Wednesday,21 November, 2018
Current issue | Issue 1389, (12 - 18 April 2018)
Wednesday,21 November, 2018
Issue 1389, (12 - 18 April 2018)

Ahram Weekly

مصر في عين العاصفة الإقليمية

جلال نصار يكتب كيف ستجد مصر نفسها في قلب الصراعات التي من المحتمل أن تعيد تشكيل المنطقة في السنوات القادمة

جلال نصار يكتب:مصر في عين العاصفة الإقليمية

يجمع المراقبون للمشهد الشرق أوسطي على أن المنطقة مقبلة على عدة صراعات حادة سوف تساهم في تشكيل مصير ومستقبل المنطقة؛ حروب بالوكالة وتحالفات سياسية وإقتصادية وأيضا عسكرية تحدد ملامح الصراع ومنحنى الصعود والانحدار للقوى الفاعلة في الإقليم وتلك الفاعلة من خارجه وترتبط بمصالح إستراتيجية داخله.

منطقة الشرق الأوسط من وجهة نظر كل مخططي السياسات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية عبارة عن بئر بترول وحقل غاز كبير  يسعى البعض إلى تأمين إمداداته للأسواق العالمية خاصة في الغرب الأوروبي والأمريكي وشرقا في الصين وروسيا والهند واليابان والنمور الأسيوية والبعض الآخر يسعى لبسط نفوذه ونيل حصص كبيرة من امتيازات البحث والشراكة في تلك الثروات وهو ما يتطلب فى كلا الحالتين استمرار حالة الصراع التى تخلق الحاجة إلى تحالف أو  قوى تحمي وتدعم وتحرس الثروات والأنظمة والممرات الملاحية؛ هذا إضافة إلى ما يتطلبه هذا الصراع من توفير الإمداد بالسلاح والذخائر والقواعد العسكرية فضلا عن الهدف الإستراتيجى بتأمين دولة الاحتلال الإسرائيلي التي لم تفقد بعد دورها الاستراتيجي الوظيفي لدى عدد من العواصم العالمية وخاصة الغربية.

كانت موجات الربيع العربي كاشفة لتلك الأطماع والصراعات التي لم تكن كلها مستترة ولكن لحظة خروج الشعوب وسقوط الأنظمة كانت كاشفة وكان كل الحديث وأدبيات السياسة وكراسات مراكز الأبحاث الغربية عن إعادة تقسيم دول المنطقة والفوضى الخلاقة ونهاية أنظمة وصعود أخرى وعن خرائط جيوسياسية ترسم ملامح تلك التغييرات ما هو إلا حديث نظري في حاجة إلى أن يختبر على أرض الواقع.

تم استغلال حالة الاحتقان وازدياد معدلات الفقر والبطالة وغياب العدالة في بعض دول المنطقة كي تكون وقودا لتلك العملية الهندسية الاستراتيجية ولعل الصراع الذي حدث في سوريا أكبر دليل على ذلك حيث كانت تحتم أطماع مرور خط الغاز الطبيعي القطري من الأراضي السورية وصولا للأراضي التركية ثم إلى الأسواق الأوربية التخلص من بشار الأسد ونظامه وجيشه ومؤسساته وتركها في حالة فوضى مرحلية أو تصعيد تيار إسلامي برجماتي إخوانى يضمن استكمال هذا الخط، وهو ما فطنت إليه روسيا التي سيقع عليها الضرر حال تنفيذ هذا المشروع لأن هذا الخط سيكون بديلا للإمدادت الروسية للسوق الأوروبية مما يفقد موسكو موردا ماليا كبيرا ونفوذا سياسيا مهما في معادلة التوازن مع أوروبا والغرب فكان موقف الرئيس فلاديمير بوتين المؤيد لبقاء واستمرار الأسد بأي ثمن.

ومرت مياه كثيرة تحت جسر الصراع في سوريا امتداد للأراض العراقية ومناطق الأغلبية الكردية حتى وصلنا للمشهد الحالي والذي نرى فيه بوتين يجتمع بالرئيسين التركى والإيرانى الأسبوع الماضي لتحديد مستقبل الأوضاع في سوريا استنادا إلى تحالف تحكمه المصلحة في تكوين تحالف أساسه ضمان وجود مركز إقليمى قوي لإمدادت البترول والغاز بعد أن فرض التحالف المصري اليونانى القبرصي أوضاعا جديدة على ساحة صراع ونفوذ الطاقة في منطقة شرق المتوسط وفي خلفية المشهد شركات كبرى تدافع عن مصالحها واستثماراتها وتشكل جزءًا من اقتصاديات دول ذات نفوذ مثل إيطاليا والولايات المتحدة وبريطانيا والصين إضافة لوجود لاعبين إقليمين يملكون حصة وورقة  في ملف الغاز تناور بها كلا التحالفين مثل إسرائيل.

صراع التحالفات والنفوذ تطال شظاياه دول مثل اليمن وليبيا ولبنان والعراق ودول الخليج؛ ففي الحالة اليمنية يجرى استنزاف الرياض وتحالفها العسكري ماليا وأمنيا بالتوازي مع تدمير شامل لقدرات الشعب اليمنى وأصبحت ساحة تهديد ونفوذ إيراني مباشر للجزيرة العربية والملاحة في منطقة باب المندب والبحر الأحمر؛ وفي ليبيا تستمر سياسة تفتيت القوى وتعدد مراكز صنع القرار وتوزيع النفوذ في حالة تغييب واضح إلى أن يتم الأتفاق على توزيع ثروات ليبيا الهائلة من النفط وتخليق نظام حكم يخدم مصالح الدول المتصارعة على الكعكة الليبية.

وفي السعودية التي تعيش حالة من التحولات الكبرى في نظام الحكم  والخطابين السياسي والديني نجد أن هناك إعادة لرسم الحركة والدور والتحالفات التي تضمن النجاح الكامل لتلك التحولات والانتقال السلمي للسلطة وهو ما يفرض على نظام الحكم المرونة التامة والتعاطي مع مشروعات إقليمية تضمن هذا النجاح فكانت المبادرة بطرح مبادرات ومشروعات اقتصادية ذات طابع إقليمي تضعها في تحالف مع مصر والأردن وربما إسرائيل؛ وكذلك صياغة حوار برجماتي مباشر مع العواصم الغربية والدولية ذات النفوذ الإقليمي مثل لندن وواشنطن وموسكو لضمان المرور الآمن بتلك المرحلة؛ ولعل التحالف المصري السعودي الإماراتي هو نقطة الارتكاز القوية والآمنة وربما المطمئنة في هذا الصدد لأنه موجه بشكل أساسي للدول التي تعمل ضد المصلحة العربية ولديها مطامع إقليمية وأدوار وظيفية مثل قطر وتركيا وإيران.

أمام تلك التحولات والصراعات والتحالفات تجد الدولة المصرية نفسها في عين العاصفة بكل ما تعنيه الكلمة بداية من تحملها الوزر - من وجهة النظر الغربية - في عرقلة مشروع تصعيد تيار الإسلام السياسي بثورة 30 يونيو 2013م وإفساد المخطط الكبير لإعادة هندسة المشهد في المنطقة وهو ما أضر بمصالح مهمة ومباشرة لدول كبرى؛ إضافة إلى أن نجاح التجربة المصرية يضر بالبقية المتبقية  من ذلك المخطط؛ فضلا عن أن مصر قد أصبحت مرشحة لأن تصبح مركزا للطاقة في منطقة المتوسط وهو ما يمنحها دورا حيويا ومهددا لبعض التحالفات والمصالح.

أضف إلى ذلك أن اعتماد القاهرة لسياسات وقرارات مستقلة قد سبب إزعاجا لقوى عربية ودولية لأنها ترتكز على قوة عسكرية كبيرة وظهير شعبي مؤيد لتلك السياسات ولم تفلح كذلك التحركات التي استهدفت الحصار الاقتصادي وإشغال القاهرة بملفات حيوية مثل المياه وحقوق الإنسان والحريات.

الأمر إذا يحتاج من القاهرة إلى اعتدال وتوازن في التحرك والتحالف مع الآخر وأن يكون لها أوراق في كل ملفات المنطقة وسياسة وخطوط حمراء معلنة يحترمها الجميع وأن تحافظ على فتح خطوط اتصال دائمة ومباشرة مع كل أطراف الصراعات الإقليمية وأن لا تنخرط فى صراعات خارج حدودها إلا في ما يمس مصالحها وأمنها القومي وأن تعمل على توحيد الجبهة الداخلية ونزع فتيل الأزمات التى تستغل من قبل من يترصد ويتصيد ويضغط بها لأن الداخل هو النواة الصلبة للكتلة المصرية وهو الذي يحمى الأرض والمؤسسات والمصالح في كل الأزمات ويرفع الضغوط عن القرار المصري.


للقراءة باللغة الإنجليزية إذهب إلى  (Read in English)

add comment

  
 
 
  • follow us on