Tuesday,19 June, 2018
Current issue | Issue 1383, (1 - 7 March 2018)
Tuesday,19 June, 2018
Issue 1383, (1 - 7 March 2018)

Ahram Weekly

مصر واتفاق صندوق النقد الدولي: دواء مر أم سم قاتل؟

أحمد قنديل يكتب: يتفق الكثيرون على أن برنامج الإصلاح المصري ضروري، ولكن مع بدء الاقتصاد في الانتعاش، يجب على صناع القرار أن يراقبوا صياغة سياسة اجتماعية شاملة

من المتوقع أن يذهب ملايين المصريين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد أربع سنوات على حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، فيما يشعر الكثير منهم بضغوط اقتصادية نتيجة لموجة ارتفاع الأسعار، وهو الوضع الذي تفاقم بشدة بعد أن أقدم الرئيس السيسي بشجاعة فائقة، على حد وصف الكثير من المتخصصين، على تطبيق حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، تتوافق مع الاتفاق الذي تم التوصل إليه مع صندوق النقد الدولي في 11 نوفمبر 2016. وكان هذا الاتفاق "ضرورة لا مفر منها" في ضوء الأوضاع الاقتصادية التي تلت ثورة الـ 25 من يناير 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك بعد 30 عاما قضاها في سدة الحكم.

وفي ضوء ذلك، هدف الاتفاق مع صندوق النقد الدولي إلى منح مصر قرض بقيمة 12 مليار دولار من أجل علاج " نقاط الضعف في الاقتصاد الكلّي وتعزيز النمو الشامل وتكوين فرص العمل". وبناءً على ذلك، شملت النقاط الأساسية في "روشتة" أو برنامج "تسهيل الصندوق الممدّد" (Extended Fund Facility) الذي قدّمه صندوق النقد الدولي ثلاثة محاور أساسية: الإصلاحات النقدية والمالية والهيكلية. فعلى الصعيد النقدي، كان على مصر أن تنتقل إلى سياسة سعر صرف مرنة وأن تحتوي التضخّم المالي. وأهمّ ما يعنيه ذلك تعويمُ الجنيه المصري. وعلى الصعيد المالي، كان على الدولة أن تخفّض الدين العام من خلال تقليص إعانات الوقود وزيادة الإنفاق على المجموعات الضعيفة مثل الشباب والنساء. وعلى الصعيد الهيكلي، كان على مصر أن تبسّط عملية منح التراخيص الصناعية وتوفر التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم وتلغي قانون تجريم الإعسار وتبسّط قوانين الإفلاس .

الدواء المر لصندوق النقد الدولي لم يكن من السهل قبوله من جانب صانع القرار المصري وملايين من المصريين. ففي عام 1977، عندما خفضت مِصر إعانات دعم المواد الغذائية في مقابل اتفاق للحصول على تمويل صندوق النقد الدولي، اندلعت أعمال شغب في مدن مِصر الكبرى، فأسفرت عن ما يقرب من 80 وفاة ومئات الإصابات. وبالتالي، كان لابد من إنهاء الاتفاق وإعادة إعانات الدعم. ومنذ ذلك الحين جرت مناقشة اتفاقات أخرى، بما في ذلك في عام 2012؛ ولكن أغلبها تم التخلي عنها.  وبالتالي ليس من المستغرب على هذه الخلفية أن ينظر العديد من المصريين إلى صندوق النقد الدولي بوصفه مؤسسة متعجرفة تسعى إلى فرض إرادتها على الدول دون اعتبار كاف للظروف المحلية. حتى أن بعض المصريين يعتبرون صندوق النقد الدولي أداة للهيمنة الغربية. وكان هذا التصور سببا في دفع الحكومات المصرية السابقة ليس فقط إلى تجنب طلب الدعم من صندوق النقد الدولي، بل وأيضا تأجيل المشاورات الاقتصادية السنوية اللازمة بموجب النظام الأساسي للصندوق.

صحيح أن الاتفاق الأخير مع صندوق النقد الدولي أدى إلى استعادة عافية الاقتصاد المصري في عدة نواحِ، ولكنه أدى في الوقت نفسه إلى ضغوط مرحلية على المواطن المصري. فعلى سبيل المثال، تراجع معدل التضخم في مصر، من أعلى مستوياته التي وصل إليها في يوليو من عام 2017م (35 في المائة)، إلى 22% حاليا، ومن المتوقع أن يبلغ 12% في العام الجاري. كما يشهد الناتج المحلي الإجمالي لمصر أيضا تحسنا ملحوظا، حيث من المتوقع أن يسجل 4.8% في يوليو المقبل، بعدما كان 3.5% فقط في العام الماضي. ومن ناحية أخرى، بدأ تردّد بعض المستثمرين يتبدّد تجاه العمل في مصر. ففي مايو 2017، باعت مصر عدداً أكبر مما كان متوقّعاً من سندات يوروبوند (3 مليارات دولار) إلى أمريكا الشمالية وأوروبا وبمعدّل فائدة يقلّ عن المعدّل الذي وصلت إليه منذ أشهرٍ قليلةٍ. كما بلغ صافي تدفقات الاستثمار الاجنبي المباشر 7.9 مليار دولار في عام 2016/2017 بعدما كانت 6.4 و 6.9 مليار دولار في عام 2014/2015 وعام 2015/2016. كما ارتفع احتياطي النقد الأجنبي إلى 38.2 مليار دولار في نهاية يناير الماضي. ومن ناحية أخرى، تحقق فائض في ميزان المدفوعات قيمته 5.8 مليار دولار في عام 2016/2017 بعد أن كان عجزا (-0.8 مليار دولار) في 2015/2016.

وفي ضوء كل ذلك، يرى عدد من المراقبين أن روشتة صندوق النقد الدولي، وما تحتويه من وصفات لإصلاح الأوضاع الاقتصادية المصرية، يمكن أن تتحول إلى سم قاتل، طالما كان الاهتمام منصبا فقط على الاهتمام بمؤشرات الاقتصاد الكلي كالنمو والاستثمار والتصدير فقط. صحيح أن هذه المؤشرات شروط ضرورية ولازمة لتحقيق التنمية الاقتصادية، ولكنها ليست كافية بذاتها، بل يجب أن تصاحبها سياسة اجتماعية تعمل على توزيع الدخول والثروات بشكل متوازن، وتحسين ظروف العمل، وتوجيه الموارد نحو التنمية البشرية، ومقاومة الممارسات الاحتكارية، وتوفير الفرص المتكافئة للمواطنين للتعلم والتقدم والمنافسة، والتدخل مباشرة لحماية الطبقات الأكثر فقرا. فهذه الآليات ضرورية لكى يكون هناك توزيعا متوازنا لثمار النمو. أما اختزال قضية العدالة الاجتماعية فى المزيد من المعاشات والمنح دون أن تصاحبها سياسة اجتماعية أكثر عمقا وشمولا، فقد يساهم مؤقتا فى تخفيف حالات الفقر المدقع، ولكنه لا يؤدى إلى تضييق الفجوة بين الثراء والفقر ولا تحقيق السلم الاجتماعى.

ولكن من المرجح أن تنجح مصر في تنفيذ برنامجها للإصلاح الاقتصادي في ضوء إقبال المستثمرين الأجانب على شراء السندات الحكومية، وزيادة تحويلات المصريين من الخارج، وارتفاع حجم الصادرات والاحتياطي الدولاري لدى البنك المركزي، وكذلك التوقعات بزيادة الاستثمار الأجنبى نتيجة لتحرير سعر الصرف، والتحسن التدريجي في عوائد السياحة، وقرب إنتاج الغاز الطبيعي من حقول البحر المتوسط، واستعداد المجتمع الدولي لمساندة مصر في ضوء الأوضاع الإقليمية الراهنة.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on