Friday,22 June, 2018
Current issue | Issue 1383, (1 - 7 March 2018)
Friday,22 June, 2018
Issue 1383, (1 - 7 March 2018)

Ahram Weekly

هل يوقف القرار الأممي مجازر الغوطة؟

بعد مماطلة، أصدر مجلس الأمن القرار 2401 القاضي بهدنة إنسانية لشهر في سوريا، وخاصة الغوطة التي شهدت مجازر، لكن المعارضة السورية تخشى أن لا يكون لهذا القرار أي معنى. رسالة دمشق  يكتبها باسل العودات

بعد مماطلة روسية، وتأجيل، واشتراطات، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 2401 القاضي بهدنة إنسانية مدتها 30 يومًا في سوريا، بما فيها الغوطة الشرقية، مع وقف الأعمال العدائية ووقف القصف وإدخال المساعدات الإنسانية والسماح بإجلاء الحالات الطبية، وساد اعتقاد بأن المذبحة التي بدأت في الغوطة منتصف الشهر الجاري ستتوقف.

مجزرة استخدم فيها النظام السوري العنف المفرط، وشنّ خلال أسبوع أكثر من 300 غارة جوية، ألقت أكثر من ألف صاروخ وقذيفة، قتلت خمسمائة مدني على الأقل، وخلّفت ألفي جريح معظمهم من الأطفال والنساء، في منطقة جغرافية صغيرة شرقي دمشق يقطنها نحو 420 ألف إنسان، يعيشون في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة والقسوة.

قررت روسيا والنظام السوري دخول مرحلة جديدة من التصعيد العسكري في الغوطة، التي تسيطر عليها المعارضة السورية المسلحة، فزوّدت روسيا قوات النظام السوري براجمات متطورة، وتحدثت عن ذلك علناً، واستهدفت قوات النظام بالطيران والمدفعية أحياء سكانية ومرافق طبية بشكل مباشر، في خرق كبير لاتفاقية (تخفيض التصعيد) التي ترعاها روسيا بين المعارضة والنظام، وخرقت أيضاً أحكام القانون الدولي، وسعت روسيا والنظام بكل الوسائل لتهجير السكان، وعرضتا عليهم الخروج الآمن من المنطقة مع المسلحين إلى شمال سوريا أو جنوبها، في عملية تهجير ممنهجة يتبعها النظام والروس للسيطرة على مناطق من سوريا، كما حدث في حلب وغيرها، وهو ما لم يلق أي موافقة من السكان ولا المسلحين.

المعارضة السورية، وفور سماعها اعتماد الأمم المتحدة للقرار 2401، أعربت عن تشاؤمها الشديد، لأنه قرار هش، لا يحدد وقت بدء التنفيذ، ولا يضع عقوبات ضد النظام السوري إن لم يلتزم به، ولأنه "لا قرار ذو مصداقية دون عقوبات رادعة مرفقة به لمن يمتنع عن التنفيذ" وفق المعارض السوري رياض نعسان آغا، ولأنه "في الغالب سيُضاف هذا القرار إلى سابقيه مثل بيان جنيف 1 وقراري مجلس الأمن الدولي 2118 و2254" وفق الكاتب السوري - الفلسطيني ماجد كيالي، ورغم هذا لم يكن بيدها إلا أ تتمنى أن يُخفف هذا القرار من آلام أهل الغوطة المنكوبين، ويوقف المقتلة، فالمعارضة من الضعف إلى الدرجة التي لا يمكن لها فعل شيء سوى ترجي الدول المتدخلة في الأزمة السورية أن تساعدها ضد النظام الذي يمتلك حلفاء كثر وأقوياء.

في الغوطة، لم يكن لحياة المدنيين والسكان أية قيمة بالنسبة للنظام وروسيا، حيث دّمّرت المشافي والمدارس والمرافق المدنية، ضد منطقة تعاني من الحصار منذ خمس سنوات متواصلة، مع استمرار الموت والحرمان، والفظائع التي ارتُكبت في الغوطة ما هي إلا نموذجًا للفظائع التي ترتكبها قوات نظام الأسد في طول البلاد وعرضها، ضمن خطط دقيقة للحصار والتجويع بهدف إبادة مجتمع كامل برمّته، جسدياً أكان أو معنوياً، ويشبه إلى حد كبير تقنيات العصور الوسطى في الحروب أكثر من أن يكون حرباً في عصر حديث.

سكان الغوطة محرومون من الغذاء والأدوية منذ خمس سنوات، لكن النظام سمح من وقت لآخر لبعض رجال الأعمال المقربين من الأسد ببيع المواد الغذائية وغيرها من السلع إلى المنطقة المحاصرة، ولكن بأسعار مضاعفة تصل بين أربعة وعشرة أضعاف ثمنها الحقيقي، في ترويج مباشر لتجارة الحروب، وعلى الرغم من المعاناة المستمر، فإنّ أهالي الغوطة لم يستسلموا، فزرعوا محاصيلهم بأراضيهم، وحفروا أنفاق تصل بضواحي دمشق، والتي دمرها النظام لمنعهم من إدخال المواد عبرها، وتفاقمت الكارثة الإنسانية، حتى أن النظام رفض إجلاء أكثر من 500 مدني جريح في حاجةٍ ماسةٍ إلى العلاج الطبي، معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين، رغم وساطات واحتجاجات منظمات دولية إنسانية وحقوقية.

في صيف 2017 كانت الغوطة إحدى مناطق (خفض التصعيد) المتفق عليها في مؤتمر أستانا، ولكن هذا لم يجلب أي مساعدة للمدنيين، على عكس ما وعد الروس والإيرانيون والأتراك، الضامنون لاتفاقية (خفض التصعيد)، ولم يتوقف القتال هناك.

استخدم النظام السوري والروس دائماً ذريعة (مكافحة الإرهاب) لارتكاب فظائع في الغوطة ومحاصرتها، ومؤخراً تدميرها على رؤوس سكانها، غير أن هذا العذر بات مكشوفاً بالنسبة للسوريين على الأقل، الذي أدركوا عبر تجارب سبع سنوات أن هدف النظام الأساس هو ترحيل السكان من المنطقة، وإجراء تغيير ديموغرافي فيها، وتوطين مؤيدين له، خاصة في المناطق الاستراتيجية، عسكرياً أو اقتصادياً.

العامل المشترك بين حملتي الإبادة، في حلب عام 2016، وفي الغوطة عام 2018، هو الدعم الروسي الكامل لسياسة الأرض المحروقة التي قام بها النظام، والعامل المشترك الثاني هو المحاصرة والتجويع، وهو تكتيك تتبعه إيران وميليشياتها في أكثر من منطقة سوريا، من أجل فرض الاستسلام والتوقيع على اتفاقيات مصالحة وتهجير، أشبه باتفاقيات الاستسلام الكامل.

هذه التكتيكات، الروسية العنيفة، والإيرانية القروسطية، تجعل النظام السوري يشعر بفيض قوة، يترجمها عسكرياً ضد المدنيين من دون أي اعتبارات إنسانية، وهذه الأطراف جميعها تتذرع بمحاربة الإرهاب، الذي لا يوجد أساساً في المناطق السكنية المأهولة التي يقصفونها ويدمرونها، بل حولها.

وتُكثّف دائماً خطابها الإعلامي والشعبوي إلى درجة تحريضية مخيفة تبلغ مستوى الدعوة للإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد سوريين آخرين، وهي دعوات تستحق (وحدها) المحاكمة والملاحقة الجنائية الدولية، والضخ الدعائي هذا يتم الترويج له بخطاب رسمي موجه من النظام المتباهي بقوته ودعم حلفائه وغياب قوة دولية قادرة على ردعه، كالمجتمع الدولي أو الولايات المتحدة، وهذا ما يدعو المعارض السورية للاعتقاد بأن القرار الأخير 2401 لن يكون مفيداً إلى الدرجة المأمولة.

بالفعل، لم تُخطئ المعارضة السورية، فبعد ثلاث ساعات من إعلان توافق مجلس الأمن على القرار، شن طيران النظام السوري ست غارات جوية على الغوطة، وقصف بغزارة صواريخه على المنطقة، رغم إعلان فصائل المعارضة المسلحة ترحيبها بالقرار والتزامها الحرفي به.

لا يمكن إغفال الغطاء السياسي الذي يوفره الكرملين للنظام في دمشق، بل، وفي الغوطة تحديداً، لا يمكن إغفال الدور الروسي، الذي اعتبره معارضون سوريون أنه دور انتقامي ليس إلا.

"تنتقم روسيا من السوريين، ومن الحاضنة الشعبية للمعارضة، بأساليب وحشية، تنفذها بالنيابة عنها قوات النظام السوري، فروسيا منيت خلال الأسابيع الأخيرة بنكسات كبيرة في سوريا، فقد فشل مؤتمر سوتشي الذي حرص الرئيس الروسي شخصياً على إنجاحه، وكان لمقاطعة المعارضة السورية له دور كبير في إفشاله، كما أسقطت المعارضة السورية لها طائرة حربية وقتلت طياراً حربياً روسياً، ثم قصفت الولايات المتحدة تجمعات لمقاتلين روس وإيرانيين وروس، وقتلت (وفق الإعلام الروسي) 214 مقاتلاً روسياً، أثاروا الرأي العام وقلبوه ضد الرئيس فلاديمير بوتين الذي يستعد للانتخابات الشهر المقبل، وأخيراً، فضحت هذه الواقعة اعتماد روسيا على شركات مرتزقة خاصة (فاغنر) لتوريد المقاتلين إلى سوريا، وهذه بحد ذاتها فضيحة دولية لروسيا، وروسيا غير قادرة على رد الاعتبار لنفسها إلا بالانتقام من السوريين، وهذا ما فعلته في الغوطة" يقول المعارض السوري سعيد مقبل لـ "الأهرام ويكلي".

كل هذا، يدفع السوريين إلى الاتجاه المعاكس الذي يرغب به الروس، فقد باتت روسيا بالنسبة للشريحة العظمى من السوريين دولة احتلال، تدعم نظاماً لا يحترم القوانين الدولية، ويقتل الشعب بلا حساب، وصار غالبية السوريين (عدا مؤيدي النظام) يسخرون ممن يقول إن روسيا يمكن أن تُشكّل جزءاً من الحل السياسي في البلاد، وأنها شريكة متحمسة للمذبحة الجارية في سوريا.

المماحكات، التي اعتمدتها روسيا في مناقشة قرار الهدنة في مجلس الأمن أنهكت جميع مندوبي المجلس، وأصرّت روسيا على أن قرار مجلس الأمن ليس سوى محاولة لحرمان روسيا والنظام السوري من "الانتصار" الذي يتحقق هناك! وحججها بأن "المجموعات المقاتلية غير القانونية" تتخذ المدنيين والجرحى دروعاً بشرية، وتمنعهم من مغادرة الغوطة (آخر معاقل المعارضة المسلحة حول دمشق) لم تعد تُقنع أحدًا من أعضاء مجلس الأمن، والحملة العالمية المستنكرة للجرائم التي ارتُكبت في الغوطة كانت أقوى من المماطلة والاستخفاف الروسي، ولهذا اتّخذ القرار 2401 بالإجماع.

من الواضح أن روسيا ليست على استعداد للمساومة على تدخلها العسكري في الأزمة السورية، حتى لو بدأ إدخالها بمستنقع ومياه آسنة، وحتى لو سقط لها 214 مقاتلاً تملأ أسماؤهم الصحف الروسية، وحتى لو أطل عليها المجتمع الدولي لقب "شريك أسوأ السيئين في العالم"، فهي جاءت إلى سورية وهي تحلم بإعادة هيبة القيصرية، وفرض نفسها قطباً ثانياً في عالم أحادي القطبية، وهي لديها معايير خاصة بمحاربة الإرهاب، لا تتناسب مع قيم الإنسانية، وتعتمد أساساً على القضاء على الهدف بغض النظر عن الثمن مقابل ذلك.

ليست روسيا والنظام السوري المسؤولان الوحيدان عن مجزرة الغوطة، وتحويلها إلى جحيم، وقتل 500 مدني خلال أيام، بل تشاركهما القوى الكبرى بلا استثناء، وفي المقدمة الولايات المتحدة بتراخيها وعدم اكتراثها ومماطلتها في فرض حل للأزمة السورية التي راح ضحيتها نحو مليون من القتلى السوريين، وضعفهم من المعاقين، وثلاثة أضعافهم من الأيتام.

منعت أمريكا السلاح النوعي عن المعارضة السورية، ومنعت توريده لهم من أي دولة حليفة للمعارضة، ورفضت التصدي للتمرد الروسي، أو الضغط على الكرملين أو مساومته جدياً لإنهاء هذا الصراع، وهدفها استنزاف الجميع، وتصمت طالما الجميع يخسر في سوريا ما عداها، وقد ينتظر السوريون كثيراً حتى يستيقظ ضميرها وتُقرر وضع حد للمأساة التي ستدخل الشهر المقبل عامها الثامن.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on