Saturday,17 November, 2018
Current issue | Issue 1388, (5 - 11 April 2018)
Saturday,17 November, 2018
Issue 1388, (5 - 11 April 2018)

Ahram Weekly

الأحزاب الهوياتية في مواجهة الأحزاب المدنية في العالم العربي

دينا شحاتة تتسائل عن سبب ضعف العديد من الأحزاب السياسية في العالم العربي 

من الفرضيات المتداولة حول أسباب ضعف أو غياب الديمقراطية في العالم العربي فرضية ضعف الأحزاب السياسية وعدم قدرتها على منافسة النظم الحاكمة بفاعلية. وكثيرا ما يتم تناول الأسباب السياسية والقانونية التي أدت إلى هذه النتيجة، ومنها القوانين المقيدة للحياة الحزبية، والإجراءات القمعية، وتزوير الانتخابات، واستقطاب الدولة للأحزاب، والانقسامات الداخلية والشخصنة، وغياب الديمقراطية الداخلية، واستبعاد الشباب، وعدم القدرة على تجنيد أعضاء جدد، وحشد المؤيدين، والتفتت والتنافس داخل كل تيار سياسي، والاستقطاب بين القوى والتيارات السياسية المختلفة.

لكن فرضية ضعف الأحزاب وتفتتها في العالم العربي هي فرضية قاصرة في عدد من جوانبها. فبينما تعاني العديد من الأحزاب، خاصة الأحزاب ذات الطبيعة المدنية ومنها الأحزاب اليسارية والأحزاب الليبرالية، من مشكلة ضعف البناء الداخلي والتفتت داخل التيار الواحد، فمن ناحية أخرى، فإن الأحزاب العقائدية والطائفية في العالم العربي ربما تعاني من المشكلة العكسية، حيث تتسم العديد من هذه الأحزاب بالقوة المفرطة؛ حيث تمثل هذه الأحزاب مجتمعات منفصلة ودولة داخل الدولة في العديد من الدول. وقد وصلت هذه الظاهرة إلى ذروتها في حالة الدول الفاشلة والهشة في العالم العربي، حيث تحولت هذه الأحزاب إلى مليشيات مسلحة ومشاريع لدويلات منفصلة.

بمعنى آخر، يمكن القول إننا أمام ظاهرتين متناقضتين. فمن ناحية، تعاني  الأحزاب المدنية من الضعف المفرط. ومن ناحية  أخرى، تعاني الأحزاب الهوياتية من القوة المفرطة. وقد أدت هذه الظاهرة إلى تشوه الحياة السياسية في معظم الدول العربية، وإلى تعزيز السلطوية والنزاعات الأهلية، وإلى تعقيد عملية التحول الديمقراطي.

سمات الأحزاب المدنية والهوياتية:

تتعدد السمات التى تتسم بها الأحزاب المدنية سواء كانت ليبرالية مثل أحزاب الوفد والمصريين الأحرار في مصر، وحزب نداء تونس, أو ماركسية/اشتراكية مثل أحزاب التجمع في مصر والجبهة الشعبية في تونس أو قومية /ناصرية مثل حزب البعث في سوريا والعراق وحزب الكرامة في مصر, ومن اهم هذه السمات الشخصنة وغياب الديمقراطية الداخلية واستبعاد العناصر النسوية والشبابية وممثلي الأقاليم والأقليات الدينية والعرقية مما يضفي طابعًا سلطويًا ونخبويًا وإقصائيًا على هذه الاحزاب, وكذلك كثرة الانقسامات والانشقاقات الحزبية وظهور العديد من الأحزاب الصغيرة داخل التيار الواحد, إلى جانب ضعف القدرة الحزبية على الحشد وتجنيد أعضاء جُدد نتيجة ضعف الموارد المالية وعدم الجغرافي خارج المدن الكبرى, فضلاً عن دخول الأحزاب المدنية في تحالف مع النظام الحاكم.

أما بالنسبة للأحزاب الهوياتية المُنقسمة لأحزاب ذات طابع ديني/ عقائدي كالأحزاب المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي, وأحزاب ذات طابع عرقي أو طائفي مثل "حزب الله" و"حركة أمل" في لبنان، فتتسم بالعديد من السمات من بينها أنها تُمثل مجتمعات منفصلة عن المجتمع الأوسع إما لخصوصيتها اللغوية والثقافية كما في حالة البربر والأكراد أو لمرجعيتها الطائفية كما في حالة الشيعة أو المسيحيين, أو لأسباب نفسية ومجتمعية مثل أحزاب الإسلام السياسي التي تسعى لفرض تصوراتها الدينية والأخلاقية المحافظة على المجتمع الأوسع, كما أنها تشكل في الكثير من الأحيان دولة موازية بتأسيسها مؤسسات ثقافية ودينية وتعليمية واجتماعية واقتصادية ورياضية وأحيانًا عسكرية وشرطية, إلى جانب قدرتها على التجنيد والتعبئة استناداً لأسس هوياتية, فضلاً عن اتسامها بقوة البناء الداخلي ودخولها في صدام مع الدولة المركزية والأحزاب المدنية.

المنظومات السياسية العربية:

يمكن تقسيم الدول العربية إلى أربعة منظومات سياسية تتسم كل منها بسمات وخصائص تفصلها عن النظم الأخرى، وتفرض على القوى السياسية المدنية والهوياتية أنماط تفاعل مختلفة, وهي:

1- نظم التنافسية أو شبه التنافسية تتسم بانعقاد انتخابات دورية تتسم بالشفافية، ووجود فصل بين السلطات, كما تمتع السلطة التشريعية بصلاحيات حقيقية وتمتع السلطة القضائية بالاستقلال, فضلاً عن وجود قدر من التوازن بين الأحزاب الهوياتية ونظيرتها المدنية ووجود مؤسسات أمنية تتسم بالحيادية والمهنية, وهو ما تجسده التجربة التونسية وبعض النظم الملكية مثل المغرب والأردن والكويت.

2- النظم السلطوية والتي تتمتع فيها السلطة التنفيذية بسلطة شبه مطلقة بينما تُقيد استقلال وصلاحيات السلطات التشريعية والقضائية، فضلاً عن تمتع الأجهزة العسكرية والأمنية بصلاحيات واسعة وفرض العديد من القيود القانونية والأمنية على الأحزاب السياسية وتم استخدام القمع بشكل واسع ضد المعارضين من التيارات المدنية والهوياتية. وغالباً ما تعتمد تلك النظم على حزب حاكم أو على عدد من الأحزاب الموالية لها ولا يُسمح للأحزاب والقوى المعارضة بالمشاركة في عملية اتخاذ القرار, وهو ما يؤدي لضعف الأحزاب السياسية سواء كانت مدنية أو هوياتية .

3- النظم الملكية التقليدية والتي تسيطر فيها الأسرة أو الأسر الحاكمة على السلطة بالتحالف مع بعض القوى التقليدية مثل القبائل والمشايخ والمؤسسات الدينية، ويتم تهميش القوى الحديثة مثل الطبقة الوسطى المتعلمة في المجالين الاقتصادي والسياسي، وفي تلك النظم لا توجد أحزاب سياسية مكتملة الملامح ولا توجد سلطات تشريعية وقضائية مستقلة ومكتملة الملامح لاقتصارها على مجالس شورى ذات صلاحيات استشارية وسلطات قضائية خاضعة في معظمها لسيطرة المؤسسات الدينية.

4- الدول الضعيفة والفاشلة والتي تتسم  بضعف او غياب الدولة المركزية مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق مما يسمح بازدهار الأحزاب الهوياتية وتحولها لمليشيات عسكرية مستقلة مُسيطرة على مناطق جغرافية وموارد طبيعية تمارس مهام الدولة في المناطق التي تسيطر عليها, وتتسم تلك المجتمعات باستقطابات حادة قد تؤدي لتقسيم الدولة بشكل فعلي أو رسمي, أما بالنسبة للأحزاب المدنية فتتسم بالضعف الشديد في مواجهة الأحزاب الهوياتية.

وبناء على ما سبق, يمكن التوصل إلى أن الأحزاب المدنية تكون أقوى في حالة النظم التنافسية وشبه التنافسية لقدرتها على تحقيق التوازن بين الأحزاب المدنية ونظيرتها الهوياتية, بينما تضعف في حالة النظم السلطوية والنظم التقليدية، وتصل لذروة ضعفها في الدول الضعيفة والهشة. أما بالنسبة للأحزاب الهوياتية فهي تزدهر في الدول الهشة والفاشلة وتكون قوية ولكن أقل استقلالاً في حالة النظم التنافسية وشبه التنافسية, بينما تُقوض أو تُستقطب في حالة النظم السلطوية والنظم التقليدية وبتراجع النظام الحاكم تكون هذه القوى الأكثر قدرة على حشد التأييد السياسي.

ثالثا: سيناريوهات مستقبلية

يمكن تحديد عدد من المسارات المستقبلية فيما يخص تطور الأحزاب والنظم السياسية في العالم العربي, منها المسارات الصراعية والتى قد تتخذ مسار الاحتراب الأهلي والتقسيم نتيجة ضعف الدولة المركزية واختفاء القوى المدنية وانقسام المجتمع لطوائف وهويات متصارعة لكل منها مليشياتها العسكرية والمؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية المستقلة اومسار نشأة نظم سلطوية جديدة في حالة طرف من الأطراف المتصارعة في السيطرة علي باقي الأطراف عسكرياً وسياسياً, فيتم تأسيس نظام سلطوي جديد يتم فيه نزع سلاح وتحييد القوى المتصارعة. ومن ناحية أخري من الممكن تصور مسارات توافقية وتشمل مسار الجمهوريات الدستورية وذلك في حالة تحول النظم السلطوية في عدد من الدول العربية مثل السودان والجزائر ومصر إلى نظم ديمقراطية قائمة على إطار دستوري يحفظ التوازن بين التيارات المدنية والهوياتية, عقب تراجع الاستقطاب المجتمعي وتطور بنية المجتمع المدني الداعمة للقوى المدنية وتزايد مهنية وحياد المؤسسات الأمنية أو مسار الملكيات الدستورية وشبه الدستورية وذلك بتحول عدد من الملكيات شبه التنافسية في العالم العربي مثل المغرب والأردن والكويت، إلى ملكيات دستورية تتزايد فيها صلاحيات القوى والمؤسسات المنتخبة، وتتراجع فيها صلاحيات الأسرة الحاكمة إلى نقطة الحفاظ على التوازن السياسي والمجتمعي بين القوى السياسية المختلفة. من ناحية أخرى، من الممكن تصور تحول العديد من النظم الملكية التقليدية في العالم العربي إلى نظم ملكية تنافسية أوشبه تنافسية، تتبلور فيها القوى السياسية وتتزايد فيها صلاحيات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بشكل مستقل عن الأسرة الحاكمة، وتتراجع فيها صلاحيات المؤسسات التقليدية لصالح المؤسسات المنتخبة.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on