Sunday,21 October, 2018
Current issue | Issue 1383, (1 - 7 March 2018)
Sunday,21 October, 2018
Issue 1383, (1 - 7 March 2018)

Ahram Weekly

معركة عفرين تُعيد خلط الأوراق

مصير غامض للمدينة والمتصارعين فيها.. وقوات الأسد تزيد المشهد تعقيدًا، رسالة دمشق يكتبها باسل العودات

لم تتفاجأ المعارضة السورية باستنجاد الأكراد في عفرين بالنظام السوري، فهي تتهم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، المُشرف على الميليشيات الكردية في عفرين، بأنه جزء من النظام السوري، وكشفت بالوثائق تعاونه مع النظام طوال سبع سنوات، وحزنت لأنه حارب المعارضة السورية المسلحة، وتحالف مع إيران، ورفض التعاون مع المعارضة السياسية، واستفرد بشمال سوريا، وأقصى الأحزاب الكردية المؤتلفة مع المعارضة السورية، وعادى تركيا وأطلق حرباً ضدها في الشمال السوري، وهي لم تتفاجأ لعودته إلى "حضن" النظام السوري.

من جهتهم، يعرف المؤيدون للنظام السوري أن قادة هذا الحزب كانت لهم علاقات صلة تاريخية مع النظام السوري، وأن النظام استضاف لسنوات كل نشاط الحزب الكردي الأم (حزب العمال الكردستاني) في سوريا، ووضع معسكرات في خدمته ودعمه سياسياً ومالياً، وخلال الثورة أعلن كبار المسؤولين السوريين أنهم قدّموا السلاح لهذا الحزب ليُسيطر على شمال سوريا، وبالتالي، لم يتفاجأ الموالون للنظام بترحيبه بالجيش السوري في عفرين لأنه لم ينسَ مساعدات النظام السوري الكبيرة له.

دون أي جهد حربي وعسكري، تمدد النظام السوري في شمال سوريا، واستعاد هيمنته على عفرين، التي تشن ضدها تركيا حرباً بواسطة فصائل عسكرية سورية معارضة متحالفة معها، من أجل منع تمدد الأكراد وسيطرتهم على كامل الشمال السوري وصولاً للمتوسط.

إذاً، كان الأمر مكشوفاً بالنسبة للطرفين المتصارعين في سوريا، النظام والمعارضة، ولم يكن هناك من مفاجآت، ولا شك بأن الهجوم التركي الذي دخل شهره الثاني على عفرين، سرّع من قرار الحزب الكردي العودة للنظام وكشف أوراقه، حيث أوشكت الميليشيات الكردية على الهزيمة، خاصة وأن الغطاء الجوي التركي والقوة البرية العسكرية لفصائل المعارضة السورية والتسليح الجيد، سهّل لهذه الفصائل التقدم بسرعة نحو المدينة، ففضل الأكراد دعوة (حليفها) الخفي، لحمايتهم والوقوف معهم في وجه أنقرة.

قد يكون دخول الجيش السوري إلى عفرين مُرضياً لتركيا، لأن النظام السوري سيستلم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من الأكراد، وسيستلم المباني الحكومية كاملة، ويقوم بحفظ الأمن في حدود المدينة، وعليه فإنه سيُقوّض سلطة الأكراد على الحدود التركية لصالح نظام الأسد، وهو ما يُناسب أولويات الأمن القومي التركي، حيث تعتبر تركيا الكيانات الكردية خطرًا قوميًا إرهابيًا لا هدنة معه.

على الرغم من أن الوحدات الكردية لن تغادر عفرين، لكنها ستفقد السلطة والقوة هناك، وسيبقى لها دور مدني وعسكري محدود خاصة في تسيير الشؤون المحلية للمواطنين الذين باتوا في غالبيتهم العظمى من الأكراد، بعد أن قامت الميليشيات الكردية بتهجير السوريين العرب منها بالقوة والتهديد، وهذا التواجد سيكون بلا أنياب بضمانة النظام السوري وإيران، التي تربطها في الوقت الراهن علاقة أقل توتراً من السابق، وهذا بنظر الأتراك أفضل كثيراً من كيان كردي مستقل في جيب عفرين يهدد أمنهم دائماً.

لكن المعارضة السورية السياسية والمسلحة منزعجة، فقد شاركت مع أنقرة في الحرب على عفرين، لكنها لم تحصل إلى على نتيجة سيئة، وهي تمدد هيمنة نظام الأسد، العدو الأول للمعارضة، وأسمت على نفسها "الارتهان" لتركيا، وساهمت، مع الأكراد في نفس الوقت، بخلق شرخ في العلاقة مع الأكراد يصعب ترميمه، وكشف لهم أن الدول "صديقة الشعب السوري" لم تعد ترى الساحة السورية بعيون المعارضة، بل بعيون أولوياتها القومية والاستراتيجية الخاصة.

بالنسبة للنظام السوري، ما حصل نصر كبير، فقد تم تصويره بأنه المُنقذ الذي تلجأ له كل القوى لحمايتها، ودخلت طلائع قواته باستعراض "هوليودي" وهي تهتف "جايينك يا أردوغان" و"سنحارب العثمانيين"، في تعبير عن مشاعر دفينة تشكل هوية الميليشيات المدعومة من طهران.

لكن، مُخطئ من يعتقد أن عملية عفرين قد انتهت، فهي حتى اللحظة تعيش على حد السكين، وعلى شفير هاوية، فمن جهة، يعتمد الأكراد على دعم الولايات المتحدة، ودون هذا الدعم لما تمكّن الأكراد السيطرة على شيء في شمال سوريا، وفسح المجال لدخول قوات النظام سيؤثر على علاقة واشنطن بالأكراد، إن لم يكن قد تم بالتوافق، ومن جهة ثانية، فإن التفاهم الروسي - التركي حول وجود النظام السوري لم يكتمل، وتريد أنقرة ضمانات قوية وواضحة تتعلق بنزع مخالف كل الميليشيات الكردية من المنطقة، وكذلك فإن ثقة أنقرة بطهران ثقة وهمية وضعيفة، وهي تريد ضمانات أقوى من مجرد اتفاقيات (جنتلمان) مع هذه الأطراف، خاصة وأن إيران (التي ترتبط بالأكراد بعلاقة متينة) تضع بين أهدافها الاستفادة من التوافق الحالي للأكراد مع النظام السوري للتقدم في مناطق (درع الفرات) التي تُسيطر عليها المعارضة المدعومة من تركيا، وإزعاج الأتراك ليضطروا للانسحاب منها وإعادتها للنظام في النهاية، هذا التطور -إن حصل- يعني أن طهران، وبعد انتهاء التهديد الجهادي السني، ستنتقل إلى مرحلة إبعاد المنافسين الإقليميين في سوريا، وعلى رأسهم تركيا.

لكن، وحتى اللحظة، ورغم كل الدعايات والاحتفاليات والبهرجة، لم تدخل قوات النظام السوري إلى عفرين، بل ترابط على بعد عشرة كيلومترات عنها، فتركيا قصفت طلائع قوات النظام السوري المتجهة لعفرين قصفاً تحذيرياً ما دفع هذه القوات للعودة إلى حلب، وانتظار توافقات أقوى وأعمق، ومن دخل عفرين هم أفراد أرسلهم النظام السوري لأغراض إعلامية دعائية ليس إلا، ومسؤولون حكوميون لا علاقة لهم بالميدان العسكري.

إذاً، لم تتضح الصورة بعد، لكن مجرد كشف التحالف بين الأكراد ونظام الأسد سوف يعيد خلط الأوراق تماماً في هذه المنطقة من شمال سوريا، بعدما كان الشمال السوري ساحة قتال لطرفين، تركي وكردي (من خلفه دعم أمريكي)، سيصبح ساحة لأطراف عدة، وهي النظام السوري وإيران وروسيا، بالإضافة للأتراك والأكراد (ومن خلفهم الأمريكيون).

تسربت أنباء من موسكو أن الكرملين غير راض عن المفاوضات بين الوحدات الكردية والنظام، وهو غير موافق على دخول قوات تابعة للأخير إلى عفرين، بما يعكر من صفاء التوافقات الروسية - التركية بشأن الشمال الغربي من سوريا، ذلك أن الدخول المفترض للنظام سيضعه مباشرةً في مواجهة مع القوات التركية، الأمر الذي لا تريده أنقرة ولا موسكو.

هذه الوقائع تدعو للافتراض أن من يرعى العملية كلها هو إيران، وهي حركة إيرانية صرفة، تعتمد على اللعب على التناقضات، واستغلال الفوضى، وهي استراتيجية تبرع فيها إيران، فيما يفترض آخرون أن الأمر هو خلاصة اتفاق أمريكي - تركي - روسي، يقضي بتقليم أظافر الأكراد في عفرين وطرد الميليشيات العسكرية الكردية منها مقابل سيطرة النظام السوري عليها، وهو ما يُرضي الأتراك إن كان بضمانة روسية - أمريكية، وهذا يُفسّر إقدام الأكراد -الذين لا يستطيعوا الخروج عن الأمر الأمريكي نهائياً- على هذه الخطوة.

من المؤكد أن النظام السوري لم يدخل عفرين بفضل قوته وذكائه، بل لأنه كان (جوكراً) بيد طرف أو أطراف، لعبت به في الوقت المناسب، واستفاد هو من الدعاية التي لا يريد غيرها في الوقت الراهن، ويأمل الروس أن تكون هذه الخطوة بداية لعلاقات أفضل بين طهران ودمشق، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حين قال "إن هواجس تركيا الأمنية يمكن تلبية متطلباتها بحوار مباشر بين تركيا وسوريا"، وهو يعني النظام السوري، هذا ما يضغط الروس بشأنه على القيادة التركية منذ سنوات.

يُعتقد، إن دخول قوات النظام السوري إلى عفرين بتوافق روسي - أمريكي - تركي، سيؤدي لربح جميع الأطراف، فالنظام السوري سيكسب دعاية وسيقطع الطريق أمام المشروع الكردي الانفصالي، والأتراك سيُبعدوا الميليشيات الكردية عن الحدود، وسيكون بوسعهم القول إنهم انتصروا على الإرهابيين (الأكراد)، كما سيكون بوسع الأكراد أن يزعموا أنهم كسروا "العدوان التركي" وأنقذوا "الشعب" الكردي بحنكة سياسية، وسيربح الروس تقوية العلاقة مع الحليف التركي، ويربح الأمريكيون رضى تركيا، من غير أن يخسروا حليفهم الكردي.

لكن دخول قوات الأسد إلى البلدة الكردية وريفها سيخلق مشاكل غاية في التعقيد، فالنظام السوري -عملياً- لا يملك قوات فائضة عن حاجته ليرسلها إلى عفرين، وبالتالي فإن القوات التي ستدخل عفرين ستكون خليطًا من قوات النظام و(شبيحته) والميليشيات المدعومة إيرانيًا كلواء الباقر الشيعي العراقي، ولواء فاطميون ولواء زينبيون العراقيين الأفغانيين، وحزب الله اللبناني، فضلاً عن ضرورة الاستعانة بالميليشيات الكردية، غير السورية أساساً والقادمة من جبال قنديل، وهذا سيشكل تهديداً إضافياً لتركيا، وللولايات المتحدة التي تتحالف مع الأكراد، وللمعارضة السورية أيضاً، ولا أحد يمكن أن يتكهن بحجم المعارك التي يمكن أن تنتج عند أي مناوشة عسكرية بسيطة بين هذه الأطراف، وهذا ما دفع إبراهيم كالن، المستشار السياسي للرئيس التركي، للتأكيد على أن عملية (غصن الزيتون) ضد الأكراد في عفرين مستمرة حتى تحقيق أهدافها، وإعلان مسؤولين أتراك أن أي قوات ستدخل عفرين عليها أن تحمل أكفانها معها.

من الصعب التكهن بمصير عفرين، وبمصير أي طرف من الأطراف التي تُحارب في شمال غرب سوريا، خاصة وأن كل الأطراف باتت ضالعة بالأمر، أطراف محلية وإقليمية ودولية، وكل له مصالحه وأهدافه واستراتيجياته، المتناقضة تماماً، والمتنافسة دائماً، ويبقى الخاسر الوحيد هو السوريين، عرباً وأكراداً، والذين صارت بينهم حالة من العداء تحتاج لأجيال لتنتهي.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on