Tuesday,19 June, 2018
Current issue | Issue 1381, (15 - 21 February 2018)
Tuesday,19 June, 2018
Issue 1381, (15 - 21 February 2018)

Ahram Weekly

النيران سورية.. والمواجهة إسرائيلية - إيرانية

لأول مرة منذ أربعين عامًا، تسقط طائرة إسرائيلية بنيران انطلقت من سوريا، ويعتقد كثيرون، بمن فيهم المعارضة السورية، أن هذه العملية شأن إيراني إسرائيلي لا علاقة لسوريا به، رسالة سوريا يكتبها باسل العودات

في العاشر من الشهر الجاري، شهدت السماء السورية أول مواجهة عسكرية إيرانية - إسرائيلية مباشرة فوق الأجواء السورية، بعد أن كانت إسرائيل تقصف مواقع عسكرية للنظام السوري وللميليشيات التابعة لإيران دون أي رد مقابل، لكن هذه المرة كان هناك رد، لم يتم التأكد إن كان ردًا سوريًا أم إيرانيًا، لكن المؤكد أن طائرة حربية إسرائيلية أُسقطت في شمال فلسطين من مضادات جوية انطلقت من سوريا.

اللافت في الرد الإسرائيلي أنه لم يتهم سوريا بل إيران، حيث قال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي "نعتبر الحادث هجومًا إيرانيًا على سيادة إسرائيل... وتجرّ إيران المنطقة نحو مغامرة لا تعلم كيف تنتهي"، وسرعان ما كُف الطيران الإسرائيلي هجماته على مواقع عسكرية سورية تجاوزت الـ 12 موقعاً خلال 24 ساعة، تضم دفاعات جوية ورادارات، وهددت بالمزيد.

سارع النظام السوري إلى إيقاف حركة الطيران كلياً من مطار (T4) قرب تدمر (وسط سوريا) بعد تدمير إسرائيل جزءًا منه، وهو المطار الذي انطلقت منه طائرة إيرانية بدون طيار ودخلت الأجواء الإسرائيلية تسببت بكل المشكلة، كما قامت قوات النظام السوري وميليشيات حزب الله اللبناني التابع لإيران بإخلاء مواقع عسكرية في جنوب سوريا تضم دفاعات جوية وقوات مدفعية، تحسبًا من قصفها من قبل إسرائيل.

تحدثت وسائل إعلام النظام السوري عن "انتصار تاريخي أسطوري"، كما تحدثت وسائل الإعلام المؤيدة للنظام عن أن سوريا "هي من أوقعت إسرائيل في كمين محكم، وقضت على نظرية التفوق الإسرائيلي"، وجزمت وسائل الإعلام تلك بأن سوريا "استطاعت إحباط المؤامرة على الأرض واليوم أحبطتها على السماء"، وقالت إن "حالة رعب غير مسبوقة تعم إسرائيل"، وذهبت إلى أبعد من ذلك لتقول إن الإسرائيليين "سيهربون من فلسطين قريبًا"، وأن "أمريكا في ورطة وتواجه مصيدة وستعيد دراسة حالة طائراتها"، فيما أكّدت وسائل الإعلام المقربة من حزب الله عن "فخّ إيراني نصب للإسرائيليين" ووقعوا فيه.

لكن المعارضة السورية سخرت من كل هذه الادعاءات، وحمّلت إيران مسؤولية تعريض سوريا والسوريين لقصف إسرائيلي غير مطلوب في الوقت الراهن، وقالت إنه يُثلج قلب السوريين إسقاط طائرة حربية إسرائيلية معادية، لكن لا يسعدهم أن تكون العملية لعبة إيرانية ساحتها الأرض السورية، وأن ما يجري شأن إيراني - إسرائيلي ساحته الأرض السورية والسماء السورية المستباحة من الجميع، والتي لا تُسيطر عليها نهائياً قوات الأسد.

لم يُسقط النظام السوري طائرة إسرائيلية واحدة خلال 40 سنة، بل لم يُطلق رصاصة واحدة على إسرائيل التي قامت بهجمات بسلاح الطيران عشرات المرات، وحتى قبل الثورة التي انطلقت عام 2011، وقامت بحماية الحدود الإسرائيلية بشكل مُحكم بحيث لا تنطلق من الجولان السوري أي عملية فدائية واحدة ضد إسرائيل.

ليس إسقاط الطائرة الحربية الإسرائيلية حدثًا عابرًا، ويمكن -مبدئيًا- النظر إليه على أنه رسالة إيرانية قوية للولايات المتحدة، رسالة لا تنوي إيران تحويلها لمواجهة مباشرة، أو إلى حرب مفتوحة، بل رسالة لإعادة الاعتبار للدور الإيراني في سوريا، وتذكير للولايات المتحدة بأن إيران قادرة على إثارة الكثير من المشاكل والقلاقل وحتى الحروب ما لم يتم أخذ مصالحها خلال تقاسم الساحة السورية، وتقطع الطريق على أي محاولة لتجاوزها، خصوصًا في ظل الكلام عن اتفاقات روسية - إسرائيلية، وروسية - أمريكية، لتحجيم النفوذ الإيراني في سوريا.

كذلك لا يريد الإسرائيليون التصعيد في هذه المرحلة، فهم في غنى عن فتح جبهة جديدة في الجولان السوري، خاصة وأن ميليشيات حزب الله والحرس الثوري الإيراني باتت تُسيطر على مساحات واسعة من القنيطرة التي تقع على مرمى حجر من القوات الإسرائيلية، وساعد الاستنفار الدولي بين العواصم الكبرى الطرفين في تحجيم التداعيات، لاسيما بتدخل موسكو وواشنطن لامتصاص المواجهة ووضعها في إطارها السياسي دون الذهاب إلى المواجهة المفتوحة.

لكن هناك قراءة ثانية لما حدث في سوريا، فهناك فريق آخر من السوريين يعتقد أن ما حدث هو تعبير عن احتدام الصراع بين محورين: روسي إيراني من جهة، وأمريكي إسرائيلي من جهة أخرى، ويرون أن التحرش الإيراني بإسرائيل هو تحريض من الفريق الأول بالفريق الثاني، بغية إثبات الوجود، وتأكيد الحقوق المكتسبة على الرقعة السورية، وسط مخاوف من خطط أمريكية تقضي بتحجيم مكاسب جميع الفريق الأول ومعهم النظام السوري، ومحاولة من روسيا، عبر إيران والنظام السوري، لخلط الأوراق وتغيير قواعد اللعبة في سوريا، خاصة بعد إعلان الولايات المتحدة الشهر الماضي عن استراتيجية جديدة تجاه سوريا تُفضي بالضرورة إلى تغيير النظام السياسي وتحجيم الدور الإيراني وتقليص النفوذ الاستراتيجي الروسي.

وقد يساعد في قبول هذه القراءة إسقاط طائرة روسية من قبل المعارضة السورية في شمال غرب سوريا قبل إسقاط الطائرة الإسرائيلية بأيام، خاصة وأن فصائل المعارضة السورية المسلحة لا تمتلك مضادات جوية، ولابد أنها حصلت عليها من طرف دولي قوي وقادر على فرض إرادته، وهو ما يطبق على الولايات المتحدة وحدها، بعد أن أقنعت القيادة التركية نظيرتها الروسية أنه لا مصلحة لها بالعملة، وقامت بإجراءات حسن نيّة تجاه الروس أبرزها تسليم جثة الطيار الروسي القتيل، ومن ثم لاحقًا، السماح بدخول لجنة عسكرية روسية، برعاية تركية، إلى مكان سقوط الطائرة، لمعاينة حطام الطائرة والصاروخ الذي استهدفها.

كذلك لابد من الأخذ بعين الاعتبار استهدف المحور الروسي - الإيراني منشأة لـ (قوات سورية الديمقراطية) الكردية المدعومة أمريكيًا في شرق سوريا، وسرعة الرد الأمريكي عليها بإبادة الطائرات الأمريكية لما يقارب 100 عنصر من الميليشيات المدعومة إيرانيًا، ما دفع المحور الروسي - الإيراني لنقل الرد إلى جنوب سوريا.

هذه القراءة، إن صحت، تفتح الباب على مصراعيه نحو حرب واسعة وشرسة، حرب شبه مباشرة بين الولايات المتحدة وروسيا، تكون فيه سوريا ساحة المعركة، والسوريون أكثر المتضررين، لأنها لن تنتهي قبل أن تشهد سوريا دمارًا شبه كامل، وهذا مستبعد بالنسبة لمراكز الأبحاث والاستراتيجيين.

يقول المقدم إياد بركات، من الجيش السوري الحر في جنوب سوريا، لـ "الأهرام ويكلي": "في الغالب الأعم ليس لروسيا علاقة بقصف منشأة لـ (قوات سورية الديمقراطية) الكردية شرق سوريا، ولا بإسقط الطائرة الإسرائيلية، الأمر شأن وقرار إيراني بحت، وروسيا غير قادرة عمليًا على لجم إيران على الأرض، وفي نفس الوقت مستاؤون بتحرشاتها الجريئة بالولايات المتحدة شرق سوريا وبإسرائيل جنوب سوريا، وهي تسعى منفردة لإيصال رسالة للولايات المتحدة وروسيا في نفس الوقت بأنها لن تخرج من سوريا ما لم تحصل على ما تريد، وهو وصل جنوب سوريا بجنوب لبنان، ليكون حزب الله، الذراع العسكري لإيران في الشرق الأوسط، هو المتحكم والمسيطر على هذه المنطقة عالية الحساسية، وهم بالفعل مستعدون للدخول في حرب ومواجهة مباشرة إن قرر الأمريكيين والروس وضع حدًا لحزب الله في المنطقة" وفق قوله.

في 29 يناير الماضي زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موسكو، والتقى بوتين ضمن سلسلة من لقاءات متكررة بينهما بدءًا من التدخل العسكري المباشر الروسي في سوريا نهاية 2015. وعرض نتانياهو الأمور المقلقة لتل أبيب، وشملت: وجود أربعة مصانع إيرانية في سوريا ولبنان، وانتشار حزب الله وميليشيات إيرانية قرب خط فك الاشتباك في الجولان، وعدم تنفيذ بنود اتفاق خفض التصعيد الأمريكي - الروسي - الأردني"، واتفقا على عقد اجتماعات بين مجلسي الأمن القوميين في تل أبيب، الأمر الذي حصل في 30 من الشهر الماضي، للخروج بخطة لتناول مشاغل عسكرية وأمنية وكيفية تنسيق العمليات بحيث تواصل إسرائيل هجماتها ضد أهداف إيرانية من دون اعتراض روسي.

إذاً، هي كما لخّص الجيش الإسرائيلي، "أقل من حرب... وأكبر من مواجهة"، وفي الغالب هذا التوصيف دقيق، ذلك لأن إسرائيل لا تريد انتقال الأزمة السورية من حروب بالوكالة إلى حروب مباشرة بين الدول المتورطة فيها، وستبقى هذه الاحتكاكات والمواجهات مضبوطة ومسيطرًا عليها، ما لم تُصرّ إيران على إشعال فتيل الألغام في سوريا ضد إسرائيل والولايات المتحدة، حين تحين ساعة تقليص نفوذها في سوريا أو إنهائه، وعليه، تبقى الأزمة السورية رهن بالإرادة الإيرانية رغم ضآلة إيران أمام القوة والجبروت الروسي والأمريكي.

في الغالب، فإن الظروف والترتيبات الدولية الحالية لا تسمح بتطور الأمور عسكريًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل ن جهة، وإيران من جهة ثانية، لكن هذا لا يعني أن الأمور ستنتهي هنا، بل ستبقى احتمالات المعركة موجودة دائمًا، طالما استمر الوجود الإيراني في سوريا كثيفًا ومُقلقًا ومتمردًا، بما تمثله من خطر استراتيجي ليس على الشرق الأوسط ككل، بل وعلى جزء من المجتمع الدولي أيضًا.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on