Tuesday,18 September, 2018
Current issue | Issue 1380, (8 - 14 February 2018)
Tuesday,18 September, 2018
Issue 1380, (8 - 14 February 2018)

Ahram Weekly

كل الأطراف رابحة.. "عفرين" بؤرة تقاطع المصالح الدولية في سوريا

مر ثلاثة أسابيع على معارك تركيا في عفرين ضد الميليشيات الكردية الانفصالية، لكن أي نجاحات مُعتبرة لم تتحقق، ويبدو أنها لن تتحقق لأن المنطقة بؤرة لتقاطع المصالح الدولية الكبرى، رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

بدأت تركيا بتاريخ 20 كانون الثاني/ يناير معركة عفرين المستمرة حتى الآن، بهدف القضاء على الميليشيات الكردية التي احتلت الشمال الغربي لسوريا، وصارت تُشكّل تهديدًا لتركيا من جهة، ولسوريا من جهة ثانية، واستندت تركيا في معركتها ضد الأكراد من منطلق أن (وحدات حماية الشعب) الكردية التي تُسيطر على شمال غرب سوريا تتبع لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، الذي يعتبر الذراع السورية لحزب العمال الكردستاني المصنفان كلاهما في تركيا كمنظمتين إرهابيتين.

عفرين بلدة سورية، تقع على الحدود الجنوبية لتركيا، كان يقطنها أكراد، كانوا يُشكّلون أكثر من صف عدد السكان، لكن حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أراد وصل هذه المنطقة بشمال شرق سورية، بهدف السيطرة على مساحة جغرافية مترابطة لإنشاء فيدرالية كردية ألقى عليها الأكراد اسم (كردستان الغربية)، وهو ما أوحى بأن نيّتهم الانفصال عن سوريا.

اعتمد الأتراك في هجومهم على عفرين لطرد الأكراد على فصائل سورية معارضة مسلحة، كانت خلال سنوات تتلقى التمويل والدعم والمساعدة من تركيا، ولاقت تركيا ترحيبًا من هذه الفصائل المسلحة للهجوم على الميليشيات الكردية بسبب ما قامت به هذه الميليشيات الكردية من ممارسات سيئة للغاية خلال الثلاث سنوات الأخيرة في شمال سوريا، ليس أخطرها التغيير الديموغرافي القسري للسكان السوريين العرب، وتدمير قراهم وحرق بيوتهم وقتلهم عند الضرورة.

استفاد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي من حالة الثورة السورية التي اندلعت في مارس 2011، لينسج تحالفين متناقضين، الأول -وهو الأساسي وغير المعلن- مع النظام السوري، حيث قام النظام السوري بتزويده بأسلحة وتعاون معه عسكريًا وأمنيًا واستخباراتيًا ضد المعارضة السورية، والتحالف الثاني -المعلن- مع "هيئة التنسيق الوطنية" التي تعتبر جزءًا من المعارضة السياسية في سوريا، وفسح هذا التحالف للحزب أن يخترق المعارضة السورية بسهولة، بل وصار رئيس الحزب (صالح مسلم) نائباً لرئيس هيئة التنسيق المعارضة، وهذه الازدواجية سهّلت للحزب السيطرة على مناطق واسعة من شمال سوريا يعيش فيها أكراد.

لم يكتف الحزب بهذين التحالفين المتناقضين، بل نسخ علاقات جيدة مع الإيرانيين في البداية، وقام بعمليات تنسيق عسكرية بينهما، ثم انتقل ليعقد تحالفات استراتيجية مع الروس، استهدفت هذه التحالفات بشكل أساسي المعارضة العسكرية السورية، ثم حين وجد الحزب أن كفّة الولايات المتحدة أرجح، قام بعرض خدماته على الولايات المتحدة وعقد معها اتفاقيات يكون بموجبها هو القوة العسكرية الأرضية التي تنقص الولايات المتحدة في سوريا.

مارس الحزب الكردي عبر ميليشياته عمليات تطهير عرقي في شمال سوريا، وأحرق مئات القرى الصغيرة، وطرد سكانها العرب والآشوريين، لتبقى المنطقة كردية بحتة، واتهمته منظمات حقوقية سورية بأنه ارتكب جرائم حرب ضد السوريين خلال السنوات الثلاث الماضية.

في عام 2016، أعلن الحزب إنشاء نظام فيدرالي في مناطق سيطرته في شمال سورية، استتبعه تشكيل مجلس تأسيسي للفيدرالية ونظام رئاسي وبرلمان، يضم ثلاث مقاطعات هي: عين العرب (كوباني) وعفرين، والجزيرة. وشكّل إدارة ذاتية وأجهزة أمنية (الأسايش)، وقوات عسكرية (قوات سورية الديمقراطية)، وبقيت علاقته بالنظام السوري جيدة حتى اليوم، حيث يتعايش الطرفان في غالبية هذه المناطق وينسقان مع بعضهما بشكل عميق.

90% من مقاتلي الميليشيات الكردية الذين يُسيطرون على شمال سوريا هم من غير السوريين، وتحديداً من أكراد تركيا، مرجعيتهم جميل بايق في جبال قنديل، أي لا علاقة لهم في واقع الأمر بالصراع السوري - السوري، وهدفهم وبرامجهم لا علاقة لها بالثورة السورية أو النظام، بل تتمحور حصراً حول تشكيل إقليم (غرب كردستان) على غرار إقليم (شرق كردستان) في العراق، وكذلك، تشكيل خط مواجهة طويل مع تركيا، العدو التاريخي لميليشيات حزب العمل الكردستاني، أي أن البرنامج هو كردي تركي يستخدم الأرض السورية كساحة للقتال والمواجهة.

تعتبر تركيا حزب العمال الكردستاني خطر على أمنها القومي، ولديها تاريخ حافل بالعنف معه، فقد تعرضت تركيا للعديد من العمليات الإرهابية من طرف هذا الحزب، راح ضحيتها المئات من الأتراك، ولأن العمال الكردستاني اقترب من السيطرة على شمال سوريا بالكامل، فقد قررت تركيا التخلي عن الحليف الاستراتيجي الأمريكي لأنه رفض اعتبار هذا الحزب خط أحمر، ورفض إقامة منطقة عازلة شمال سوريا خالية من الميليشيات الكردية، وحين قررت الولايات المتحدة التحالف مع الأكراد في شمال سوريا، وزوّدتهم بالسلاح والتدريب والدعم، تحالفت تركيا مع روسيا التي وعدتها بأن تكون أكثر ليونة وتأييداً بهذا الموضوع.

لكن الولايات المتحدة وقفت موقف المتفرج عندما هدمت تركيا على الأكراد في عفرين، ولم تقم بحماية الحليف الكردي، وتبيّن أن التحالفات بين الطرفين تحالفات هشّة، وبقي الأكراد وحدهم في مواجهة الآلة العسكرية التركية.

وجدت روسيا في معركة عفرين فرصتها لتعيد إحياء العلاقة مع أكراد سوريا، وهي علاقة مهمة الآن بالنسبة للروس، على اعتبار أن الأكراد يُسيطرون على نحو ثلث مساحة سوريا في الوقت الراهن، وهذا ما سيُحسّ من الوضع الروسي في سوريا.

مرّ أسبوعان على الحملة التركية ضد الميليشيات الكردية في عفرين، استُخدمت فيها تركيا قوة نارية كبيرة وكثيفة، وآلاف المقاتلين السوريين من كتائب تنتمي إلى الجيش السوري الحر، وكشفت المعارك العنيفة التي دارت طوال الأيام الماضية صعوبة مهمة القوات المهاجمة في ضوء تداخل وتشابك المعطيات السياسية والعسكرية والجغرافية إن لجهة صلابة القوة المدافعة التي تخوض المواجهة معززة بعقيدة سياسية متينة وخبرة ميدانية وجغرافيا مواتية، رافقها تحول إقليمي ودولي لصالح الأكراد والضغط على تركيا لوقف العملية.

 

لكن الحملة العسكرية التركية ضد عفرين لم تحظ بتأييد المعارضة السورية كلها، رغم مشاركة بعض الفصائل العسكرية المعارضة في هذه الهجمة، فقد اعتبرها الكثير من السوريين عدوانًا على أرض سورية، وبلدات سورية وبشر سوريين، وفي هذا الصدد قال الكاتب السوري المعارض علي العبد الله "استثمرت تركيا  ممارسات الميليشيات الكردية في المناطق العربية التي سيطرت عليها (قمع، ابتزاز، تجنيد إجباري، طرد من القرى بحجة العلاقة مع داعش) في تأليب العرب ضد الأكراد، ودفعت فصائل الجيش السوري الحر لتحمل الجزء الرئيس من المواجهة البرية وبذل الدم السوري في خدمة المشروع التركي".

ويعتقد العبد الله أن أهداف المشروع التركي لن تتحقق حتى لو انتصرت تركيا عسكريًا على الميليشيات الكردية، وقال: "قد تنجح الحملة العسكرية التركية بهزيمة الميليشيات الكردية، والسيطرة على منطقة عفرين، لكنها لن تُنهي الصراع التركي الكردي داخل تركيا وخارجها بل ستزيده مرارة واحتقاناً، وتبقيه نارًا متقدة يزيد أوارها كلما توفرت قدرات كردية على تصعيد الصراع، وكان الأجدى، على المدى الطويل، الانخراط في تسوية تاريخية تضع حداً للمواجهة الدامية وتفتح الطريق لاستقرار وازدهار شعوب المنطقة ودولها".

لكن الميليشيات الكردية ترفض أن تعقد هدنة مشروطة بعدم تمددها للسيطرة على شمال سوريا كاملاً، ويُجدد السياسيون الأكراد التابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي بأنهم لن يتخلوا عن مشروع "كردستان الغربية"، وهذا يزيد من اشتعال النيران ويهدد كل الشمال السوري بمعارك تستمر سنوات.

يقول المعارض السوري سعيد مقبل "ترى الولايات المتحدة إن مخاوف تركيا الأمنية مشروعة، وتُعلن رفضها إقامة كردستان سورية مستقلة، وتخلت عن الأكراد حين قرر الأتراك الهجوم عليهم في عفرين، وأعلنت أنه ليست لديها روابط مع أي قوة تابعة للأكراد في الجيب المنعزل في عفرين، لكنها حثت تركيا على ممارسة ضبط النفس، لكنها لم توقف المعركة، ولم تطالب بإيقافها".

وأضاف "لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستترك تركيا تسيطر على عفرين، لأن السياسة الأمريكية بهذا الصدد بالذات تعتمد على المخادعة، وعلى التوفيق بين المصالح الأمريكية وبين حلفائها الأتراك والأكراد على حد سواء".

يبدو أن الولايات المتحدة ستعمل بسرعة على تطمين تركيا، بطريقة صريحة بأنها ستقف ضد أي انفصال كردي أو توسع مناطقي في سوريا، ضد أي محاولات مستقبلية من جانب حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري للتعاون مع حزب العمال الكردستاني التركي، وفي المقابل ستعمل على تطمين الأكراد السوريين بأن واشنطن سوف تعمل مع تركيا لمنع أي توغلات تركية أو أي عمليات عسكرية في داخل الجيوب التي تقع تحت سيطرة هذا الحزب الكردي السوري، ما سيُعزز من قوة أمريكا في هذه المنطقة من سوريا، ويعزز أيضاً النفوذ الموالي لأمريكا والمعادي لإيران والمعادي للأسد والمعادي لتنظيم الدولة الإسلامية، وما سيُخرج كل الأطراف رابحة، في منطقة يصعب أن يربح فها طرف على أي طرف آخر. 


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on