تداعيات  هذه الصراعات على المواطن اللبناني الذي يعاني تردي الخدمات مع جني الحزب نصيبًا يبدو أقل من الغنائم وان تزايد بوتيرة بطيئة وإن كانت مستمرة .

ولايتدخل الحزب عادة بقوة إلا إذا مست الصراعات أو التحركات السياسية خطوطا حمراء أو قضايا استراتيجية بالنسبة للحزب أبرزها كل ما يمس سلاحه أو قواته مثلما حدث في أحداث ٧ آيار /مايو٢٠٠٨ عندما قررت الحكومة التي يقودها  رئيس كتل تيار المستقبل فؤاد السنيورة تفكيك شبكة اتصالات الحزب وإقالة مدير أمن مطار بيروت الشيعي المقرب للحزب فاقتحم أعضاء أمل وحزب الله شوارع بيروت وبلدات درزية مهاجمين مقرات تيار المستقبل السني والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يقوده الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي كان القوة الدافعة وراء القرارات .

كما تشمل الخطوط الحمراء للحزب كل ما يمس الطائفة الشيعية بشكل جذري أو ضع الحلف السياسي الذي يقوده.

أما الدافع الأكثر تعقيدا لصمت الحزب عن الأزمة في بدايتها هو علاقته بطرفيها، إذ تتسم علاقة الحرب القوية مع عون بالحساسية نظرا لطبيعة الأخير وتياره الذي يميل للاعتزاز بالذات والعناد أحيانا والرغبة في الحصول على أكبر قدر من المكاسب .

فعون الذي يرى نفسه زعيما لمسيحي الشرق عامة وليس لمسيحي لبنان فقط اشتهر خلال الحرب الأهلية عندما كان قائدا للجيش الذي كان يسيطر عليه المسيحيون برفضه لأية تسويات سياسية وبمحاربته للجميع وتوليه منصب رئيس حكومة وإن كانت عسكرية وهو المنصب الذي يحتكره السنة وفقا للدستور.

التصدي لطموحات عون وتياره يبدو صعبا ويمكن أن يهدد علاقة الحزب مع الزعيم المسيحي صعب المراس، ولذلك فإن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري يقوم بهذا الدور الذي يحبذه هو شخصيًا في ظل غياب الكيمياء بينه وبين عون وبذلك يقوم بري بما لايستطيع الحزب القيام به في ظل حقيقة أن الحزب هو حليف عون وليس أمل في عملية تتحول أحيانا لتقسيم أدوار مقصودة ومتلائمة مع طبيعة العلاقة بين الأطراف الثلاثة  حليف صعب المراس مثل عون يتصدى له حليف يتمتع بالقرب من الحزب والاستقلالية الكافيين لضبط جماح أي تدهور غير مقبول أو متوقع  في العلاقة المتوترة.

وهذا بالضبط ما حدث في أزمة تسريبات باسيل.. ولكن هل يستمر نجاح سياسة حافة الهاوية في إدارة حزب الله لعلاقته مع الحليفين المتنافرين؟ .


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on