Saturday,20 October, 2018
Current issue | Issue 1383, (1 - 7 March 2018)
Saturday,20 October, 2018
Issue 1383, (1 - 7 March 2018)

Ahram Weekly

الإرهاب والإعلام

جلال نصار يكتب عن " نجاح الجماعات" وغياب رؤية الحكومات

خلال الحقبة التي صاحبت انطلاق ما أطلق عليه ثورات الربيع العربي في الفترة من 2010 وحتى الآن، استطاعت الجماعات الإرهابية المسلحة التي ترفع شعارات الدين والجهاد أن تستغل كل التقدم الذي لحق بتكنولوجيا وسائل الإعلام مستغلين في ذلك الفضاء الواسع الذي ساهمت تلك التقنيات الحديثة في ترسيخه واتساعه اتساقا مع طبيعة الإرهاب الذي لا يرتبط بأرض أو وطن أو دين أو جماعة عرقية فقط يتم تتوظيفه وفق أهداف وارتباطا بأجندات دول وأجهزة مخابرات وأنظمة حكم سياسية لديها طموحات للعب أدوار أكبر من حجمها الجغرافي والسياسي والتاريخي.

لقد بدا واضحًا لكل مراقب مدى التفوق والمبادءة والمبادرة لتلك الجماعات الإرهابية في استخدام الميديا في نشر رسائلها بكافة الوسائط وامتلكت بنية عصرية من تلك الوسائط وأصبح لها جمهورا يتابعها وينتظر ويتداول أخبارها وفيديوهاتها وبياناتها وارتبطت في مراحل متقدمة بوسائل إعلام محددة تتلقى منها كل تلك الرسائل وتنشرها على نطاقات أوسع من خلال شاشتها أو مواقعها الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي.

كل هذا لا يأتى من فراغ، والعلاقة بين الأسلوب والوسيلة والهدف من وجود تلك الجماعات وأساليب توظيفها يحدد لنا كيف نجحت تلك الجماعات في هزيمة ترسانات إعلامية لدول كبرى ولو مرحليا، وخلال جولات من الصراع على عقل ووجدان المتلقي، فبعيدا عن الجدل العقائدي والإيديولوجي، فإن تلك الجماعات ارتبطت تاريخيا ولو بصور غير مباشرة وعبر عدة وسائط بأجهزة مخابرات لدول استعمارية أو مهيمنة أو تسعى للهيمنة دوليا وإقليميا وجرى استخدامها كوسائل لتحقيق أهداف توسعية أو لإحداث قلاقل في دولة ما أو ورقة ضغط على نظام حكم تمهيدا للحصول منه على مواقف ومكاسب سياسية واقتصادية وأمنية وعسكرية.

وإدراكا من الراعي لتلك الجماعات لأهمية تلك الجماعات فقد جرى  تدريبها وتجهيزها بكافة وسائل الاتصال والتواصل الحديثة بالتوازي مع تدريبها وتسليحها ودعمها لوجستيا ومعلوماتيا، لأن أي عمل تقوم به تلك الجماعات يفقد تأثيره كورقة ما لم ينتشر إعلاميا ويتابعه أكبر عدد من جمهور المشاهدين والقراء والمتفاعلين على صفحات السوشيال ميديا؛ فكانت لهم إصدارات ورقية دورية تصدر بشكل منتظم ومواقع إلكترونية وقنوات على اليوتيوب وصفحات على تويتر والفيس بوك جنبا إلى جنب مع قنوات فضائية تتبنى أفكارهم وقضاياهم وتروج لفكرهم ورموزهم وحقهم في التواجد على الساحة والمشاركة في الحكم من خلال توزيع مدروس للأدوار.

هذا التوزيع للأدوار بين وسائل الإعلام المملوكة للدول التي تدافع عن فكر هؤلاء وتروج  له كان دورها الرئيس هو التركيز على صناعة النموذج المقابل وإلقاء مسئولية ظهور تلك الجماعات المتطرفة على أنظمة بذاتها ساهمت بديكتاتوريتها في القضاء على النماذج المعتدلة، وعلى سبيل المثال كانت تروج للنموذج التركي وتجربة رجب طيب أردوغان في مقابل تجارب عدد من دول المنطقة، وكانت تروج لفكر جماعة الإخوان المسلمين في مصر وعدد من دول المنطقة في مقابل فكر الجماعات الجهادية والإسلامية والسلفية؛ ومازالت تروج لهذا النموذج  الإخواني مقابل نموذج أبو بكر البغدادي  وداعش وأخواتها في التطرف والعنف كي يستقر في وجدان الشعوب النموذج ونقيضه ويطفو على السطح دائما ومجددا نموذج الاعتدال الذي يروج له على مدار سنوات أو ما يسمى "تيار الإسلام السياسي".

"تيار الإسلام السياسي" الذي تمت هندسته داخل مراكز الأبحاث وأجهزة المخابرات الغربية وتحول مع الوقت إلى أقوى سلاح عرفته تلك الدول في هدم دول وأنظمة وتشريد شعوب وساهم فى إعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط جيواستراتيجيا بداية من سيناريو الفوضى إلى إعادة التشكيل اعتمادا على أنهم الأكثر تنظيمًا وحشدًا ويتحدثون بقاموس الشارع وخطاب الثواب والعقاب "الجنة والنار"، وأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة وتأشيرة دخول الجنة بعد أن فشلت كل الحلول والأنظمة والإيديولوجيات والبدائل وفسدت الحكومات وظل شعار "الإسلام هو الحل" من منظور سياسي اعتمادا على شعار وراية عودة الخلافة سواء رفعها أبو بكر البغدادي أو  أردوغان أو محمد بديع أو عبد المنعم أبو الفتوح.

ساهم فى نجاح تلك الجماعات إعلاميًا غياب الرؤية لدى الدول وعقم تفكير الأنظمة الحاكمة والتقليدية والبيروقراطية التي تصاحب صناعة القرار وامتلاك الأدوات وتنعكس على السياسات التحريرية وإيقاع الحركة فتركت مساحات فراغ كبيرة احتلتها تلك الجماعات بمواد إعلامية وفكر تكفيري فمع كل حدث أو عملية إرهابية كان المتابع ينتظر بيانات إعلان المسئولية عن الحادث يتلوها صور وفيديوهات وتصريحات عن العملية في مقابل تصريحات تنديد وشجب وإدانة تفتقر إلى أبسط أدوات إدارة الأزمة والتعامل مع مساحات تم شغرها بالصوت والحرف والصورة والتعليق تنال من وجدان ومعنويات الشعوب.

لقد كانت ومازالت تلك الجماعات تحرص على أن يتم تصوير كل مراحل عملياتها وتوثيقها لأن الهدف الأكبر دائما ليس أمنيا كما يبدو بل إعلاميا يسعى إلى إحداث ضجة وتأثير وصدمة ولأنهم يدركون أن دورهم وظيفيًا، فإن لم يتحقق التأثير والصدمة سقطوا وغاب الدعم وتخلى عنهم الراعى، لذلك فهم حريصون على خلق وتأهيل كوادر قادرة على التعامل مع كل جديد يساعدهم في هذا  الدعم المتواصل من الرعاة لتلك الجماعات.

ولعل هذا ما يفسر لنا كم الأجهزة والتجهيزات والمقرات الإعلامية التي عثرت عليها قواتنا المسلحة في عمليتها العسكرية "سيناء 2018"، وجميعها يتصل بالأقمار الصناعية وقواعد بيانات مهمة في الخارج وهو ما يدلل على فكر تلك الجماعات وعلى من يرعاها ويؤشر مجددا على أن معركة القتال الرئيسية ليست فقط في الميدان الحربي والأمني، ولكن على قناعات الشعوب وخياراتها في لحظات فارقة وصراع لتلك الشعوب بين واقع اقتصادي وسياسي مضطرب وصراع هوية وعقيدة ويغلف هذا الصراع أطماع على الثروة والنفوذ والسيطرة والمصالح لأطراف إقليمية ودولية.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on